فؤاد أحمد عايش
رئيس مبادرة الجسر الثقافي العالمي _ GCB
(Fouad Ahmed Ayesh)
الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 22:06
المحور:
قضايا ثقافية
في عالم يشهد صراعات دموية على خلفيات دينية وعرقية وقومية، وتتصارع فيه المشاريع السياسية والأيديولوجية المتطرفة، وتتداخل فيه المصالح الاقتصادية والجيوسياسية، يبرز مفهوم "الحوار بين الحضارات" كضرورة إنسانية ملحة، وكأداة حاسمة لبناء السلام، وكبديل حضاري عن نظرية "صراع الحضارات" التي روجها صموئيل هنتنغتون في تسعينيات القرن الماضي. فالحوار بين الحضارات لا يعني التخلي عن الخصوصيات، أو التسوية على حساب المبادئ، أو الانصهار في ثقافة مهيمنة، بل يعني الاعتراف بالآخر، واحترام اختلافه، والبحث عن أرضية مشتركة للتعاون والتفاهم، وتجنب الصراعات غير المجدية، واستثمار التنوع كمصدر للإبداع لا للصراع.
العرب والمسلمون ليسوا غرباء عن مفهوم الحوار بين الحضارات، بل هم من رواده عبر التاريخ. فالحضارة العربية الإسلامية نشأت وتطورت وازدهرت، كما رأينا، من خلال الحوار والتفاعل مع الحضارات الأخرى: اليونانية، والفارسية، والهندية، والسريانية، والقبطية، والبربرية، والأندلسية، وغيرها. وهذا الحوار لم يكن استسلامًا أو ذوبانًا، بل كان اختيارًا واعيًا، ونقلًا معرفيًا، واستيعابًا نقديًا، وإضافة أصيلة، أفرز ثقافة عربية إسلامية متفردة، جامعة، متنوعة، منفتحة على العالم ومؤثرة فيه.
أولى مبادرات الحوار بين الحضارات في العصر الحديث انطلقت من العالم العربي نفسه، وتحديدًا من مصر، في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، على يد مفكرين وإعلاميين عرب مسيحيين ومسلمين، كالدكتور محمد سليم العوا، والدكتور كمال زاخر، وغيرهم، سعيًا إلى مد جسور التواصل مع الغرب المسيحي، وتصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام، وتعزيز التعايش بين المسلمين والمسيحيين في الداخل والخارج. ثم تطورت هذه المبادرات على مستوى رسمي وشعبي، وتبنتها دول عربية كالسعودية، ومصر، والأردن، والمغرب، والإمارات، وقطر، وغيرها، وأصبح للحوار بين الحضارات مؤسسات وقنوات ومشاريع وفعاليات ومهرجانات وجوائز دولية.
منتدى الحوار العربي _ الأوروبي، الذي انطلق عام 1995 بمدينة برشلونة، يُعد إطارًا مُهمًا للحوار بين الحضارات، يضم دول الاتحاد الأوروبي من جهة، ودول البحر المتوسط العربية من جهة أخرى، ويناقش قضايا التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي والأمني والاجتماعي والإنساني. كما أن منتدى التحالف للحضارات، الذي أطلقته الأمم المتحدة عام 2005، بمبادرة من الحكومة الإسبانية والتركية، يعد محطة بارزة في مسيرة الحوار بين الحضارات، حيث يسعى إلى تعزيز التفاهم والتعاون بين المجتمعات الغربية والإسلامية، ومكافحة التطرف العنيف.
الحوار بين الحضارات لا يقتصر على المستوى الرسمي والمنظمات الدولية، بل يمتد إلى المستوى الشعبي، من خلال تبادل الزيارات، والسياحة، والبرامج الثقافية المشتركة، والتعليمية، والفنية، والرياضية. كما يمتد إلى المستوى الأكاديمي، من خلال تبادل الأساتذة والطلاب، والدراسات المشتركة، والمؤتمرات العلمية، ونشاط مراكز الأبحاث والدراسات المتخصصة في الحوار بين الحضارات وحوار الأديان والثقافات والحضارات.
الإعلام له دور كبير في نجاح أو فشل الحوار بين الحضارات. فالإعلام الموضوعي، المسؤول، المهني، القادر على نقل الحقائق دون تحريف أو تضليل، وطرح القضايا بوعي وعدل، ونبذ خطاب الكراهية والتطرف والعنف والإرهاب، ونشر ثقافة التسامح والتعايش والحوار، يمكنه أن يكون جسرًا للتفاهم والتعاون، وبناء الثقة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة والصور النمطية المشوهة. أما الإعلام المغرض، المتحيز، غير المسؤول، الذي ينشر الأكاذيب والشائعات والافتراءات والصور النمطية المسيئة، ويثير النعرات والنزعات والعداوات، فيمكنه أن يهدم جسور الحوار، ويشعل فتيل الصراع والكراهية والعنف.
الدين يلعب دورًا محوريًا في الحوار بين الحضارات، سواء كعائق أو كممكن. فالتدين المتطرف، الأعمى، المتعصب، الذي يرفض الآخر، ويكفره، ويستبيح دمه وماله وعرضه، هو عائق كبير أمام الحوار والتعايش والسلام. والتدين المعتدل، المتسامح، المنفتح، المحب، الداعي إلى الخير والحكمة والموعظة الحسنة، والحوار بالتي هي أحسن، ونبذ العنف والكراهية، هو مفتاح للحوار والتعايش والسلام، وقوة دافعة له ولتعزيزه وتطويره ونقله إلى أرض الواقع. ولهذا، يشجع الحوار بين الحضارات على تعزيز دور القادة الدينيين المعتدلين في نشر ثقافة الحوار والتسامح والتعايش والسلام.
