أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فؤاد أحمد عايش - اللغة العربية















المزيد.....

اللغة العربية


فؤاد أحمد عايش
رئيس مبادرة الجسر الثقافي العالمي _ GCB

(Fouad Ahmed Ayesh)


الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 15:37
المحور: قضايا ثقافية
    


اللغة العربية ليست مجرد أداة تواصل بين الناس، بل هي وعاء الهوية، وحارس الذاكرة، وناقل الحضارة، ومكون أساسي من مكونات الشخصية العربية والإسلامية. فهي لغة القرآن الكريم الذي نزل بها على قلب النبي العربي، وهي لغة العلم والفكر والأدب والقانون والدبلوماسية لقرون طويلة، وهي الرابط المعنوي الذي يربط أكثر من أربعمائة مليون عربي في الوطن العربي، ومليارين ونصف المليار مسلم في أنحاء العالم. لكن هذه اللغة العظيمة تواجه اليوم، في عصر العولمة والثورة الرقمية وهيمنة اللغة الإنجليزية، تحديات وجودية حقيقية، تهدد مكانتها وهيبتها، بل وتهدد بقاءها واستمراريتها كلغة حية منتجة ومؤثرة ومنافسة على المستويين الإقليمي والعالمي.

العولمة، بكل إيجابياتها وسلبياتها، تفرض واقعًا لغويًا جديدًا، تهيمن عليه لغة واحدة هي الإنجليزية، كلغة العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والتجارة والسياسة والإعلام والدبلوماسية والسفر والترفيه والإنترنت. هذه الهيمنة تضع اللغات الأخرى، ومنها العربية، في موقف دفاعي، بل في موقف تهديد وجودي، إذ أن المتحدثين بها قد يضطرون إلى تعلم الإنجليزية للنجاح في حياتهم العملية والعلمية والمهنية، وقد يهملون لغتهم الأم تدريجيًا، وقد يصابون بالعقد النفسية تجاهها، وقد يتخلون عنها في الكثير من المجالات.

تفاقمت المشكلة بتفشي الأمية والضعف التعليمي في كثير من الأقطار العربية، وتراجع جودة التعليم، وسوء مناهج تدريس اللغة العربية في المدارس والجامعات، التي لا تزال تركز على الحفظ والتلقين والقواعد الجافة والنحو والصرف القديم، وتبتعد عن تنمية مهارات القراءة الناقدة، والكتابة الإبداعية، والتحدث بطلاقة، والاستماع الفعال، والتواصل الحضاري. فالكثير من الطلاب يتخرجون من المراحل التعليمية وهم لا يجيدون القراءة والكتابة والتحدث بالعربية بشكل سليم، بل يخلطونها بالعامية أو اللغات الأجنبية، ويشعرون بالعجز عن التعبير عن أفكارهم وعواطفهم بهذه اللغة التي يفترض أنها لغتهم الأم.


ثنائية اللغة والازدواجية اللغوية في العالم العربي تزيد المشكلة تعقيدًا، فالعربي المعاصر يتحدث عامية في بيته وفي الشارع ومع أصدقائه، ويفهم الفصحى من خلال الإعلام والتعليم، لكنه نادرًا ما يستخدمها في كلامه اليومي. هذه الفجوة بين العامية والفصحى تضعف إتقان الفصحى، وتجعلها لغة غريبة نوعًا ما، لغة الكتب والوثائق والخُطب الرسمية، وليست لغة الحياة اليومية الحية والمرنة والمتجددة.

وسائل الإعلام العربية، رغم تطورها الكبير وتعدد قنواتها الفضائية ومنصاتها الرقمية، تساهم أحيانًا في إضعاف اللغة العربية، لا في تقويتها. فالكثير من البرامج والمقدمين يستخدمون لغة ركيكة عامية، أو لغة فصحى مكسرة معجونة بالعامية والأجنبية، أو يبالغون في استخدام التعابير والتراكيب الأجنبية، أو يهملون النطق السليم والإعراب الصحيح والمفردات الدقيقة والأساليب البليغة. كما أن الدراما العربية، رغم نجوميتها وجماهيريتها، أصبحت تُقدم بالعاميات المختلفة، مما يعمق الهوة بين العامية والفصحى، ويجعل الفصحى تبدو لغة غريبة غير مناسبة للتعبير عن المشاعر والمواقف اليومية والخواطر والانفعالات الإنسانية الحيوية والصادقة.

الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، تويتر، واتساب، يوتيوب، انستغرام، تيك توك، وغيرها. تُشكل تحديًا كبيرًا للغة العربية، لأنها تتيح مساحات واسعة للكتابة بالعامية أو بالعربية المشوهة (لغة "عربية إنجليزية") أو بالإنجليزية فقط. جيل الشباب العربي اليوم يقضي ساعات طويلة على هذه المنصات، ويكتب وينشر ويتفاعل بلغة هجينة، بعيدة عن الفصحى وقواعدها، مما يضعف ملكته اللغوية العربية الفصحى، ويجعله يبتعد عنها شيئًا فشيئًا، ويصبح عاجزًا عن فهم النصوص الفصحى أو التعبير بها بمستوى مقبول.

التحدي الآخر هو تراجع الترجمة من اللغة العربية وإليها. فالوطن العربي يترجم عددًا ضئيلًا جدًا من الكتب سنويًا مقارنة بالدول المتقدمة، وحتى مقارنة بدول نامية أخرى أقل منه سكانًا وثروة وإمكانيات. هذا التراجع يَحرم اللغة العربية من التزود بالجديد في العلوم والفنون والآداب والفلسفة، ويجعلها منعزلة عن حركة المعرفة العالمية، وأسيرة لتراثها القديم في كثير من الأحيان، وغير قادرة على مواكبة العصر والتعبير عن إنجازاته وإبداعاته وقضاياه ومشكلاته وأسئلته وهمومه.

كما أن هناك عزوفًا متزايدًا لدى الشباب العربي عن قراءة الكتب العربية الفصحى، خاصة القديمة منها، سواء أكانت دواوين شعر، أو كتب أدب ونقد، أو مؤلفات فلسفية وعلمية، أو حتى روايات حديثة وقصص قصيرة. أسباب هذا العزوف متعددة، منها ضعف مستوى التعليم، وزحام الحياة وضغوطها، وانشغال الشباب بوسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية ومشاهدة الفيديوهات القصيرة والمسلسلات والأفلام، وارتفاع أسعار الكتب، وندرة المكتبات العامة الجيدة والمتنوعة والمتخصصة والمرنة في ساعات العمل وخدماتها.

لكن اللغة العربية تمتلك مقومات البقاء والقوة والمنافسة والتجدد والاستمرارية والصمود، فهي لغة غنية بمفرداتها وتعبيراتها وتراكيبها وأساليبها، قادرة على التطور والمواكبة، ولها تاريخ عريق ومكانة دينية عظيمة، وهي حاضرة بقوة في وجدان الأمة وهويتها وثقافتها وتاريخها وحاضرها. كما أن هناك وعيًا متزايدًا لدى النخب العربية بخطورة التحديات اللغوية التي نواجهها، وهناك جهود فردية ومؤسسية ورسمية ومجتمعية للنهوض باللغة العربية وحمايتها وتطويرها وتعزيز مكانتها، محليًا وعربيًا وإقليميًا وعالميًا.

حماية اللغة العربية تبدأ بإصلاح التعليم، وتطوير مناهج تدريسها، وجعلها ممتعة وشيقة وتفاعلية، وربطها بحياة الطالب واهتماماته وقضاياه ومشكلاته، وتدريبه على استخدامها في التعبير الشفهي والكتابي السليم، وتشجيعه على القراءة الحرة والإبداع اللغوي. كما تحتاج إلى تفعيل دور الإعلام في نشر اللغة العربية الفصحى السليمة، وتقديم برامج ثقافية هادفة ومسلية وممتعة وجاذبة، باللغة العربية الفصيحة الواضحة، والحد من استخدام العامية في الإعلام المرئي والمسموع والمقروء والرقمي.

الاستثمار في الترجمة ضروري لإنعاش اللغة العربية وفتحها على العالم. يجب وضع خطط وطنية قومية للترجمة من اللغات الحية إلى العربية، في مجالات العلوم والطب والهندسة والتكنولوجيا والفلسفة وعلم النفس والاجتماع والاقتصاد والقانون والفنون والآداب. كما يجب ترجمة روائع الأدب العربي والفكر العربي إلى اللغات الحية الأخرى، لنشر الثقافة العربية في العالم، وتحسين صورة العرب والمسلمين، وتصحيح المفاهيم الخاطئة عنهم وعن دينهم وحضارتهم وتراثهم وإنسانيتهم.

