أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نصير عواد - لماذا يكرهون وطنهم؟















المزيد.....

لماذا يكرهون وطنهم؟


نصير عواد

الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 22:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يحكي التاريخ القريب في منطقتنا أن الحركات الإسلامية في صراعها السياسي كانت تستهدف الدولة لا المجتمع، وقد تكون بداية حركة الاخوان المصرية خير مثال على ذلك، ولكن تعرض هذه الحركات إلى انكسارات وانقسامات أدى إلى ظهور حركات إسلامية غاضبة تستهدف الدولة والمجتمع معا. ومع مرور الأعوام صارت المشكلة أكثر تعقيدا حينما ارتبطت هذه الحركات العنيفة بمشاريع من خارج الحدود، يأتي منها الدعم والتوجيه. وبعد عقود من الاقتتال الحدودي والأهلي عم انطباع بأن الحركات الإسلامية، تلك التي في المعارضة أو في الحكم، ما ان تتمكن حتى تشطح في خطابها وأهدافها، وتعلن ان كل أرض المسلمين ساحة حراكها، غير عابئة بمفردات الوطن والحدود، وما زالت ماثلة في الذاكرة جملة مرشد الاخوان المسلمين بمصر مهدي عاكف "طز في مصر" في إشارة إلى أنهم تنظيم عالمي لا تحدّده خطوط الجغرافيا.
واستطرادا فإنه لا الدين ولا المذهب يعترفان بسيادة الوطن وحدوده، فلقد كان الإمام الخوميني غير مقتنع بفكرة السيادة الوطنية عندما كان معارضا لشاه إيران، فالسيادة عنده لله فقط، ولكن بعد وصوله سدة الحكم ووجه بمطالب شعبية إيرانية تطالب بالسيادة الوطنية والقومية وبالحرية، فوافق على مضض في تسمية "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" لكنه دفع باتجاه وضع فقرة في مقدمة الدستور تقول "لا تلتزم القوات المسلّحة بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أيضاً أعباء رسالتها الإلهية، وهي الجهاد في سبيل الله، والجهاد من أجل بسط حاكمية القانون الإلهي في العالم". ولا نقول جديدا في أن جزء كبيرا مما حدث في سوريا ولبنان والعراق ودول الخليج العربي هو من بركات هذه الفقرة الخارجة عن حدود المعقول، فمن يطرح شعارات ويتبنى سياسات لا تنسجم مع إمكاناته سيكون ذلك بمثابة انتحار سياسي، وإن طال الزمن.
في الدول الاوربية بدت العودة إلى الدين غرضها إبراز الهوية الوطنية، بعد ان غالت العولمة وقوافل المهاجرين في محو الحدود وإضعاف القيم الاجتماعية والوطنية لهذه الدول. في أوطاننا الغاطسة بالصراعات حتى أذنيها بدت الصحوة الدينية سببا من أسباب ضعف الهوية الوطنية، وضعف اقتصادها ومشاريعها التنموية. وقد يكون العراق خير مثال على ذلك بعد ان حاولت القوى السياسية التي وصلت مع المحتل الأمريكي تقديم بديل مقنع عن النظام الديكتاتوري، ثم وجدت نفسها بعد ما يقارب الربع القرن من الوعود والطموحات العالية السقوف تتخبط وسط خطاب طائفي وتدهور وطني، أديا إلى نشوء دولة عميقة تحلّل ما يناسبها وتهدّد من يقف في طريقها. هذا التدهور أدى إلى غياب الوعي المؤسساتي عند السياسيين الجدد وجعلهم لا يجدون تناقضا في انهم يصلون عتبة البرلمان بوسائل ديموقراطية، وفي ذات الوقت يحافظون على مصالحهم الشخصية والحزبية بقوة السلاح. لا يجدون تناقضا في انهم يعملون صباحا في مؤسسات الدولة وفي المساء ضدها. لا يجدون تناقضا في انهم يأخذون مرتباتهم من الدولة العراقية ويأخذون الأوامر من إيران، بل حتى ألية فض النزاعات بينهم لا تتخذ من قوانين الدولة مرجعية عليا لها على الرغم من انهم ساهموا بطبخها، فتجدهم يلجؤون إلى رجال دين وشيوخ قبائل في تسويتها. وهي تسويات مؤقتة ومن دون مظلة قانونية، غالبا ما تنتهي إلى ظهور مشاكل جديدة وأمراء حرب جدد يتسلحون بشعارات الدفاع عن الطائفة والعملية السياسية، من دون ذكر للوطن، ففي تصورهم ان انتماءهم الطائفي هو اساس هويتهم، وليس الوطن.
