أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - كاظم الحناوي - بين علي الوردي وعبد الأمير الورد… حكاية ياء ضاعت في مدينة!














المزيد.....

بين علي الوردي وعبد الأمير الورد… حكاية ياء ضاعت في مدينة!


كاظم الحناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8844 - 2026 / 9 / 30 - 16:25
المحور: كتابات ساخرة
    


بدأت الحكاية باسم كبير من أسماء الفكر العراقي: مدينة علي الوردي.
اختير الاسم تكريما للدكتور علي الوردي عالم الاجتماع العراقي الذي لم يكتف بتدريس المجتمع بل أمضى حياته يحاول فهم تناقضاته وترك وراءه كتبا وأفكارا ما زالت تقرأ وتناقش حتى اليوم.
وحين أُحيل مشروع المدينة السكنية العملاقة في بغداد إلى شركة(أورا) التي يرأسها رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس ظل الاسم الرسمي المتداول في الوثائق والأخبار الحكومية: مدينة علي الوردي السكنية.
لكن شيئا صغيرا حدث في الطريق إلى السوق.

اختفت الياء. وصارت مدينة علي الوردي في الإعلانات والموقع التجاري للشركة مدينة الورد. وهنا تبدأ المفارقة العراقية الجميلة.
لأن العراق لا يملك علي الوردي وحده بل يملك أيضا علما آخر يكاد اسمه يخرج من الاسم الجديد للمدينة: الدكتور عبد الأمير الورد، أستاذ اللغة العربية والأديب الذي عرفته أجيال عراقية من خلال نشاطه الأكاديمي واللغوي وأعماله المرتبطة بالتلفزيون والثقافة.
وهكذا أصبح لدينا بمحض المصادفة رجلان يفصل بين اسميهما حرف واحد:
علي الوردي… عالم حاول أن يشرح المجتمع العراقي.
وعبد الأمير الورد… عالم أمضى جانبا من حياته في خدمة العربية وأدبها.
الأول أُطلق اسمه على المدينة.
والثاني يكاد الاسم التجاري الجديد للمدينة يستحضره من دون أن يقصد أحد ذلك.
لكن المفارقة لا تقف عند حرف الياء.
فإذا اعتمدنا السعر المتداول لأصغر وحدة سكنية في المشروع والبالغ نحو 390 مليون دينار عراقي فإننا نصل إلى سؤال كان سيغري علي الوردي أكثر من سؤال الاسم نفسه:
لمن بنيت مدينة تحمل اسم عالم أمضى حياته يدرس المجتمع العراقي؟
لنفترض موظفا عراقيا يتقاضى مليونا ونصف المليون دينار شهريا وهو راتب يمكن أن يقترب منه موظف لديه سنوات طويلة من الخدمة.
ولنفترض بكرم حسابي لا تسمح به الحياة أنه يستطيع أن يوفر مليون دينار كامل كل شهر.
سيحتاج إلى: 390 شهرا.
أي: مايقارب 35 سنة تقريبا.
ثلاثة عقود ونصف من الادخار على أن يأكل من غير راتبه ويسكن من غير إيجار ولا يمرض ولا يربي أطفالا ولا ترتفع الأسعار ولا يتغير سعر البيت!.
علما ان اقرب وزارة عراقية من ساحة التحرير الى مدينة الورد يبلغ 35 كم.
وهنا لو استعرنا عدسة علي الوردي لا كلامه لأصبح السؤال الاجتماعي أهم من الاسم:
كيف تصبح مدينة تحمل اسم عالم درس التفاوت والتناقضات الاجتماعية بعيدا عن القدرة المالية لقطاع واسع من المجتمع الذي كتب عنه؟
وهل تكريم العالم يكون بوضع اسمه على مدخل المدينة أم بأن تعكس المدينة شيئا من المجتمع الذي أفنى عمره في دراسته؟

