نصير عواد
الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 23:44
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في رحلته التي تجاوزت عامها التسعين مر قطار الحزب الشيوعي العراقي في محطات كثيرة، اختلفت فيها ظروف الانتماء للحزب، والخروج منه، من شخص إلى آخر ومن فترة زمنية إلى أخرى، وهو ما يجعل بعض المواقف الفكرية والسياسية بحاجة إلى أعوام كي تدخل دائرة الوضوح. وحتى لا نطيل سنتحدث بشكل عام عن طبيعة الشيوعيين "الأوائل" الذين غادروا التنظيم في النصف الثاني من القرن الفائت، وعن طبيعة الشيوعيين الذين غادروا التنظيم بعدهم "الأواخر" فهما قد يتشابهان في انتمائهما للشيوعية وفي مواجهتهما حكومات التسلط والقمع، إلاّ ان هناك اختلافات بينهما في اللغة والسلوك والموازين...
وقبل الدخول في التفاصيل نشير إلى أن تسميتنا لهم بـــ "الأوائل، الأواخر" هي من باب المجاز، إذ لا توجد أرقام وتحديدات زمنية دقيقة للظاهرة، ومن جهة أخرى لا يوجد ما يشير إلى انهم آخر وداع للمواقف والأفكار التي تعترض على سياسات الحزب الشيوعي وقادته وتحالفاته، ففي بلد مضطرب كالعراق لا تسير فيه الصراعات على خط ورديّ مستقيم، وقد تظهر أجيالا جديدة لها اسبابها وسلوكها المعارض. على العموم، والتعميم غالبا ما تنقصه الدقة، فإن أغلب الذين غادروا صفوف الحزب الشيوعي العراقي عانوا ثم قالوا. منهم من شهد أعوام السجون والقمع وحرب الأنصار، ومنهم من ينتمي لعوائل الشهداء، الأمر الذي يضعهم جزء من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي ومن أرشيف الصراعات المسكوت عنها داخل التنظيم. وقد لا نبالغ في وضع كتاباتهم في خانة الأدب السياسي، فلقد أنجزها مناضلون من مستويات مختلفة وتجارب متنوعة، أرادوا فيها التعبير عن وجودهم وعن تاريخهم السياسي. منهم مَن حوّل مغادرته صفوف الحزب إلى شهادة سياسية ومنهم مَن حوّلها إلى مادة للسخرية وجلد الذات ومنهم مَن كان يبحث عن إجابات لأسئلة عالقة وو... ومع انهم هرموا وفقدوا عادة ترتيب خصلات الشعر، وتغيرت اوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، إلاّ ان كثير منهم بقي عالقا في سردية الضحية. فبسبب أعوام العزلة وتراكم مستويات الإحباط تشكّلت عندهم أرضية صلدة للاعتقاد بأنهم كانوا على حق في مواقفهم وفي خروجهم من الحزب، وأنهم ظُلموا.
نعود للبدايات، ففي القرن المنصرم كانت هناك شرائح وطنية تبحث لها عن دور في العمل السياسي، ووجدت ضالتها في الحزب الشيوعي العراقي الأكثر نشاطا ووطنية. ولكن طبيعة الصراعات السياسية أدت إلى تكتلات وانقسامات غادر بسببها الكثير من المناضلين صفوف الحزب. هؤلاء "الأوائل" الذين خرجوا من صفوف الحزب رحل أغلبهم ولم نعد نسمع عنهم اليوم إلا في كتب المذكرات أو في اضابير الأجهزة الأمنية القديمة. كانوا زهادا محاصرون من جميع الجهات، عانوا النبذ من رفاقهم وأبناء جلدتهم، وعانوا البطالة والتنقل من مدينة إلى أخرى تحت رقابة السلطة، ولم تسنح لهم الفرصة في ان يتحولوا إلى رجال أعمال أو مصرفيين أو مقاولين إلاّ ما ندر. حياتهم كانت مليئة بالسياسة أكثر منها بالاقتصاد والترفيه، الأمر الذي أبقاهم في مكانهم القديم، متشبثين بأفكار ماركس ولينين وستالين وفهد وسلام عادل. قد تكون أفكار وموازين "الاوائل" غير دارجة في يومنا هذا، إلا ان حضورهم كان واضحا يومذاك، فلقد كان الحضور الاجتماعي من أولويات النشاط السياسي عندما كان الحزب قليل العدد واسع التأثير.
