أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فؤاد أحمد عايش - من روما إلى باريس إلى عمّان: جسور الحضارات نحو عالم متحاور















المزيد.....

من روما إلى باريس إلى عمّان: جسور الحضارات نحو عالم متحاور


فؤاد أحمد عايش
رئيس مبادرة الجسر الثقافي العالمي _ GCB

(Fouad Ahmed Ayesh)


الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 16:00
المحور: قضايا ثقافية
    


في عالم تتشابك فيه المصائر وتتقاطع فيه الثقافات، تبدو الحاجة إلى حوار حقيقي بين الحضارات أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. وليس الحوار ترفًا فكريًا، بل ضرورة إنسانية تفرضها طبيعة التاريخ نفسه، الذي علمنا أن الحضارات العظيمة لم تنشأ في جزر معزولة، بل وُلدت من رحم التفاعل والتبادل والانفتاح على الآخر.

وإذا تأملنا مسيرة الحضارة الإنسانية، نجد أن ثلاث محطات كبرى تركت بصماتها العميقة في تشكيل العالم: روما التي أرست دعائم القانون والنظام، وباريس التي حملت راية التنوير والفكر، وعمّان التي تقف اليوم شاهدة على ملتقى الثقافات والحضارات التي مرت بأرض الأردن، لتتحول إلى جسر معاصر بين الشرق والغرب.

لم تكن روما مجرد إمبراطورية امتدت على ثلاث قارات، بل كانت مشروعًا حضاريًا أعاد تعريف مفهوم الدولة والمجتمع والقانون. فقد امتدت الإمبراطورية الرومانية من بريطانيا شمالًا إلى النوبة جنوبًا، ومن المحيط الأطلسي غربًا إلى بلاد الرافدين شرقًا. وقد تركت هذه الإمبراطورية إرثًا لا يزال حيًا حتى اليوم، ليس فقط في الطرق والقنوات والمباني، بل في نظام القانون الذي أصبح أساسًا للقانون المدني في معظم دول العالم. وما يميز الإرث الروماني أنه لم يكن إرثًا مغلقًا، بل كان نتاجًا لتفاعل حضاري عميق. فقد اعترف الرومان بفضل الحضارة الإغريقية عليهم، ودمجوا فيها فلسفتهم وفنونهم، ثم طوروها وفق احتياجاتهم الخاصة. وهكذا تحولت روما من مجرد مدينة على نهر التيبر إلى عاصمة عالمية، تشع حضارتها على كل من حولها.

إذا كانت روما أعطت العالم القانون والنظام، فإن فرنسا أعطته الفكر والتنوير. ففي القرن الثامن عشر، أصبحت فرنسا قلب التنوير الأوروبي بلا منازع، حيث انطلق من صالونات باريس ومقاهيها أفكار فولتير وروسو ومونتسكيو وديدرو، لتعيد تشكيل الوعي الأوروبي برمته. وقد ارتبطت هذه الحركة الفكرية بفكرة أن قيم الحرية والمساواة والأخوة ليست حكرًا على شعب دون آخر.

ولم يقتصر التأثير الفرنسي على الفلسفة، بل امتد إلى الفنون والآداب والموسيقى والعمارة. وقد أصبحت باريس "نور العالم المفكر، ومحور العلوم والفلسفة والفنون". وهذا الإرث الفكري هو ما جعل فرنسا شريكًا أساسيًا في أي حوار حضاري عالمي.

على الضفة الأخرى من البحر المتوسط، وفي قلب الشرق الأوسط، تقف عمّان مدينةً تحمل في طبقاتها تاريخًا طويلًا من التعاقب الحضاري. فقد كانت المدينة قديمًا تُعرف باسم "فيلادلفيا" في العصر الروماني، وكانت جزءًا من تحالف المدن العشر. ويقف اليوم المدرج الروماني الذي يعود إلى القرن الثاني الميلادي، ويتسع لنحو ٦٠٠٠ متفرج، شاهدًا على تلك الحقبة. وعلى جبل القلعة، تنتصب أعمدة معبد هرقل التي تعود إلى القرن الثاني الميلادي، لتروي قصة مدينة كانت محطة على طرق التجارة القديمة.

وقبل الرومان، مرت بأرض الأردن حضارات عظيمة: الأنباط الذين نحتوا البتراء، والرومان الذين بنوا جرش، والبيزنطيون، ثم الحضارة الإسلامية التي تركت آثارها في المساجد والقلاع. هذا الموقع الجغرافي الفريد جعل من الأردن عبر التاريخ جسرًا طبيعيًا بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب. وقد وصف أحد المؤرخين الأردن بأنه "ملتقى الحضارات" بحق، إذ مرت به طرق التجارة القديمة، ومنه انطلقت القوافل محملة بالبضائع والأفكار.

واليوم، تحمل عمّان هذا الإرث الحضاري بوصفها عاصمة حديثة تجمع بين الأصالة والمعاصرة. وهي تحتضن الجامعة الأردنية التي تأسست عام ١٩٦٢، ومؤسسات ثقافية وتعليمية ودبلوماسية جعلتها نقطة التقاء بين الشرق والغرب. وإذا كانت روما قد أعطت العالم القانون، وباريس أعطته التنوير، فإن عمّان اليوم تعطي العالم نموذجًا للتعايش والانفتاح والسلام في منطقة مضطربة، وتقدم نفسها كمساحة للحوار بين الثقافات.

