أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فؤاد أحمد عايش - الثقافة العربية عند الغرب















المزيد.....

الثقافة العربية عند الغرب


فؤاد أحمد عايش
رئيس مبادرة الجسر الثقافي العالمي _ GCB

(Fouad Ahmed Ayesh)


الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 17:46
المحور: قضايا ثقافية
    


صورة الثقافة العربية في الغرب لم تكن ثابتة عبر التاريخ، بل تذبذبت بين الإعجاب والتقدير في فترات، والازدراء والتهميش في فترات أخرى، وبين الانبهار والافتتان، والخوف والكراهية، وبين الرغبة في التعلم والاقتباس، والرغبة في الهيمنة والاستعمار، وبين الحوار والتعاون، والصراع والعداء. هذه التذبذبات تعكس التحولات في العلاقات بين العرب والغرب، والمصالح السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية، وصور الآخر المتوارثة في المخيال الجمعي الغربي والعربي، وتأثير الإعلام والسينما والصحافة والروايات والدراسات الإعلامية والأكاديمية والدينية.

في العصور الوسطى، كانت صورة العرب والمسلمين في الغرب سلبية للغاية، بسبب الحروب الصليبية، والصراع الديني، والجهل المتبادل، وروايات الحجاج والتجار. صُوّر العرب في الأدب والفن والخطاب الديني الغربي على أنهم همج، متخلفون، ولا أخلاق لهم، ولا ضمير، ولا إنسانية. لكن في نفس الوقت، كان هناك غربيون مثقفون منفتحون، يقدرون الثقافة العربية، ويثنون على علومها، وآدابها، وفنونها، وحضارتها، ويستفيدون منها، وينقلونها إلى أوروبا، ويمهدون لعصر النهضة الأوروبية.

مع عصر النهضة والتنوير الأوروبي، تحسنت صورة العرب والمسلمين في الغرب نسبيًا، بفضل ترجمة الكتب العربية، والتعرف على الفلسفة والعلوم العربية، وتزايد الاهتمام بالاستشراق (دراسة الشرق)، وظهور مفكرين غربيين منصفين، أمثال فولتير، وروسو، وغوته، الذين أعجبوا بالثقافة العربية والإسلامية، وأثنوا على إسهاماتها في الحضارة الإنسانية. لكن الاستشراق نفسه كان سلاحًا ذو حدين، فقدم صورة مشوهة ومغرضة ومستشرقة للعرب والمسلمين، أحيانًا، خدمة للأجندات الاستعمارية والفكرية.

مع الاستعمار الأوروبي للعالم العربي في القرنين التاسع عشر والعشرين، ساءت صورة العرب في الغرب، وتم توظيفها لتبرير الاستعمار، والهيمنة، والسيطرة. صُوّر العرب على أنهم شعوب لا تصلح للحرية، ولا تصلح للديمقراطية، ولا تصلح للاستقلال، ولا تصلح للتطور، ولا تصلح للحضارة. والأسطورة الاستعمارية كانت أن الأوروبي يحمل "العبء الأبيض" لتنوير وتقدم وعصرنة وتحرير وتطوير الشعوب المتخلفة، وإدخالها رغمًا عنها في نعيم الحضارة الغربية.

أحداث 11 سبتمبر 2001 شكلت نقطة تحول مأساوية في صورة العرب والمسلمين في الغرب، وخاصة في الولايات المتحدة وأوروبا. فقد ارتبط العرب والمسلمون في أذهان الكثير من الغربيين بالتطرف، والعنف، والكراهية، والدمار. وانتشرت ظاهرة الإسلاموفوبيا (الخوف والكراهية من الإسلام والمسلمين)، وازدادت حوادث العنصرية، والتمييز، والاعتداءات اللفظية والجسدية ضد العرب والمسلمين في الغرب، وزادت القيود على الحريات، وزادت مراقبة المساجد والجمعيات والمدارس والجامعات الإسلامية.