هذا الحضور الاجتماعي-السياسي حافظ على تواجد "الأوائل" في الشارع العراقي رغم معاناة العزلة والنبذ. كانت القطيعة قد حدثت في الطبقات العليا من هرم الحزب، ومن ثم في الكوادر الوسطية، أما في الشارع بقي هناك تواصلا مع المناضلين القدامى مبنيا على الاحترام والهيبة. وهذا لا ينفي ان خلافات معهم كانت حول قضايا تنظيمية أو حول مواقف ايديولوجية بين موسكو وبكين. كان هذا في الستينات، يوم نُزعت صور "جوزيف ستالين" من على جدران البيوت ووضعت صورة "ماو تسي تونغ" محلها. ولكن في السبعينات، عندما انهارت الجبهة الوطنية بين والبعثيين والشيوعيين، اختفت كوادر هذا الأخير في الشارع وهُدّدت حياة الألاف من الشباب، ظهرت الحاجة لخبرات "الأوائل" في الصمود والتخفي ومعرفة التعامل مع العدو الطبقي المتمثل بحزب البعث. يومذاك فتح "الأوائل" أبواب بيوتهم وأمدوا الشباب بالنصائح والمعلومات، ولم ينتظروا مديحا أو ثناء، معتبرين ذلك جزء من موقفهم النضالي. كان الشاعر "علي الشيباني" أصغر سجين سياسي في سجن "نگرة السلمان" وكان عمره سبعة عشر عاما عندما حُكم عليه بالسجن المؤبد بسبب اقتحامه مدرسة ابتدائية واستخدام جهاز الطباعة فيها لإصدار بيان ضد انقلاب (8 شباط 1963) الدموي. وبعد خروجه من السجن عاش عزلة شاعر. لم يضِع في الزحام ولم يفقد حضوره الثقافي والاجتماعي، فالعزلة جعلته مثاليا ووجها من وجوه المدينة. وعندما انهارت الجبهة الوطنية، واشتعلت الحرب العراقية الإيرانية، وصدرت قوانين الإعدام بحق من يخفي شيوعيا أو هاربا من الجيش في بيته، كنا نلجأ لــ "علي الشيباني" للبحث عن أجوبة لأسئلتنا. كان ينصحنا بالصبر والجلادة ويزودنا بمقترحات الاختفاء والبحث عن أساليب نضال أخرى. بل حتى حين حدثناه عن عجزنا في مواجهة نظام دموي بعشرات الأجهزة الأمنية والمخابراتية، وكشفنا له عن نيتنا مغادرة البلد، وقف إلى جانبنا حتى اليوم الأخير على الرغم من عدم قناعته بترك الوطن وافراغ الشارع من الوطنين. في الحقيقة نحن نتحدث عن الشاعر "علي الشيباني" كتجربة شخصية فهناك الكثير من المناضلين القدامى الذين لم يبدلوا قميصهم بعد خروجهم من الحزب الشيوعي ولم يجلدوا تاريخهم ولم يعودوا إلى قبائلهم وطوائفهم، بل عاشوا تلك الفترة بشخوصهم، حيث يكون الفكر والموقف سواء.
"الأوائل" الذين ناضلوا بصمت وغادروا صفوف الحزب الشيوعي أمسوا بعيدين ولا يشكلون رقما مؤثرا في صراعات اليوم. حتى الحزب الشيوعي العراقي الذي كانت تخرج خلف راياته الملايين تغير حاله وظروفه ومصطلحاته ووجوهه السياسية. ولكن هذه التغييرات لا تنفي ان الكثير من الظواهر السياسية التي نتعامل معها كتاريخ تعيد نفسها بشكل مختلف، نلمسه في خروج أجيال جديدة من صفوف الحزب الشيوعي العراقي لأسباب فكرية أو شخصية او تنظيمية، قد يكون أبرز اسبابها فشل الجبهة الوطنية في بغداد والنهاية المحزنة لحركة الأنصار الشيوعيين بكردستان والانخراط البائس في العملية السياسية الطائفية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق... ومن عايش الاحداث يستطيع تحديد طبيعة الخارجين من صفوف الحزب إنْ كانوا ينتمون لنهاية القرن الفائت أم لبداية القرن الحالي؛ استخدام اللغة، مزاج المتحدث، طبيعة الأعطال الجسدية، استحضار مواقف واسماء دون غيرها. ولو تركنا على جنب الفروقات الفردية بينهما فإن "الأوائل" جلسوا بصمت في الكراسي الخلفية وبقوا متمسكين بمواقفهم التي وجدوا فيها الأصح والأصدق، في حين ان "الأواخر" خاضوا شكلا مختلفا من الصراع، عَلَت أصواتهم في الكراسي الأمامية، سخر البعض من تاريخه الشخصي ومما قدم من تضحيات، وبالغ قسم منهم في رمي رفاق دربهم بـتهم "الارتزاق والانتهازية والعمالة" وهذا يشير إلى انه ليس فقط الوقائع حين تكرر نفسها تكون مأساة في الأولى ومهزلة في الثانية، فصناع الحوادث قد يكونون أيضا كذلك. والملفت انه كلما ازداد احباط "الأواخر" ازدادت لغتهم قسوة، دافعين بالحوار إلى أدنى مستوياته حتى مع أقرب الناس إليهم. ولا نفشي سرا بالقول ان الحوارات السياسية المتشنجة انتجت مشاحنات اجتماعية أدت في كثير من الأحيان إلى تصدع رفقة كانت معمدة بالدم والذكريات.
