نصير عواد
الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 22:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
قُدّر لنا في "العراق الجديد" ان نُصاب مع كل حكومة جديدة بنوبة من التفاؤل الممزوج بالحزن والنكات، ثم سرعان ما نعود للواقع مع أول انقطاع للتيار الكهربائي او توقف للراتب الشهري. وهذا القدر ساهمنا نحن في صنعه، فمع كل دورة انتخابية نتسابق مبتسمين إلى صناديق الاقتراع لانتخاب كابينة برلمانية أسوء من التي قبلها. ومع ان الحكومات المتعاقبة فشلت تماما في تقديم نموذج إيجابي يصلح لبناء مجتمع انهكته الديكتاتورية إلاّ ان ذلك لم يغير كثيرا في الصورة الرسالية الني رسمها كثيرٌ منّا لرجال الدين وللأحزاب الإسلامية، خاصة الذين استجابوا لنداء المرجعية الدينية لقتال الإرهاب. وهؤلاء الأخيرين صوّرتهم طيبة العراقيين على انهم لا يضعفون أمام المال، لا يسرقون ولا يخونون ولا يمارسون الشرور والألاعيب. هذه الصورة العاطفية والمنحازة أطاحت بها بضربة واحدة صورة "عدنان الجميلي" وهو يقف سط أكوام المال والسلاح والمصوغات الذهبية، وعندما لم يستطع هذا الـــ "الجميلي" السكوت تساقطت بعض احجار الدومينو كاشفة عن نسبة كبيرة من المتهمين بالفساد هم من الفصائل المسلحة التي قاتلت الارهاب الداعشي، فاعتُقل من اعتُقل وهرب من هرب في حين لجأ من لا ظهر له خلف الحدود إلى قبيلته. ورغم التنظيم الممنهج الذي مارسته حكومات الانفاس الزكية في نهب المال العام إلا ان عيوبا لا يمكن اخفائها كشفت عن ان لصوصنا، من بين كل اللصوص الذين نقرأ ونسمع عنهم، تنقصهم الخبرة والاناقة واللباقة، وأنهم يشعرون بخوف دفين. بل حتى الفرقعة الشعبية والرسمية التي رافقت "صولة الفجر" وما ظهر بعدها من صور وأخبار عن المتهمين والهاربين والمشبوهين، تبدو وكأنها ليس فقط ان أصحاب الأيادي المتوضئة سرقوا المال العام وإنما لأنهم لصوص غُشماء تزاحموا على كنز لم يعرفوا كيف يتصرفون فيه ولا أين يخفونه، وهو ما اعطى الانطباع بأنهم يكدسون تلك الأموال لتغذية خوفهم من قادم الأيام، فتاريخ العراق يروي في كثير من صفحاته انه لا يوجد من هو بمعزل عن الخوف، لا الحاكم ولا المحكوم.
أردنا القول ان ما يحدث بالعراق باب من أبواب الخوف على الرغم من قرقعة السلاح ورنين الخُطب، وأن استمرار نهب المال العام واتساع رقعته سيؤدي لا محالة إلى اتساع رقعة الخوف، الأمر الذي قد يدفع السارق لابتكار أساليب غشيمة لإخفاء ما سرق. فمن شاءت الصدف ان تنتشله من قاع مجهول وتسلطه على رقاب الناس وتُملأ جيوبه بالدنانير فإنه لا محالة سيفقد توازنه ويتضاعف خوفه، وسيعود إلى طائفته وقبيلته للبحث عن رجال لحمايته وابتكار أساليب غبية لإخفاء سرقته. فهذا النوع من اللصوص لا يودعون أموالهم البنوك، حتى تلك التي اسسوها هم أنفسهم. ليس فقط لأنهم لا يثقون بالبنوك، بل لأن كثرة الأموال المسروقة وتنوّع مصادرها قد تخيفهم وتشتت اذهانهم وتنسيهم حتى أماكن إيداعها. فعندما تتراكم الأموال من دون القدرة على غسلها وتوظيفها فإنها ستتجمد وتتحول إلى مصدر للخوف والقلق والشك، وهو ما يدفع البعض إلى تحويلها سبائك وذهب وهدايا ثمينة وعقارات، وحشر النقد المتبقي منها في أكياس خيش ودفنها خلف الجدران وفي باطن الحفر كما هو حاصل في منضمات المافيا. وبعد ما يقارب ربع قرن على أساليب النهب المخزية لم تبق هناك أموال في خزينة الدولة يصفّروها وينقلوها إلى مزارعهم، وصل الأمر بمؤسسات الدولة ان تتحدث عن ضرورة الاقتراض أو طبع العملة لتوفير رواتب الموظفين والمتقاعدين، وهو ما أفسح المجال لسياسيي الصدفة ركوب الموجة من جديد وإلقاء كل اللوم على المحتل الأمريكي الذي يتحكم بأموال العراق ويعيق صرف الرواتب وتنفيذ مشاريع التنمية!
