فؤاد أحمد عايش
رئيس مبادرة الجسر الثقافي العالمي _ GCB
(Fouad Ahmed Ayesh)
الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 16:20
المحور:
قضايا ثقافية
لم يَعد العالم كما كان قبل عقود، فالثورة الرقمية غيّرت كل شيء: طرق التواصل، ومصادر المعرفة، وأنماط العمل، وأساليب التعبير، بل وحتى طريقة التفكير ذاتها. وفي خضم هذا التحول الهائل، وجدت اللغة العربية نفسها أمام واقع جديد يحمل في طياته تحديات خطيرة جدًا، وفرصًا واعدة، ومخاطر وجودية تهدد مكانتها في الفضاء الرقمي. فبينما تتصدر اللغة الإنجليزية واللغات الأوروبية والآسيوية الكبرى عالم الإنترنت والذكاء الاصطناعي والتطبيقات الذكية، تُعاني العربية من ضعف المحتوى الرقمي، وقلة البرامج والتقنيات الداعمة لها، وتراجع استخدامها بين الأجيال الجديدة في الفضاءات الرقمية.
أولى التحديات الكبرى هي ضعف حضور اللغة العربية على الإنترنت من حيث الكم والنوع. فالمحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية لا يتجاوز نسبة ضئيلة جداً (أقل من 3% حسب بعض الإحصاءات الكبرى)، مقارنة بالمحتوى الإنجليزي الذي يسيطر على أكثر من نصف المحتوى العالمي. هذا الضعف يشمل جميع المجالات على سبيل المثال المواقع الإخبارية والتعليمية والعلمية والثقافية والترفيهية، والمدونات وغيرها. والمحتوى الموجود، للأسف، غالبًا ما يكون سطحيًا، أو غير دقيق، أو ضعيفًا لغويًا، أو غير مُحدث أو منظم أو موثق، أو خاضع للمراجعة والتحكيم والمعايير المهنية والعلمية والأكاديمية.
التحدي الثاني هو ضعف أدوات معالجة اللغة العربية رقميًا، مقارنة باللغات الأخرى. فرغم التقدم الكبير الذي أحرزته تقنيات معالجة اللغات الطبيعية والذكاء الاصطناعي، إلا أن اللغة العربية ما زالت تُعاني من قلة البرامج والتطبيقات التي تتعامل مع خصائصها المورفولوجية والنحوية والصرفية والبلاغية. فمثلًا برامج التدقيق الإملائي والنحوي للعربية ما زالت ضعيفة، وكذلك الترجمة الآلية من وإلى العربية (مثل ترجمة جوجل) لا تصل إلى مستوى الدقة المطلوب، وكذلك أنظمة التعرف على الكلام والكشف عن الانتحال وتحليل المشاعر واستخلاص المعلومات والرد على الأسئلة والتلخيص التلقائي.
السبب الرئيسي في هذا الضعف التقني يعود إلى عدة عوامل، من أهمها تعقيد اللغة العربية من حيث صرفها واشتقاقها وإعرابها، ووجود ظاهرة الازدواجية اللغوية (الفصحى والعامية)، وعدم توحيد المصطلحات والرموز والحروف (مثل اختلاف شكل الحروف في أول ووسط وآخر الكلمة، ووجود حروف لا تنطق أو تنطق ولا تكتب، والتشكيل الاختياري، وعدم توافق النصوص العربية مع معايير الترميز العالمية في بعض الأحيان). كما يعود أيضًا إلى قلة الاستثمارات في هذا المجال، وضعف التعاون بين الباحثين والمطورين والمؤسسات العربية والدولية، وغياب سياسات وطنية وقومية واضحة لدعم الصناعة اللغوية الرقمية العربية، وندرة الكوادر البشرية المؤهلة.
التحدي الثالث هو ضعف إتقان الأجيال الجديدة للغة العربية الفصحى، وتراجع استخدامها في الفضاءات الرقمية. فجيل الشباب العربي اليوم يقضي ساعات طويلة على وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تويتر، واتساب، إنستغرام، تيك توك، وسناب شات وغيرها)، ويكتب على هذه المنصات بلغة هجينة: عامية مكتوبة بحروف عربية، أو عامية مكتوبة بحروف لاتينية (اللغة المعروفة باسم "عربيزي" أو "أرابيش")، أو إنجليزية بحتة، أو مزيجًا عجيبًا من الكل. هذا التراجع في استخدام الفصحى على الإنترنت يضعف ملكة الشباب اللغوية، ويبعدهم عن تراثهم وهويتهم، ويجعلهم عاجزين عن فهم النصوص الفصحى أو التعبير بها بمستوى مقبول في حياتهم العلمية والمهنية والثقافية.