"الأواخر" يريدون ان يقولوا لنا انهم كانوا شيوعيين ذات يوم، وأنهم يعرفون الكثير من الأسماء والاسرار، وأنهم قدموا التضحيات ثم جرى تهميشهم عند الرصيف. ونحن نقولها صادقين هم حقا كانوا كذلك، ناضلوا وقاتلوا ودخلوا السجون وفقدوا احبتهم ورفاقهم، وجرت بحق بعضهم ممارسات حزبية لا يمكن الدفاع عنها، ولكن استمرار النزعة الثأرية والدوس على أشياء وجميلة دفعهم إلى وضع خلافهم مع الحزب الشيوعي على رأس أولوياتهم، واستمروا عشرات الأعوام حاملين السلّم بالعرض، خلاف يسلمهم إلى خلاف، نسوا فيها عدوهم الأساس، ونسوا انهم ناضلوا وقاتلوا ودخلوا السجون دفاعا عن افكارهم التي كانوا يؤمنون بها ذات يوم، وانهم ليسوا أصحاب فضل على أحد، ولا يحق لهم استخدام لغة الشتم والسخرية والتخوين. فهذه اللغة التي تنوي تعديل مسار الحزب الشيوعي، أو إرجاع حق مفقود، هي في الواقع أكثر هدما للحزب مّما يفعل أعدائه. لغة تدفعنا إلى تحديد مسافة بين الموقف السياسي وبين السلوك الاجتماعي، بسبب ان الكثير من الخارجين عن صفوف الحزب الشيوعي العراقي تنم مواقفهم عن حرص وصدق، في حين ان سلوكهم ولغتهم يشيران إلى رداءة في التعبير عن تلك المواقف. إنّ المفارقة في رداءة التعبير عند السياسي الخارج على حزبه هي انها تكتسي أهمية في الإعلام والصحافة أكثر من لغة من استمر يعمل داخل صفوف الحزب، وقد تكون أكثر أهمية عند الكارهين وعند الشباب الذين تنقصهم الخبرة.
إنّ الخروج المتكرر من صفوف الحزب الشيوعي العراقي أشار، فيما أشار إليه، انه ليس فقط سياسة الحزب الشيوعي العراقي هي فقط من أدت إلى انقسامات وصنعت مجموعات زائفة غير متجذرة في التفاصيل النضالية، بل المجموعات الحزبية الجالسة إلى يسار الحزب ساهمت بدورها كذلك في صنع مناخ تنظيمي غير مؤهل لإدارة الصراعات الداخلية. ففي كل أزمة يجلس إلى يسار اليسار نقديون بلا لجام، مهمتهم تفصيخ قيادات الحزب الشيوعي أكثر من أي شيء آخر، ولم تتوقف نقودهم حتى بعد أعوام من انتهاء الأزمات ورحيل تلك القيادات. ولم يأتِ ببال النقاد التوقف عند أدوارهم في تلك الأزمات، ولا النظر إلى ما يحدث بالبلد في سياق أوسع، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي والاحتلال الأمريكي للعراق وهيمنة الإسلام السياسي في الشارع العراقي.
واستطرادا فإن الذين انتموا للحزب الشيوعي، وخرجوا منه أو عليه، لم يكونوا ورقة بيضاء حبرها الحزب فقط، فهم نتاج ظروف اجتماعية وأوضاع معيشية ونفسية كانت تدفعهم باستمرار للبحث عن ذواتهم، ولم تفعل ايدولوجية الحزب "الماركسية اللينينية" أكثر من توسيع معارفهم عن ذاتهم وبلدهم والعالم المحيط بهم. ولكن ما حدث بالعراق من انهيار للأيدولوجيات وانتشار للحروب وانفلات الحريات المشوهة قد ساهم في ارباك قيم اجتماعية وسياسية كانت سائدة، وأدى بــ "الأواخر" إلى المبالغة في جلد ماضيهم والتباهي بقدرتهم على نشر الغسيل الوسخ.
في الحقيقة نحن ندرك أن الكثير من "الأواخر" سلكوا طريق "الأوائل" في احترام الذات والاكتفاء بما قدموه، ولا يمكن رؤيتهم في الكراسي الخلفية. وندرك أيضا إن تناول موضوع بهذه الحساسية سيؤدي لا محالة إلى سوء الفهم، خاصة وأن عدد الذين غادروا صفوف الحزب الشيوعي العراقي أكثر بكثير من الذين استمروا في صفوفه، ولكل فرد ذكريات وتفاصيل تدمي القلب لا تسمح بنبشها ولا حتى عبورها بسطور قليلة. ولكن عزاؤنا اننا أيضا عانينا ذلك وكابدنا العزلة وتألمنا بصمت بعد أن وجدنا أنفسنا أمام جدار فخم تجاوز عمره التسعين، لا فائدة مِن ان نقع عليه ولا فائدة مِن ان يقع علينا، وفي لحظة من دعاء الأمهات وجدنا ان الحياة أوسع من فكرة ومن حزب ومن دين ومن وطن... فمضينا في دروبها نبحث ونحب ونأخذ ونعطي.
#نصير_عواد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