أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فؤاد أحمد عايش - هل يمكن للثقافة أن تصنع السلام؟ عندما تصبح الحضارات جسورًا لا حدودًا














المزيد.....

هل يمكن للثقافة أن تصنع السلام؟ عندما تصبح الحضارات جسورًا لا حدودًا


فؤاد أحمد عايش
رئيس مبادرة الجسر الثقافي العالمي _ GCB

(Fouad Ahmed Ayesh)


الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 21:08
المحور: قضايا ثقافية
    


في عالم تتزايد فيه الاختلافات السياسية والصراعات وسوء الفهم بين المجتمعات، تبدو الثقافة أحيانًا وكأنها أمر ثانوي أمام السياسة والاقتصاد. لكن التاريخ يثبت أن الثقافة كانت دائمًا إحدى أكثر الوسائل قدرة على التقريب بين البشر، حتى عندما كانت العلاقات السياسية في أصعب مراحلها. فالكتاب يستطيع أن يصل إلى قارئ في بلد آخر، والموسيقى تستطيع أن تعبر الحدود دون جواز سفر، والفيلم يمكن أن يجعل الإنسان يرى العالم من زاوية مختلفة، بينما يستطيع الحوار الثقافي أن يفتح بابًا للتفاهم عندما تعجز السياسة عن ذلك.

لا يحتاج الإنسان إلى أن يتحدث اللغة نفسها مع شخص آخر حتى يتشارك معه الإحساس بالجمال أو الحزن أو الأمل. فالفن والموسيقى والأدب والتراث تمتلك قدرة استثنائية على تجاوز الحواجز اللغوية والجغرافية. ولهذا فإن التعرف إلى ثقافة الآخر لا يعني التخلي عن الهوية الخاصة، بل يمكن أن يكون وسيلة لفهمها بصورة أعمق. فالإنسان عندما يكتشف ثقافة مختلفة يبدأ في إدراك أن العالم أوسع من تجربته الشخصية، وأن لكل مجتمع قصته وذاكرته وقيمه وتطلعاته.

ربما يكون أحد أكبر التحديات في عالمنا اليوم هو أن الإنسان قد يعرف معلومات كثيرة عن الآخرين، لكنه لا يعرفهم بالضرورة معرفة حقيقية. وهنا يأتي دور الثقافة.

فعندما يقرأ شاب عربي رواية لكاتب روسي أو هندي أو تركي، أو يتعرف شاب أوروبي إلى الأدب العربي، فإنه لا يحصل فقط على معلومات عن بلد آخر، بل يدخل إلى عالم إنساني مختلف، يرى من خلاله الحياة من منظور جديد. وهذا النوع من التواصل قد يكون أكثر تأثيرًا من الخطابات السياسية الرسمية، لأنه يقوم على التجربة الإنسانية المباشرة.

يمتلك الشباب اليوم أدوات هائلة لصناعة الحوار الثقافي. فوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية جعلت من الممكن لشخص واحد أن يصل إلى آلاف أو ملايين الأشخاص في دول مختلفة. لكن هذه القوة تحتاج إلى الاستخدام المسؤول. فبدل أن تكون المنصات الرقمية مساحة لنشر الصور النمطية والكراهية وسوء الفهم، يمكن تحويلها إلى مساحات للتعرف إلى الثقافات، وتبادل القصص، وترجمة الأدب، وتقديم محتوى تاريخي وثقافي موثوق.

ومن هنا يمكن أن يصبح الشاب سفيرًا لثقافته، ليس من خلال منصب رسمي، وإنما من خلال المعرفة والحوار والتواصل.

قد تبدو الحضارات مختلفة جدًا في ظاهرها، لكن عندما نتعمق في تاريخها نجد الكثير من نقاط الالتقاء. طرق التجارة القديمة، الرحلات، الهجرات، انتقال العلوم، الترجمة، الموسيقى، العمارة، وحتى الطعام، كلها أمثلة على أن الحضارات لم تكن يومًا جزرًا منفصلة.

لقد انتقلت الأفكار من مكان إلى آخر، وتعلمت الشعوب من بعضها البعض، وأعاد كل مجتمع صياغة ما وصل إليه وفق ثقافته الخاصة. وهكذا فإن تاريخ الحضارات هو في جانب كبير منه تاريخ للتبادل والتفاعل.