المجتمع المدني والمؤسسات الثقافية والأفراد لديهم دور كبير في حماية اللغة العربية، من خلال تنظيم حملات توعوية، ودعم المكتبات العامة، وتشجيع الكتاب والناشرين، وإصدار جوائز تشجيعية للإبداع اللغوي والأدبي، وإقامة الندوات والمحاضرات والأمسيات الشعرية والقصصية، ودعم مبادرات تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وتعزيز حضور اللغة العربية في الفضاء الرقمي وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وتطوير محتوى عربي غني على الإنترنت.

لغة الضاد هي عنوان هويتنا، ووعاء ثقافتنا، وسر بقاء أمتنا عبر القرون. مهمتنا اليوم، كأفراد ومنظمات ومؤسسات وحكومات وشعوب، هي الحفاظ على هذه اللغة وتطويرها، وحمايتها من التحديات التي تواجهها، وإعدادها لمواكبة العولمة والثورة الرقمية، لتبقى لغة حية قادرة على التعبير عن روح العصر، وعن طموحات الأمة العربية في النهضة والازدهار والحرية والكرامة والعدالة والسلام والإخاء الإنساني. وإذا نجحنا في هذه المهمة، نكون قد حمينا هويتنا وثقافتنا ومستقبلنا من الضياع، وساهمنا في إثراء التنوع الثقافي والحضاري والإنساني في العالم.



#فؤاد_أحمد_عايش (هاشتاغ)       Fouad_Ahmed_Ayesh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحوار بين الحضارات
- الفصحى والعامية _ جدل مستمر
- الدبلوماسية العربية من أجل السلام
- حين تتحدث الدبلوماسية الثقافية بلغة الشعوب
- من الدولة إلى المجتمع: من يقود الدبلوماسية الثقافية اليوم؟
- من يصنع صورة العرب في العالم: نحن أم الآخرون؟
- الشباب والدبلوماسية الثقافية: دور الفاعلين المدنيين في تعزيز ...
- المنظمات الثقافية ودورها في إدارة الفعل الثقافي المعاصر
- السلام والتعاون الدولي: الجسر الثقافي العالمي نحو مستقبل مشت ...
- الثقافة كجسر بين الشعوب
- الحضور الشبابي ودورهم في صناعة الثقافة العربية
- مبادرة الجسر الثقافي العالمي
- التنوع الثقافي في العصر الحديث
- الثقافة كمساحة للحوار الدولي: نحو شراكات إنسانية أكثر استدام ...
- الثقافة جسر للتعاون بين الشعوب
- الدبلوماسية الثقافية في العالم العربي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
- الطلاب الدوليون كجسور ثقافية
- الثقافة كقوة ناعمة: كيف يعيد الشباب تشكيل صورة العالم العربي ...
- حوار ثقافي في مدينة يكاترينبورغ


المزيد.....




- -الإيرانيون يتقنون فن الحرب-.. سفير أمريكي مخضرم خدم في العر ...
- لماذا تستهدف الضربات الأمريكية جنوب إيران؟.. مراسلة CNN تجيب ...
- بشفاه برتقالية ونداء يشبه الزئير... اكتشاف قرد جديد في غابات ...
- اليوم السابع من تبادل الضربات: واشنطن تدرس توسيع غاراتها.. و ...
- ردًا على ماركو روبيو.. رئيس كوبا يتهم واشنطن بالترويج لتحالف ...
- هجمات إيرانية جديدة.. حرائق وإصابات في الكويت وصفارات إنذار ...
- الكويت: إصابات وخسائر مادية جسيمة بعد هجوم إيراني على موقع ن ...
- مقتل شخص وإصابة 37 بهجوم مسيرات أوكرانية في مقاطعة موسكو
- هل تصل موجة الحر غير المسبوقة في المغرب العربي إلى مصر؟
- سوريا.. شبهات في تمويل إسرائيلي لمشاريع في ريف دمشق والقنيطر ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فؤاد أحمد عايش - اللغة العربية