ثم نذهب إلى الرجل الآخر: عبد الأمير الورد.
ولو تركنا له على سبيل الدعابة مهمة الإعراب فربما احتار أمام الجملة:
(اشترى الموظف بيتًا في مدينة الورد.)
فالفاعل معروف والفعل صحيح والبيت مفعول به…
لكن من أين جاء الموظف بـ390 مليون دينار؟
هنا تتوقف قواعد النحو وتبدأ قواعد الاقتصاد!
ولعل عبد الأمير الورد وهو رجل اللغة، كان سيسألنا سؤالًا آخر:
إذا كانت اللغة تكشف أصحابها، فماذا تقول لغة هذه المدينة عن ساكنيها؟
هل هي مدينة الموظف الذي يحمل اسم علي الوردي في ذاكرته أم مدينة من يستطيع دفع ثمن لا يمكن لذلك الموظف أن يجمعه إلا بعد أكثر من ثلاثة عقود من الادخار الخيالي؟
والأطرف أن الاسم الرسمي لم يمت أصلا فما زال (علي الوردي) حاضرا في التداول الحكومي بينما خرجت (مدينة الورد) إلى الجمهور بوصفها الاسم التجاري المتداول.
وهنا يمكن أن نسأل بشيء من الدعابة:
هل انتصر التسويق على علم الاجتماع؟
أم أن الياء في (الوردي) كانت مكلفة عقاريا فقرر المستثمر الاستغناء عنها؟
أم أن أحدازأراد استبدال علي الوردي بعبد الأمير الورد، ولا ينبغي أن نظلم الرجلين بهذه الحكاية.
لكن المصادفة أصبحت أكبر من حرف.
فـعلي الوردي يعيدنا إلى السؤال عن المجتمع الذي يستطيع أن يسكن هذه المدينة.
وعبد الأمير الورد يعيدنا إلى السؤال عن لغة المدينة ومن تتحدث باسمهم.
وبين علم الاجتماع وعلم اللغة تبقى الحقيقة الحسابية أبسط من الاثنين:
390 مليون دينار تعني 390 شهر من ادخار مليون دينار شهريا.

أي ما يقارب من 32 عاما لشراء أصغر وحدة سكنية في حساب لا يسمح للموظف حتى أن يعيش خلال هذه السنوات.
وربما هنا فقط نفهم الحكاية كاملة:
بين (الوردي) و(الورد) ضاعت ياء… لكن بين راتب الموظف وثمن البيت ضاعت مدينة كاملة.



#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صباح الدبي گيمر؟!
- حميد إسكندر… الرجل الذي كان يعيد الحياة إلى الآلات
- الذكاء الاصطناعي يجعل الجهلاء أكثر أناقة… لا أكثر علما
- الماطور… حين كان الفرات طريق الخضر إلى العالم. حين حمل الفرا ...
- تفاصيل زيارة الميس بيل إلى الخضر وأوروك
- الماطور… حين كان الفرات طريق الخضر إلى العالم
- اللغة حين تتحول إلى استجابة: القصيدة الحسينية نموذجا
- السوق المسقف في قضاء الخضر(الجزءالثاني) مشهد من السوق… حين ك ...
- السوق المسقف في الخضر… ذاكرة المدينة تحت سقف واحد (الجزء الأ ...
- شهادة أعتز بها
- گهوة عويز… حين كان المكان يتسع للجميع
- ربية الخضرية فوق جبال كردستان
- الشيخ الهادئ… روح مطمئنة غادرت الحياة وسط عاصفة
- الهگوشية… رحلة نحو الناصرية تبدأ من السوق الأعوج
- الشيخ عزيز ال سْفًر… رجل تكلمت عنه المواقف أكثر من الكلمات
- عبد شمخي العسكري… حين كانت الدولة تأتي على صهوة جواد
- من خمسين اسما لمردوخ إلى خمسين مليونًا للصوت!
- لعنة البقاء… ونعمة الرحيل
- صبحي المصور… خيمته الكبيرة علامة فارقة في العيد
- حميد أبو كلل… حين كان المختار أكبر من ختم على ورقة


المزيد.....




- تردد قناة بطوط كيدز الجديد 2026 على النايل سات لمتابعة أجمل ...
- الناجون بعد تشي: رحلة سينمائية استغرقت 22 عاماً لاستنطاق مصا ...
- تتصدّر رواية سيمونيان مبيعات الكتب في موسكو للأسبوع الثاني ع ...
- فيلم وثائقي يرصد تاريخ إنغوشيا وثقافتها وحياتها المعاصرة
- تغيير مسار طائرة كانت متجهة من الإمارات إلى تل أبيب.. ما الر ...
- عراك وطعن.. تضارب الروايات بشأن سبب تحويل مسار طائرة كانت مت ...
- أسبوع الموضة في موسكو يستقطب إقبالا كبيرا في أيامه الأولى
- منتدى -حوار الثقافات- يفتتح أعماله في متحف الإرميتاج بمشاركة ...
- رئيس تشريعية النواب: إرجاء الإجراءات الجنائية لإتاحة الوقت ا ...
- -مسرحية هزلية-.. كوريا الشمالية ترفض اتهامات سول بشأن انفجار ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - كاظم الحناوي - بين علي الوردي وعبد الأمير الورد… حكاية ياء ضاعت في مدينة!