لكن، مع ذلك، كان هناك غربيون منصفون، مثقفون، دافعوا عن العرب والمسلمين، وناضلوا ضد الإسلاموفوبيا والعنصرية والتمييز والكراهية والتطرف، وأشادوا بالثقافة العربية والإسلامية، وأثنوا على إسهاماتها في الحضارة الإنسانية، ودعوا إلى الحوار والتعايش والتفاهم والسلام. كما أن هناك الآلاف من الغربيين الذين اعتنقوا الإسلام، واختاروا العيش في الدول العربية، وأحبوا ثقافتها، وتعلموا لغتها، واندمجوا في مجتمعاتها.

الإعلام الغربي يلعب دائمًا دورًا كبيرًا في تشكيل صورة العرب والمسلمين في الغرب، وتأثر هذه الصورة، وتحسينها أو تدهورها، وتعميق الصور النمطية، أو كسرها. ومع الأسف، فإن أغلب الإعلام الغربي، يُقدم صورة سلبية ومشوهة للعرب، ويركز على العنف، والانتهاكات، والجرائم، ويغفل أو يقلل من إنجازاتهم، وإبداعاتهم، وحضارتهم، وقيمهم الإنسانية.

الصور النمطية السلبية عن العرب والمسلمين في الإعلام الغربي متعددة، منها: أن العربي غني (نفطي)، أو فقير (بدوي جائع)، أو تاجر (ماكر، جشع،)، أو إرهابي (مجنون، متطرف)، أو شيخ (متعدد الزوجات)، أو مهاجر (غير شرعي، استغلالي). وهذه الصور النمطية تتكرر في الأفلام، والمسلسلات، والأفلام الكرتونية، والإعلانات، وألعاب الفيديو، والصحف، والمجلات، والمواقع الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والإذاعات، والقنوات التلفزيونية الفضائية.

السينما الغربية لعبت دورًا كبيرًا في ترسيخ الصور النمطية السلبية عن العرب والمسلمين في أذهان المشاهدين في كل أنحاء العالم. من فيلم "لورنس العرب" (1962)، إلى فيلم "الإعصار" (1977)، إلى فيلم "ثلاثية الجحيم" (1990)... إلخ.

الدراسات الاستشراقية، رغم أهميتها في التعريف بالثقافة العربية والإسلامية في الغرب، كثيرًا ما اتسمت بالتحيز، والتعميمات الخاطئة، والمقدمات المغرضة، والاستنتاجات الخاطئة. المستشرقون، ببعض استثناءات قليلة، نظروا إلى العرب والمسلمين من أعلى، بوصفهم موضوعات للدراسة والتحليل والتفسير والإخضاع والهيمنة والسيطرة والاستغلال والتبشير، لا كبشر لهم كرامتهم، وحقوقهم، وقيمتهم. ثمة استثناءات إيجابية مشرقة، من مفكرين وكتاب وفنانين وإعلاميين وسياسيين غربيين، عرفوا العرب والمسلمين حق المعرفة، وقدروا ثقافتهم وحضارتهم، ودافعوا عن حقوقهم، وناضلوا ضد الإسلاموفوبيا والعنصرية والتمييز والظلم والاستبداد والاستعمار والهيمنة. من أبرزهم: جوته (ألمانيا)، وفيكتور هوغو (فرنسا)، وبرتراند راسل (بريطانيا)، وروجر غارودي (فرنسا)، ونعوم تشومسكي (الولايات المتحدة)، وجون إسبوزيتو (الولايات المتحدة)، وكارين أرمسترونغ (بريطانيا)، وتاريق رمضان (سويسرا)، وعلاء الأسواني (مصر- أمريكا)... وغيرهم كثير.

منظمات المجتمع المدني الغربية، وحقوق الإنسان، والمنظمات الإنسانية، والإغاثية، والبيئية، لعبت دورًا إيجابيًا في تحسين صورة العرب والمسلمين في الغرب، وفي التعريف بقضاياهم، وفي دعم نضالهم من أجل الحرية، والكرامة، والعدالة، والديمقراطية، والسلام. كما ساهمت في فضح الانتهاكات وكشف الجرائم، والتضامن مع اللاجئين، والمعتقلين، والأيتام.