في الحقيقة العراق ليس فقيرا، لكنهم أفقروه، فالبلد الذي ينام على ثروات كثيرة ولم ينتج سوى مسلحين ولصوص وفقراء فلابد من سبب؛ فهل هو نقص في الأفكار، في الخبرات، في القيم؟... أحيانا يأتي على البال ان العملية السياسية التي رتّبها لنا السيد بول بريمر بريئة مما يحدث بالعراق فقد يكون الجو الحار الذي يصل نصف درجة الغليان هو الذي ينتج لصوصا بهذه الوقاحة. فحتى تاريخنا القريب كانت لدينا تقاليد وقيم اجتماعية تحذرنا من مخالطة اللص؛ لا يمكن الثقة به والجلوس إليه ولا حتى الزواج منه، وكانت هناك حكايات لم نشهدها عن ربط "الحرامي" على ظهر الحمار والطواف به في شوارع المدينة. نحن ما زلنا نتحدث عن اللص المألوف الذي يدبي تحت جنح الظلام، والذي قد يقتل ليسرق، أما اللصوص الذين صنعتهم حكومات الاحتلال الأمريكي فهم يسرقون في كل الأوقات، وأنهم يسرقون ليقتلوا من يقف في طريقهم، ولهم حراسات يحمون وفقهاء يبررون ومواطنين يذهبون إلى صناديق الاقتراع لانتخابهم. أحيانا يبدو لمن هم على شاكلتنا أن ما يحدث بالعراق هو نتاج المخيلة لإلهاء الناس، أو انه اتفاق تحت الطاولة بين زملاء سياسيين اعتادوا عند كل حكومة جديدة إشغال الشارع بفرقعة إعلامية، لأنه من غير المعقول أن يظهر شخص ما مجهول حتى الأيام القليلة الماضية يقف وسط تلة من الأموال والمصوغات والأسلحة، ويطلبون منا ان نصدق حكايتهم بعد ما يقارب ربع قرن من الأكاذيب. فمن هو هذا " عدنان الجميلي"؟ هل يعمل وحيدا؟ هل ينتمي لمجموعة ارجنتينية؟ هل هو كبش فداء؟ هل لديه مشكلة مع العراق والعراقيين؟... في الحقيقة نحن شاهدنا وقرأنا الكثير عن الرجل، ولكننا ما زلنا لا نعرف عنه شيئا على الرغم من ان الفضيحة خرجت عن يدي الساحر وانتشرت في شارع قاربت درجة حرارته نصف الغليان. والسؤال الأخطر هو إذا كان صغار القوم كالــــ "الجميلي" يملكون كل هذه القدرة على نهب الأموال وتجهيز أعضاء للبرلمان فكيف بمن يديرون المشهد عن بُعد؟ في الحقيقة نحن لا نتحدث عن قادة "الإطار التنسيقي" فهم عملوا بأصلهم، اجتمعوا وأدانوا كل أنواع الفساد وطالبوا من على شاشات التلفزة بالقصاص. كانوا يتلون اداناتهم كل من مدينته، يتلونها بهدوء وخشوع وهم على حافة البكاء على "أبي عبدالله الحسين" في أربعينيته. هم لم يجلسوا سوية حتى لا يروا وجوه بعضهم وهم يتلون بيانات الإدانة. وبعد أن أنهوا بياناتهم تنادوا للقاء السيد رئيس الوزراء في جلسة مغلقة للبحث عن مخرج!! أغلب الظن، والظن هنا لا أثم فيه، ان الخوف هو الذي سرّع بجمع قادة "الإطار التنسيقي" فأن تنتشر في هذا الجو الخانق والحزين صور سبائك الذهب وأكياس الخيش المعبئة بالدنانير ليس خبرا طيبا للذين يخرجون كل صباح ويعودون لبيوتهم من دون الحصول على فرصة عمل.
بعد عام 2003 وصف الكاتب المصري "محمد حسنين هيكل" الفوضى بالعراق بأنها عملية (هجوم على بنك من قبل لصوص اختلفوا على تقسيم الغنائم) وبعد أعوام من هذا التشخيص حوّلت الخبرات اللبنانية والنصائح الإيرانية الاختلاف على الغنائم إلى اتفاق غير مكتوب يحرسه السلاح والمنابر الدينية. تعاملوا مع قضية المال العام بالتدرج حتى لا يُصدم الشارع العراقي بكمية الأموال المنهوبة، تحدثوا في البداية عن ان المال مال لله، وأن ما في السماء وتحت الأرض مجهول المالك، وأن الفساد أفضل من الفوضى ومن الخروج إلى الشارع. ثم توسع بعضهم في اعتبار خزينة الدولة أشبه ببيت مال المسلمين، والمسلم الذي يأخذ منه لا جناية ولا جنحة عليه، الأمر الذي أدى إلى انفلات التعامل مع المال العام، يمارسه الأفراد والمجموعات من دون الشعور بالذنب أو بالخزي. في الحقيقة نحن لا نلقي باللوم كله على ساسة "العراق الجديد" فالبلد من نصف قرن وهو من سيء إلى أسوء، ولكن بعد سقوط الديكتاتور أضاف ضحايا الديكتاتور لمستهم للخراب وجعلوا السرقة ثقافة اجتماعية مقبولة بعد ان كان الناس يتردّدون من الجلوس إلى لص. ضحايا الديكتاتور الذين انشأوا أحزابا وكيانات مسلحة أكثر مما أنشأوا مصانع ومزارع اعترفوا بكل هذا الذي نقوله ويقوله الناس في الشارع، وأبدوا في أكثر من موقف مرونة حتى لا تتأزم الأمور أكثر، وسكتوا على مضض اتهام الأحزاب السياسية بالفساد والفشل، من دون ان يوافقوا على اتهام حزب معين. ليس فقط لأن توزيع المشكلة على الاحزاب يفيد تمييعها وردم ملامحها، ولكن عندما تكون جميع الأحزاب السياسية متهمة بالفساد فهذا يعني عدم وجود حزب محدد يمكن تحميله المسؤولية أو محاسبته، لأنه سيكون تهديدا للسلم الأهلي، وهذا خط أحمر عند فقهاء السلطان الذين يرون "الفساد أولى من الفوضى".
#نصير_عواد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