أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فؤاد أحمد عايش - حين تصبح المعرفة جسرًا بين الشعوب: لماذا نحتاج إلى دبلوماسية ثقافية جديدة؟















المزيد.....

حين تصبح المعرفة جسرًا بين الشعوب: لماذا نحتاج إلى دبلوماسية ثقافية جديدة؟


فؤاد أحمد عايش
رئيس مبادرة الجسر الثقافي العالمي _ GCB

(Fouad Ahmed Ayesh)


الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 18:27
المحور: قضايا ثقافية
    


في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وتتزايد فيه التحديات التي تتجاوز حدود الدول، أصبح الحوار بين الشعوب أكثر أهمية من أي وقت مضى. وبينما اعتدنا النظر إلى العلاقات الدولية من خلال السياسة والاقتصاد، هناك قوة أخرى لا تقل أهمية في بناء العلاقات بين الدول والمجتمعات: الثقافة والمعرفة.

فالثقافة لا تعرف الحدود، والمعرفة لا تحتاج إلى جواز سفر. ويمكن لكتاب أن يصل إلى قارئ في قارة أخرى، ولترجمة أن تفتح نافذة على حضارة بعيدة، ولعمل فني أن يخلق مساحة للتفاهم بين أشخاص لم يلتقوا من قبل.

لطالما كانت الثقافة جزءًا من العلاقات بين الشعوب، لكن العالم اليوم يحتاج إلى مفهوم أكثر تطورًا للدبلوماسية الثقافية. فلم تعد الدبلوماسية الثقافية تقتصر على المعارض الفنية أو الأسابيع الثقافية أو استضافة الوفود الرسمية، بل أصبحت تشمل منظومة واسعة من التبادل المعرفي والأدبي والفني والتعليمي. الجامعات، ودور النشر، والمكتبات، والمراكز الثقافية، والكتاب، والباحثون، والفنانون، والشباب، جميعهم قادرون على لعب دور في بناء جسور جديدة بين المجتمعات. وهنا تظهر أهمية الانتقال من دبلوماسية تتحدث عن الشعوب إلى دبلوماسية تتيح للشعوب أن تتحدث مع بعضها البعض.

ربما تكون الترجمة واحدة من أهم أدوات الدبلوماسية الثقافية. فعندما يُترجم الأدب العربي إلى الإنجليزية أو الصينية أو الروسية أو الهندية أو الإسبانية، وعندما تصل الرواية الصينية أو الروسية أو الهندية إلى القارئ العربي، فإننا لا ننقل الكلمات فقط، بل ننقل التجارب والأسئلة والقيم والصور الإنسانية.

الترجمة تجعل الآخر أكثر قربًا، وتمنح القارئ فرصة لاكتشاف الإنسان خلف اللغة والجغرافيا. ولهذا فإن دعم مشاريع الترجمة الأدبية والثقافية ليس نشاطًا لغويًا فحسب، بل هو استثمار طويل الأمد في التفاهم بين الشعوب.

أحد أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات اليوم هو انتشار الصور النمطية والمعلومات المجتزأة عن الثقافات الأخرى. قد يختزل مجتمع كامل في صورة واحدة، أو تُفهم حضارة من خلال أحداث سياسية محددة، بينما تمتلك هذه الحضارة تاريخًا طويلًا وثقافة غنية وتجارب إنسانية متنوعة.

فمعرفة الأدب والتاريخ والفنون والعادات والتجارب اليومية للشعوب تجعل الإنسان أكثر قدرة على فهم الاختلاف، وأكثر استعدادًا للحوار بدل إصدار الأحكام. كلما عرفنا الآخر بصورة أعمق، أصبح من الصعب اختزاله في صورة نمطية.

لم يعد الشباب بحاجة إلى منصب رسمي لكي يكونوا سفراء لثقافاتهم. في عصر المنصات الرقمية، يستطيع شاب واحد أن يقدم كتابًا أو فيلمًا أو تجربة ثقافية لجمهور من مختلف أنحاء العالم. ويمكن لمجموعة صغيرة من الشباب أن تنشئ مشروعًا ثقافيًا عابرًا للحدود، أو منصة للترجمة، أو برنامجًا للحوار بين الثقافات. وهذا يفتح الباب أمام مفهوم جديد للدبلوماسية الثقافية: الدبلوماسية الثقافية الشعبية والرقمية.

إن إشراك الشباب لا يعني فقط منحهم فرصة للتعبير، بل منحهم أيضًا فرصة لصناعة العلاقات الثقافية المستقبلية.

العلاقات الدولية التقليدية تركز غالبًا على الحكومات والمؤسسات الرسمية، وهذا الدور كان وسيبقى ضروريًا، لكن بناء التفاهم الحقيقي يحتاج أيضًا إلى علاقات مباشرة بين المجتمعات.

كاتب من بلد يستطيع أن يتعاون مع كاتب من بلد آخر. جامعة يمكن أن تتعاون مع جامعة أخرى. مكتبة تستطيع إقامة برنامج مشترك مع مؤسسة ثقافية في قارة أخرى. وشباب من ثقافتين مختلفتين يستطيعون العمل معًا على مشروع واحد. كل هذه العلاقات الصغيرة قد تبدو محدودة في البداية، لكنها مع مرور الوقت تصنع شبكة واسعة من الثقة والتفاهم.

وهنا تتحول الثقافة من نشاط جانبي في العلاقات الدولية إلى عنصر أساسي في بنائها.

لا تستطيع الثقافة وحدها أن تنهي الحروب أو تحل الأزمات السياسية المعقدة، لكنها تستطيع أن تهيئ البيئة الإنسانية التي يصبح فيها الحوار ممكنًا. فالسلام لا يعتمد فقط على الاتفاقيات، وإنما يحتاج أيضًا إلى معرفة الآخر واحترامه والقدرة على التواصل معه.