الثقافة والتعليم هما السلاح الأنجع لترسيخ ثقافة الحوار بين الحضارات، وتحصين الأجيال من خطاب الكراهية والتطرف والعنف. فالمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة والمركز الثقافي والنادي الرياضي، كلها فضاءات لبناء الوعي، ونشر القيم الإنسانية، وتعزيز التسامح، واحترام الآخر. والمناهج التعليمية، ومحتوى الكتب المدرسية، والأنشطة اللاصفية، وبرامج التبادل الطلابي، لها دور بالغ في تشكيل عقول وقلوب ووجدان النشء وتحصينهم ووقايتهم من التطرف والكراهية.
العالم العربي والعالم الإسلامي بحاجة إلى مشروع حضاري قائم على الحوار بين الحضارات، لا على الصراع، والتعاون مع الآخرين، لا على العداء. فهذا المشروع يمكن أن يسهم بشكل كبير في تعزيز صورة الإسلام والمسلمين في العالم، وتصحيح المفاهيم الخاطئة عنهم، وتعزيز التعاون الاقتصادي والثقافي والعلمي والسياسي والأمني بين الدول العربية والإسلامية من جهة، وبقية دول العالم من جهة أخرى. كما يمكن أن يسهم هذا المشروع في نهضة العالم العربي والإسلامي، واستعادة مكانته الحضارية، ومواكبة العصر، وتطوير أوضاعه الداخلية، وتحقيق تقدمه وازدهاره.
الحوار بين الحضارات لا يقتصر على المستوى العالمي فقط، بل يمتد إلى المستوى الداخلي، داخل كل مجتمع عربي وإسلامي، بين مكوناته المختلفة: مسلمين ومسيحيين وغيرهم فهذا الحوار الداخلي المفتوح والصريح والصحي هو الضمانة الأساسية لبناء مجتمعات عربية متماسكة، مستقرة، آمنة، متحابة، متحضرة.
قضايا الحوار بين الحضارات كثيرة ومتشعبة، منها: قضايا حقوق الإنسان، والحريات العامة، والديمقراطية، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية، والمساواة بين الجنسين، وحماية البيئة، ومكافحة الفساد، والجريمة المنظمة، والهجرة غير الشرعية، واللجوء، والصورة النمطية المشوهة للعرب والمسلمين في الإعلام الغربي، وحقوق اللاجئين. فالحوار بين الحضارات ليس حوارًا سهلًا أو يسيرًا، بل هو حوار صعب ومعقد، يتطلب قدرًا كبيرًا من الصبر، والحكمة، والشجاعة، والإخلاص. وهو حوار يواجه عقبات كثيرة، من أبرزها: ضعف الإرادة السياسية، وغلبة منطق القوة والمصلحة، وتفشي ثقافة الكراهية والتعصب، وتراكم المظالم والجراحات التاريخية.
التجارب الناجحة في الحوار بين الحضارات، رغم قلتها، تثبت أن الحوار ممكن ومفيد وضروري، وأنه قادر على تجاوز العقبات، وبناء الثقة، وتحقيق التفاهم، وتعزيز التعاون، وإحداث التغيير الإيجابي. ومن هذه التجارب: وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعها فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وقداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، عام 2019 في أبو ظبي، والتي شكلت نقلة نوعية في العلاقات الإسلامية المسيحية، وفتحت آفاقًا واسعة للتعاون المشترك في مواجهة التحديات الإنسانية الكبرى.
وثيقة المدينة المنورة، التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم، تُعتبر أقدم نموذج للحوار والتعايش بين الحضارات، ليس فقط بين المسلمين وغيرهم، بل بين قبائل المدينة المختلفة، وبين المسلمين واليهود وغيرهم. هذه الوثيقة أسست لمبادئ المواطنة المتساوية، وحقوق الجوار، وحرية العقيدة، والتعاون على البر والتقوى، والدفاع المشترك عن الوطن، وحل النزاعات بالطرق السلمية. وهي وثيقة خالدة، يمكن الاستلهام منها في عصرنا، لبناء مجتمعات عربية متسامحة، متعايشة، عادلة.
الحوار بين الحضارات هو سبيلنا لبناء عالم أفضل، يسوده السلام والأمن والعدل والكرامة والرفاهية. وهو واجب ديني، وأخلاقي، وإنساني، على العرب والمسلمين، قبل غيرهم. فالعرب والمسلمون بحاجة إلى هذا الحوار لاستعادة ثقتهم بأنفسهم، وتقديم صورة مشرقة عن دينهم وحضارتهم، وإقامة علاقات متوازنة مع الآخرين، على أساس الاحترام المتبادل، والتعاون المشترك، والسلام العادل، والمستقبل الأفضل للجميع. وقد كان العرب والمسلمون، في أفضل عصورهم، أسياد الحوار، ورواد التسامح، وقادة الازدهار. فهل لنا أن نستلهم من تاريخنا، ونستعيد أمجادنا، وننهض بأنفسنا، ونبني مستقبلنا، ونَعبر إلى العالمية والإنسانية والحضارة بثقة واقتدار وكرامة؟.
#فؤاد_أحمد_عايش (هاشتاغ)
Fouad_Ahmed_Ayesh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