ربما لا تستطيع الثقافة وحدها إيقاف الحروب أو حل جميع الأزمات السياسية، لكن بإمكانها أن تفعل شيئًا مهمًا جدًا: أن تمنع الإنسان من رؤية الآخر باعتباره مجرد خصم أو صورة نمطية. فعندما يعرف الإنسان قصة الآخر وثقافته وتاريخه، يصبح من الصعب اختزاله في صورة واحدة. ولهذا فإن الاستثمار في الثقافة ليس ترفًا، بل يمكن أن يكون جزءًا من بناء المجتمعات الأكثر قدرة على الحوار والتعايش.

من هنا تظهر أهمية المبادرات الثقافية المستقلة التي تسعى إلى بناء جسور بين الشعوب. فكرة الجسر الثقافي العالمي لا تعني أن ثقافة يجب أن تحل محل أخرى، وإنما أن تكون هناك مساحة يلتقي فيها الجميع مع الاحتفاظ بهوياتهم المختلفة.

الجسر لا يلغي المسافة بين ضفتين، لكنه يجعل العبور بينهما ممكنًا. وهذه ربما هي الوظيفة الأجمل للثقافة: أن تجعل الحوار ممكنًا بين أشخاص لم يكن من السهل أن يلتقوا لولاها.

في عالم أصبح فيه التواصل أسهل من أي وقت مضى، أصبح فهم الآخر أكثر أهمية من أي وقت مضى أيضًا. قد لا نستطيع تغيير العالم في يوم واحد، لكن يمكننا أن نبدأ بتغيير الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى الإنسان الآخر.

كتاب واحد قد يغيّر فكرة، وفيلم قد يغيّر صورة نمطية، وحوار قد يفتح بابًا للصداقة، ومبادرة ثقافية قد تجمع أشخاصًا من دول لم يلتقوا من قبل. لذلك، فإن بناء السلام لا يبدأ دائمًا من قاعات السياسة؛ أحيانًا يبدأ من كتاب، أو لوحة، أو أغنية، أو حوار بين شخصين ينتميان إلى ثقافتين مختلفتين.

فالثقافة ليست مجرد ذاكرة للماضي، بل يمكن أن تكون أداة لصناعة المستقبل.



#فؤاد_أحمد_عايش (هاشتاغ)       Fouad_Ahmed_Ayesh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دور الشباب ومنظمات المجتمع المدني في صون التراث الثقافي
- التعاون الدولي.. نحو عالم أكثر تفاهمًا واستقرارًا
- مجلة الجسر الثقافي العالمي _ الإصدار السنوي الثاني 2026
- الفرصة القادمة: السعي نحو السلام
- حوار الحضارات بين أوروبا وأمريكا اللاتينية
- الثقافات العربية في القرن الحادي والعشرين: بين الأصالة والتح ...
- الثقافة العربية عند الغرب
- مفهوم الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين
- تأثير التكنولوجيا على الكتابة والأدب
- الترجمة ودورها الثقافي
- تحديات اللغة العربية في العصر الرقمي
- اللغة العربية
- الحوار بين الحضارات
- الفصحى والعامية _ جدل مستمر
- الدبلوماسية العربية من أجل السلام
- حين تتحدث الدبلوماسية الثقافية بلغة الشعوب
- من الدولة إلى المجتمع: من يقود الدبلوماسية الثقافية اليوم؟
- من يصنع صورة العرب في العالم: نحن أم الآخرون؟
- الشباب والدبلوماسية الثقافية: دور الفاعلين المدنيين في تعزيز ...
- المنظمات الثقافية ودورها في إدارة الفعل الثقافي المعاصر


المزيد.....




- ترامب: البحرية الأمريكية أزالت جميع الألغام البحرية في مضيق ...
- بيان عُماني إيراني مشترك يكشف عن مقترح لإدارة مضيق هرمز.. ما ...
- بحماية جنود إسرائيليين.. نائب يميني متطرف يحطم نصباً فلسطيني ...
- وزير: طائرة -الإطفاء- الروسية قامت مرارا بحماية البيوت من ال ...
- ألمانيا ترحّل 23 أفغانيًا -معظمهم مدانون بجرائم خطيرة-
- السعودية تؤكد ضرورة بقاء مضيق هرمز وباب المندب مفتوحين وآمني ...
- 5 عادات يومية ترفع ضغط الدم دون أن تشعر
- عُمان وإيران تتفقان على إنشاء ممر ملاحي مؤقت مشترك في مضيق ه ...
- الجيش الروسي يدمر خزانات وقود تابعة للقوات الأوكرانية في مين ...
- قراءة إسرائيلية: الولايات المتحدة تريد قطع صلة إيران بالعالم ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فؤاد أحمد عايش - هل يمكن للثقافة أن تصنع السلام؟ عندما تصبح الحضارات جسورًا لا حدودًا