وعندما يقرأ الإنسان أدب شعب آخر، أو يتعرف إلى تاريخه، أو يستمع إلى موسيقاه، أو يناقش أحد أبنائه في تجربة مشتركة، فإنه يبدأ في رؤية ما وراء الحدود السياسية. وهذا لا يعني إلغاء الاختلاف، بل تحويل الاختلاف من مصدر للخوف إلى فرصة للتعلم.

من المهم أيضًا أن يكون للمنظمات والمبادرات الثقافية المستقلة دور أكبر في هذا المجال. فالمؤسسات الرسمية تؤدي دورًا أساسيًا، لكن المبادرات المستقلة تتمتع غالبًا بمرونة أكبر في بناء الشراكات وتنفيذ المشاريع والوصول إلى فئات جديدة، خصوصًا الشباب والكتاب والباحثين.

إن العالم يحتاج إلى شبكة واسعة من الجسور الثقافية، وليس إلى جسر واحد. ومن هنا يمكن أن تنشأ مشاريع تربط بين العالم العربي وروسيا والهند والصين وتركيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية وغيرها، بحيث يصبح التبادل الثقافي عملية مستمرة وليست فعالية موسمية.

إن فكرة الجسر الثقافي تقوم على مبدأ بسيط لكنه عميق: نحن لا نحتاج إلى أن نتشابه حتى نتعاون، بل نحتاج إلى أن نفهم اختلافاتنا ونحترمها.

فكل حضارة تحمل جزءًا من التجربة الإنسانية، وكل ثقافة تمتلك ما يمكن أن تقدمه للعالم. وعندما نفتح المجال أمام الكتب والترجمة والفن والبحث العلمي والحوار الشبابي، فإننا لا نتبادل المعلومات فقط، بل نبني معرفة متبادلة يمكن أن تتحول مع الوقت إلى ثقة وشراكة.

ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس: كيف نجعل العالم أكثر اتصالًا؟ فالعالم أصبح متصلًا بالفعل.

السؤال الحقيقي هو: كيف نجعل هذا الاتصال أكثر إنسانية وعمقًا؟ وهنا تأتي أهمية الدبلوماسية الثقافية الجديدة؛ دبلوماسية لا تكتفي بتمثيل الدول، بل تفتح المجال أمام الشعوب للتعارف، ولا تكتفي بتبادل المنتجات، بل تتبادل الأفكار، ولا تنظر إلى الاختلاف باعتباره حاجزًا، بل تراه فرصة لبناء معرفة جديدة.

قد تبدأ العلاقات بين الشعوب بمعاهدة أو اتفاقية، لكنها تصبح أكثر رسوخًا عندما تبدأ الشعوب في قراءة بعضها، والاستماع إلى بعضها، والتعرف إلى قصص بعضها البعض. فالمعرفة ليست مجرد وسيلة لفهم العالم، إنها واحدة من أهم الجسور التي يمكن أن نبني بها مستقبلًا أكثر انفتاحًا وتفاهمًا بين الشعوب.



#فؤاد_أحمد_عايش (هاشتاغ)       Fouad_Ahmed_Ayesh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل يمكن للثقافة أن تصنع السلام؟ عندما تصبح الحضارات جسورًا ل ...
- دور الشباب ومنظمات المجتمع المدني في صون التراث الثقافي
- التعاون الدولي.. نحو عالم أكثر تفاهمًا واستقرارًا
- مجلة الجسر الثقافي العالمي _ الإصدار السنوي الثاني 2026
- الفرصة القادمة: السعي نحو السلام
- حوار الحضارات بين أوروبا وأمريكا اللاتينية
- الثقافات العربية في القرن الحادي والعشرين: بين الأصالة والتح ...
- الثقافة العربية عند الغرب
- مفهوم الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين
- تأثير التكنولوجيا على الكتابة والأدب
- الترجمة ودورها الثقافي
- تحديات اللغة العربية في العصر الرقمي
- اللغة العربية
- الحوار بين الحضارات
- الفصحى والعامية _ جدل مستمر
- الدبلوماسية العربية من أجل السلام
- حين تتحدث الدبلوماسية الثقافية بلغة الشعوب
- من الدولة إلى المجتمع: من يقود الدبلوماسية الثقافية اليوم؟
- من يصنع صورة العرب في العالم: نحن أم الآخرون؟
- الشباب والدبلوماسية الثقافية: دور الفاعلين المدنيين في تعزيز ...


المزيد.....




- مقتل 37 شخصاً على الأقل وإجلاء المئات إثر غارة على مستودع أس ...
- الخارجية التركية: اتهامات إسرائيل لأردوغان تعكس -عقلية جبانة ...
- لقطات توثق لحظات مميتة.. عمدة لوس أنجلوس تطالب بمراجعة أداء ...
- مقتل ضابط وإصابة آخر في إطلاق نار بولاية ساوث كارولاينا الأم ...
- مالكة عقار أجرت شقة لاثنين من منفذي هجمات 11 سبتمبر تكسر صمت ...
- إقالة وزير دفاع كوريا الشمالية
- إحصائيات عسكرية -صادمة- تكشف بؤرة أزمة الاعتداءات الجنسية في ...
- ميركل تحث الألمان على -القتال من أجل هذه الديمقراطية-
- ماروتشكو: كييف أرسلت كتيبة -آزوف- إلى جبهة خاركوف
- انفجار قارب قبالة جزيرة سيتي آيلاند في نيويورك وإصابة 3 أشخا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فؤاد أحمد عايش - حين تصبح المعرفة جسرًا بين الشعوب: لماذا نحتاج إلى دبلوماسية ثقافية جديدة؟