هذه المحطات الثلاث، على اختلاف سياقاتها وظروفها، تشترك في درس واحد جوهري: أن العظمة الحقيقية لا تأتي من الانغلاق، بل من الانفتاح على الآخر. وقد أثبت التاريخ أن الحضارات التي تفاعلت وتبادلت ووثقت جسور التواصل هي التي تركت أعمق الأثر في مسيرة الإنسانية.

ومن هذا الإيمان، انطلقت مبادرة "الجسر الثقافي العالمي" كمشروع ثقافي دولي مستقل يسعى إلى إحياء هذا التقليد العريق من التفاعل الحضاري. وقد بدأت المبادرة عام ٢٠٢٤ تحت اسم "الجسر الثقافي الروسي العربي"، قبل أن تتوسع رؤيتها لتشمل ثقافات متعددة من مختلف أنحاء العالم، مع الحفاظ على الروابط العميقة التي كانت أساس انطلاقتها.

وتعمل المبادرة على تقديم الحضارات والثقافات من خلال النشر الثقافي والفكري، وقد نشرت أكثر من مئتي مقال ثقافي وفكري بلغات متعددة، إلى جانب إعداد وإصدار كتب ومجلات ومواد بحثية. كما تسعى إلى بناء شراكات مع مؤسسات إنسانية وثقافية لتنفيذ مشاريع تعليمية واجتماعية تستهدف الشباب والمجتمعات.

وتولي المبادرة اهتمامًا خاصًا بالشباب، إيمانًا بأنهم القادرون على حمل مشعل الحوار الثقافي في المستقبل. ففي عالم يتيح فيه التواصل الرقمي فرصًا غير مسبوقة للتفاعل، أصبح بإمكان الشباب العربي أن يقدموا ثقافتهم للعالم بصورة معاصرة تعكس حيويتها وقدرتها على الإبداع. وليس المطلوب منهم أن يكونوا مجرد مستهلكين للمحتوى الثقافي، بل أن يصبحوا منتجين له: كاتب شاب يعرّف بثقافته، ومترجم شاب ينقل كتابًا من لغة إلى أخرى، وباحث شاب يدرس حضارة أخرى، وفنان شاب يقدم صورة مختلفة عن مجتمعه.

لم يكن التاريخ يومًا قصة حضارة واحدة، بل هو نسيج من التفاعلات والتبادلات التي شكلت معًا وجه الإنسانية. ومن روما إلى باريس إلى عمّان، ومن القانون إلى التنوير إلى التعايش، تتشابك الخيوط لتؤكد حقيقة واحدة: أن الاختلاف لا يعني بالضرورة الخصومة، وأن تعدد التجارب الإنسانية يمكن أن يكون مصدر ثراء لا مصدر صراع.

فالحضارات مختلفة، نعم، لكنها ليست متباعدة بالضرورة. وما نحتاجه أحيانًا ليس أن نبحث عن عالم متشابه، بل أن نتعلم كيف نبني جسورًا بين عوالم مختلفة... جسورًا من المعرفة، ومن الحوار، ومن الإنسانية المشتركة.



#فؤاد_أحمد_عايش (هاشتاغ)       Fouad_Ahmed_Ayesh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العلاقات الروسية العربية: جسور من الثقافة والمعرفة
- الثقافة جسر الحوار: عندما تتجاوز الشعوب خلافاتها
- الأردن: حكاية حضارة وهوية تسكن الذاكرة
- الجغرافيا الجديدة للقوة: عندما تتجاوز القوة حدود الخريطة
- التعاون الدولي: عندما تتحول الاختلافات إلى قوة مشتركة
- من الحوار إلى المشاريع المشتركة: نحو نموذج جديد للتعاون الثق ...
- حين تصبح المعرفة جسرًا بين الشعوب: لماذا نحتاج إلى دبلوماسية ...
- هل يمكن للثقافة أن تصنع السلام؟ عندما تصبح الحضارات جسورًا ل ...
- دور الشباب ومنظمات المجتمع المدني في صون التراث الثقافي
- التعاون الدولي.. نحو عالم أكثر تفاهمًا واستقرارًا
- مجلة الجسر الثقافي العالمي _ الإصدار السنوي الثاني 2026
- الفرصة القادمة: السعي نحو السلام
- حوار الحضارات بين أوروبا وأمريكا اللاتينية
- الثقافات العربية في القرن الحادي والعشرين: بين الأصالة والتح ...
- الثقافة العربية عند الغرب
- مفهوم الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين
- تأثير التكنولوجيا على الكتابة والأدب
- الترجمة ودورها الثقافي
- تحديات اللغة العربية في العصر الرقمي
- اللغة العربية


المزيد.....




- أفعوانية تتوقف فجأة.. وركاب عالقون على ارتفاع 30 مترًا
- إيران ترفض مساعي أمريكا لتوجيه المفاوضات نحو الملف النووي وت ...
- الجيش الإسرائيلي يستأنف العمل على طريق سوفا 53 و يستهدف بالق ...
- بعد 5 أيام من إخفائه: نيابة أمن الدولة تحبس صحفي -متصدقش- مح ...
- ماذا نعرف عن تجربة -صنع كلب خارق- الفاشلة في الأربعينيات؟
- -تهديد إماراتي بسحب المليارات من بريطانيا- - في التلغراف
- عراقجي: الحرب والعقوبات لن تجدي نفعا
- بقائي: هناك نقاش جدي للغاية في إيران حول الانسحاب من معاهدة ...
- إثيوبيا.. القوات الحكومية تسيطر على ميكيلي عاصمة تيغراي
- أستراليا تجدد العقوبات على أبو مريم الأسترالي


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فؤاد أحمد عايش - من روما إلى باريس إلى عمّان: جسور الحضارات نحو عالم متحاور