الثورات التكنولوجية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والإنترنت، والقنوات الفضائية، أتاحت للعرب فرصة غير مسبوقة للتعريف بثقافتهم، وقضاياهم، وإبداعاتهم، وتصحيح الصور النمطية المغلوطة، والتواصل المباشر مع الجمهور الغربي، دون وسيط، أو تشويه، أو تحريف، أو تضليل، أو حجب. وهذه فرصة ثمينة، يجب استغلالها على أكمل وجه، لتحسين صورة الثقافة العربية في الغرب، وتعزيز الحوار، والتعاون، والتفاهم، والسلام.

صورة الثقافة العربية في الغرب مهمة جدًا للعلاقات العربية الغربية، وتاريخها، وحاضرها، ومستقبلها، وهي قابلة للتغيير، والتحسين، والتطوير، والتحديث، إذا توفرت الإرادة، والرغبة، والإخلاص من الجانبين. فالعرب بحاجة إلى الدبلوماسية الثقافية، والإعلام المهني، والمنتجات الثقافية الجاذبة، والترويج الذكي وهذا مهم جدًا في عصرنا الحاضر، والتواجد الفاعل في الفضاءات الرقمية، والتواصل المباشر مع الغرب، لتحسين صورتهم، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، والدفاع عن قضاياهم، وتعزيز فرص التعاون والسلام. والغرب بحاجة إلى التخلي عن صوره النمطية المغلوطة، والاستعانة بالخبراء المنصفين، وتنويع مصادر معلوماته عن العرب والمسلمين، وتشجيع الحوار، والتعاون، والتبادل الثقافي.



#فؤاد_أحمد_عايش (هاشتاغ)       Fouad_Ahmed_Ayesh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مفهوم الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين
- تأثير التكنولوجيا على الكتابة والأدب
- الترجمة ودورها الثقافي
- تحديات اللغة العربية في العصر الرقمي
- اللغة العربية
- الحوار بين الحضارات
- الفصحى والعامية _ جدل مستمر
- الدبلوماسية العربية من أجل السلام
- حين تتحدث الدبلوماسية الثقافية بلغة الشعوب
- من الدولة إلى المجتمع: من يقود الدبلوماسية الثقافية اليوم؟
- من يصنع صورة العرب في العالم: نحن أم الآخرون؟
- الشباب والدبلوماسية الثقافية: دور الفاعلين المدنيين في تعزيز ...
- المنظمات الثقافية ودورها في إدارة الفعل الثقافي المعاصر
- السلام والتعاون الدولي: الجسر الثقافي العالمي نحو مستقبل مشت ...
- الثقافة كجسر بين الشعوب
- الحضور الشبابي ودورهم في صناعة الثقافة العربية
- مبادرة الجسر الثقافي العالمي
- التنوع الثقافي في العصر الحديث
- الثقافة كمساحة للحوار الدولي: نحو شراكات إنسانية أكثر استدام ...
- الثقافة جسر للتعاون بين الشعوب


المزيد.....




- جرفتهم الأمواج باستمرار.. عملية إنقاذ بطولية تحبس الأنفاس عل ...
- مسؤول إيراني: لم نسع إلى التفاوض مع أمريكا خلال الأسبوعين ال ...
- المشرّعة أنصاري عن قصف أمريكا المميت لمدرسة ميناب الإيرانية: ...
- مقاطع فيديو متداولة لـ-ضربات سعودية ضد الحشد الشعبي بالعراق- ...
- قائد -سنتكوم- يحذّر جنوده من أمر يساعد إيران على استهداف الق ...
- فريق بيطري في فرنسا يعالج حيوانات من تم إجلاؤهم بسبب حرائق غ ...
- هجوم برلين .. تشديد القوانين وإجراءات وقائية على حساب الحريا ...
- السفارة الروسية لدى العراق تقدم التعازي في مقتل وإصابة منتسب ...
- الحلبوسي يدين الاعتداء على مواقع أمنية عراقية ويدعو إلى تحقي ...
- لافروف: الغرب كله انقلب على روسيا ويسعى لإثارة فتنة داخلية ف ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فؤاد أحمد عايش - الثقافة العربية عند الغرب