ضعف الحس الوطني هنا ليست تهمة، فهو ينسجم مع مفهوم الأحزاب الطائفية للسيادة، فحفظ سيادة البلد يرتبط عندهم بقوة "سلاح المقاومة" لا بقوة الجيش ومؤسسات الدولة الوطنية. ولذلك عندما افتى المرجع الديني بقتال الإرهاب (2014) داعيا من يستطيع حمل السلاح (للانخراط في القوات الأمنية) توقفت الأحزاب الإسلامية بعد هزيمة الارهاب عند دورها، ودور المساعدات الإيرانية، في دحر الارهاب ولم تأتِ على دور وتضحيات الجيش العراقي في القتال، بل على العكس تهكموا ونسبوا للجنود حكايات صورتهم مجموعات من البلهاء الطيبين. صاحب ذلك انتشارا لأعلام الجمهورية الإسلامية الإيرانية وصور قادتها في الشارع العراقي، وشن حملة واسعة لدعم بضاعتها وسياستها في المنطقة، بعد ان غلفوا كل ذلك بسيلوفان القداسة والعقيدة والشعائر.
نحن لسنا ضد الدين ولا ضد الطائفة، قبل ان يُستخدم أيا منهما هراوة لإسكات الحق وتشويه الحقيقة. فلطالما كانت الأكثرية العراقية مسلمة، تحيي شعائر آل البيت، ولها تاريخ وطني لا ينفصل عن تاريخ الدولة العراقية. ولكن بعد الاحتلال الأمريكي بدأ تحول الانتماء عند شرائح كثيرة إلى عقيدة سياسية عنيفة مغلقة، بدت في خطابها أكثر طائفية وأقل تديّنا، وظفت ما هو قبلي وطائفي في مواجهة الدولة والمجتمع المدني. ومع استفحال الصراعات أنشأت هذه الاحزاب مؤسسات عسكرية ومالية إلى جانب مؤسسات الدولة الرسمية، تحولت بمرور الاعوام إلى مصدر رزق لتحقيق مصالح شخصية وتجارية لكثير من السياسيين. وهذه التحولات لم تحدث في فراغ فقد رافقها تبدل في القيم الاجتماعية والدينية والسياسية، كان أكثرها تعرضا للتشويه الوطن. وأصبح فيه الدفاع عن الوطنية والمجتمع المدني قد تضع صاحبه في شبهة العداء للدين والطائفة والعملية السياسية، تجلى في إطلاق لقب الــ "وطنچي" على من يحب وطنه ويطالب بالعمل والإنتاج والخدمات، في حين يُطلق لقب "المجاهد" على من يأكل من خير العراق ويخدم بلد مجاور. ففقهاء السلطان لم يكتفوا بتبرير العمالة والباسها ثوب "العقيدة" بل ذهبوا إلى تفسيرات لم نسمع بها من قبل تتحدث عن انه لا وجود للــ "الوطن" في الشرع الإسلامي إلا في حدود الصلاة والخروج على شروطها.
على العموم لم يعدْ مفاجئا غياب مفردات الوطن والمواطن والوطنية عن قاموس قادة الأحزاب الإسلامية. فلقد اثبتت الاحداث انهم طلاب سلطة، لا يتركون إلى أن تقهرهم ظروفهم أو تضطرهم اعطالهم الجسدية إلى التنحي، ولا فائدة من تذكيرهم بما فعله حكّام العراق السابقون وكيف انتهى بهم الأمر. وإذا كان مفهوما مزاج السياسي العراقي وانسداد وعيه الوطني، فكيف نفهم انخرط الفقراء في مشروع لا يمثل مصالحهم، ويكون فيها رأيهم رأي حزبهم أو طائفتهم؟ نحن نستطيع فهم أن العراقيين تعبوا مما هم فيه، وأن ردة فعلهم السلبية غير معزولة عن خيبتهم في البديل الذي انتظروه طويلا، ونستطيع أيضا فهم الجانب العاطفي في ميل البعض لطائفتهم وقبيلتهم، ولكن هل هذه الاسباب كافية لتبرير انهيار مبدأ المواطنة وعدم احترام مؤسسات الدولة واحتقار الأيدولوجيات والأحزاب الوطنية؟ فلقد أشار هذا التدهور إلى ان أغلب الذين انطفأت روحهم الوطنية وعادوا إلى قبائلهم وطوائفهم، أصبحوا أقل احباطا وتذمرا من الظروف الصعبة التي يعيشها العراق ولا يهمهم كثيرا عزلة بلدهم وضعف اقتصادهم، وباتوا يحسبون المكاسب تلك المرتبطة بشخصهم وحزبهم وقبيلتهم وطائفتهم وليس بوطنهم، وإذا هم تعرضوا لمشكلة أو حاجة فسوف يلجؤون لشيخ قبيلتهم أو مسؤول في حزبهم، وليس إلى مؤسسات دولتهم الرسمية.
إلى جانب هذا السلوك الرافض لفكرة الوطن، الذي تغذيه تيارات واحزاب اسلامية، توجد شرائح اجتماعية واسعة تربط الدين بالوطن، ظن كثير منهم أن جملة (حب الوطن من الإيمان) مصدرها ديني، وذهب آخرون إلى ربطها بنبي الإسلام (ص) في حين ان المرويات والاساطير التي سبقت الأديان أشارت إلى ان حب الاوطان والحنين إلى الديار حالة غريزية تولد مع الانسان ولا علاقة لها حصرية بقوم أو دين. ففي ملحمة كلكامش كانت "أوروك" مدينة وموطن ينبغي الدفاع عنها، وكانت "بابل" مدينة مقدسة ربطت بين الناس والمكان، وكان امرئ القيس في معلقته قبل ظهور الإسلام قد قال "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل" ويروي الترمذي في "كتاب المناقب" عن حنين النبي محمد لمكة: حينما أُجبر النبي على الهجرة، انه وقف يلتفت إلى مكة المكرمة مودعاً بكلمات تفيض حباً وتأثراً، فقال (ما أطيبك من بلد، وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك).