التحدي الرابع هو قلة المحتوى العربي الرقمي التعليمي والثقافي الهادف والمنافس. فالمكتبات الرقمية العربية، وقنوات اليوتيوب التعليمية، والبودكاست الثقافية، والمواقع المتخصصة، والتطبيقات الذكية وغيرها، ما زالت محدودة ومتأخرة ومتواضعة مقارنة بما هو موجود باللغات الأخرى. هذا القصور يحرم الشباب العربي من مصادر التعلم الحديثة، ويدفعهم إلى استهلاك المحتوى الأجنبي، بلغة أجنبية، وثقافة أجنبية، ونمط حياة أجنبي، مما يضعف ارتباطهم بلغتهم وهويتهم وثقافتهم.
التحدي الخامس هو التحدي التقني المتعلق بالخط العربي والحروف العربية في العصر الرقمي. فتنوع الخطوط العربية (النسخ، الرقعة، الثلث، الديواني، الكوفي، وغيرها) وتعقيدها وارتباطها بالفن والجمال والزخرفة، جعل من الصعوبة بمكان تطوير خطوط رقمية تُحافظ على جماليات الخط العربي وتناسباته وتشكيلاته. كما أن الاتجاه في المواقع والتطبيقات الحديثة نحو البساطة والوضوح، قد يتعارض مع تعقيد الخط العربي وثرائه وجمالياته، مما قد يدفع إلى تبسيطه على حساب جماله وفنيته وأصالته وتاريخه وعبقريته.
التحدي السادس هو تحدٍ اقتصادي، يتمثل في ضعف الاستثمار في صناعة المحتوى العربي الرقمي، وفي تطوير تقنيات اللغة العربية، وفي تدريب الكوادر البشرية المتخصصة، وفي تسويق المحتوى العربي محليًا وعالميًا. فشركات التكنولوجيا الكبرى مثل جوجل، ومايكروسوفت، وآبل، وأمازون وغيرها، تستثمر مليارات الدولارات في معالجة اللغات الأخرى (خاصة الإنجليزية والصينية والإسبانية والفرنسية)، بينما تستثمر أموالًا ضئيلة جدًا في معالجة اللغة العربية. والشركات العربية للأسف، لا تملك القدرة أو الرغبة أو الرؤية أو الإرادة أو الموارد للاستثمار في هذا المجال الحيوي، مما يجعل الفجوة الرقمية بين العربية واللغات الأخرى تتسع وتتسع وتتسع.
التحدي السابع هو تحدٍ ثقافي واجتماعي، يتمثل في ضعف الوعي بأهمية الحفاظ على اللغة العربية في الفضاء الرقمي، وتراجع مكانتها الاجتماعية والهيبة والجاه والسلطة والمكانة. فاللغة الإنجليزية على سبيل المثال، هي لغة العلم والتكنولوجيا والأعمال والسياحة والمال والدبلوماسية والإنترنت، أصبحت في نظر كثير من الشباب العربي، خاصة من النخب المثقفة والطبقات المتعلمة والمتوسطة والعليا، هي لغة التقدم والنجاح والمستقبل والمكانة الاجتماعية الرفيعة، واللغة العربية هي لغة التراث والتخلف والفقر والرجعية والجمود والانغلاق. هذه النظرة الدونية للغة العربية أصبحت تُشكل خطرًا كبيرًا على هوية الأمة ومستقبلها واستمرارها ووحدة نسيجها الاجتماعي والحضاري والثقافي.
لكن رغم هذه التحديات، هناك فرص واعدة يمكن استغلالها لتحويل التحديات إلى مكاسب. فعدد مستخدمي الإنترنت باللغة العربية يفوق المئات من الملايين، وهذه قاعدة جماهيرية هائلة تجذب شركات التكنولوجيا والمعلنين والمستثمرين، إذا ما توفرَ المحتوى الجيد والخدمات المتميزة والأدوات الفعالة والمنصات الجذابة. كما أن الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة ومعالجة اللغات الطبيعية، يمكن توظيفها لخدمة اللغة العربية، وتطوير تطبيقات ذكية لتعليمها، وترجمتها، وتحليل نصوصها، وتوليد محتواها، والتعرف على كلامها، والحوار مع متحدثيها.