#نصير_عواد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلاح البيشمه رگه
- العراق ليس فقيراً، أفقروه
- يتشابهان في انتمائهما للشيوعية... ولكن
- الذين أفسدتهم السلطة
- -اللامبالاة- بطبعة عراقية
- صعوبة العيش من دون قضية
- الوطنيون العراقيون... لديهم ما يخسرونه
- الكورد، نجاح في أمريكا واخفاق في العراق
- تشيخ الموضوعات ويبقى الإنسان
- تأخرنا في نزع سلاح الفصائل
- متلازمة حزب البعث، وماذا بعد؟
- المفكّر نصر حامد أبو زيد -عراقيّا-
- سماع الكلام أولى من رؤية العمامة
- التشوّهات الطبقية في العراق
- عندما يخسر التلْفاز موقعه
- في تحوّل المنضمات المسلّحة إلى -الجريمة المنظمة-
- لماذا نردّد كلمات دون غيرها؟
- الدعوة لانتخاب -ترامب-
- لن يمروا، باقٍ ويتمدد، وحدة الساحات..
- هل الغرب الامبريالي فقط هو سبب مشاكلنا؟


المزيد.....




- ترامب يعلن الحرب على البعوض والقراد في واشنطن.. شاهد ردود فع ...
- إثيوبيا تعلن دبلوماسيًا مصريًا -شخصًا غير مرغوب فيه- وتطالبه ...
- بوتين: وتيرة تقدم قواتنا على الجبهة تتصاعد ونريد سلاما دائما ...
- اتهامات بريطانية لإيران بحادث فيرفورد
- لندن تشبته بتورط إيران في -مخطط إرهابي- وطهران تستدعي السفير ...
- بيان للداخلية السعودية حول هبوط طائرة -فلاي دبي- اضطراريا في ...
- بوتين: روسيا لا تمانع في استئناف الحوار مع واشنطن بشأن الاست ...
- الأمن التركي يوقف سوريّا شارك في هجوم الريحانية الدامي بأمر ...
- حادثة طائرة -فلاي دبي-.. ذريعة نتنياهو للحرب بالمنطقة
- الجزائر تدعو لإصلاح عميق لمجلس الأمن


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نصير عواد - لماذا يكرهون وطنهم؟