من الفرص الواعدة أيضًا، المبادرات العربية الفردية والمؤسسية والأهلية والرسمية للنهوض باللغة العربية رقميًا، مثل مشروع "ضاد" لمعالجة اللغة العربية، ومشروع "كلنا نقرأ" لتشجيع القراءة الرقمية، ومبادرة "ويكيبيديا العربية" لتوثيق المعرفة، ومنصة "إدراك" للتعليم المفتوح، وقناة "الجزيرة الوثائقية" على اليوتيوب، وغيرها الكثير من المبادرات النوعية والإبداعية والمؤثرة والهادفة. هذه المبادرات، رغم قلة عددها وضعف إمكاناتها، تُثبت أن هناك وعيًا متزايدًا بأهمية التحدي، وهناك إرادة وعزيمة وطموح لتجاوزه ومواكبة العصر والعالم والثورة الرقمية والتطور التكنولوجي والمعلوماتي والمعرفي.
الحكومات العربية والمؤسسات الرسمية (كالمجامع اللغوية، ووزارات التربية والتعليم والعالي والثقافة والإعلام والاتصالات، والمنظمات العربية كالجامعة العربية والألكسو والإيسيسكو) تتحمل مسؤولية تاريخية في دعم اللغة العربية رقميًا، من خلال وضع استراتيجيات وطنية وقومية واضحة وملزمة وممولة ومتابعة ومقومة، وتخصيص ميزانيات كافية لتطوير المحتوى الرقمي العربي، وتوطين البرامج والتطبيقات، وتدريب الكوادر البشرية، ودعم الأبحاث والدراسات والابتكارات والإبداعات، والتعاون مع شركات التكنولوجيا الكبرى ومراكز الأبحاث العالمية والإقليمية والعربية والإسلامية، والاستفادة من خبراتهم وتجاربهم وأموالهم وتقنياتهم وأساليبهم.
القطاع الخاص العربي (شركات الاتصالات، وشركات التكنولوجيا، وشركات الإعلام، ودور النشر، والمكتبات، والمؤسسات المالية والمصرفية والاستثمارية) عليه دور كبير جدًا في استثمار الفرص المتاحة في سوق اللغة العربية الرقمية الضخم والمتنامي والمربح والمؤثر. فالعربي مستعد دائمًا للدفع مقابل المحتوى الجيد، والخدمات المتميزة، والبرامج المفيدة، والتطبيقات الذكية، إذا ما وُجدت وروّجت لها وسوقت بشكل جيد وجذاب ومقنع ومهني وأخلاقي. الاستثمار في اللغة العربية رقميًا ليس عملًا خيريًا فقط، بل هو استثمار اقتصادي مربح ومستدام، وله عوائد مالية كبيرة على المدى القصير والمتوسط والطويل.
الأفراد والمجتمعات المحلية لهم دور كبير أيضًا، من خلال الوعي بأهمية استخدام اللغة العربية الفصحى في الفضاءات الرقمية، وتشجيع الأبناء على القراءة والكتابة بالعربية، والمشاركة في إنتاج المحتوى العربي الجيد والهادف، وتصحيح الأخطاء اللغوية الشائعة، والتبليغ عن المحتوى الهابط والمسيء، والتفاعل الإيجابي مع المبادرات الناجحة، ودعمها، والترويج لها، والتطوع فيها، والمساهمة فيها بمال أو جهد أو وقت أو رأي أو فكرة أو اقتراح أو نقد بناء.
إن تحديات اللغة العربية في العصر الرقمي كبيرة جدًا ومتنوعة ومتشابكة وخطيرة، لكنها ليست مستحيلة المواجهة. فالعربية لغة عظيمة ومرنة وغنية وقوية ومتجذرة في أعماق التاريخ والحضارة والوجدان، وهي قادرة على الصمود والتكيف والتطور والمواكبة والمنافسة، إذا ما توفرت لها الإرادة السياسية، والموارد المالية، والكوادر البشرية، والاستراتيجيات الواضحة، والتعاون العربي المشترك والدولي المنفتح، والإيمان العميق بأن لغتنا هي هويتنا ومستقبلنا ورسالتنا الحضارية والإنسانية والعالمية.
#فؤاد_أحمد_عايش (هاشتاغ)
Fouad_Ahmed_Ayesh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