أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - صوتٌ قادمٌ من بعيد














المزيد.....

صوتٌ قادمٌ من بعيد


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 02:23
المحور: الادب والفن
    


يتفحّصُ الخارطةَ طويلاً؛ خطوطٌ كنتوريةٌ متعرّجة، دوائرُ غيرُ منتظمةٍ تتوزّع فوق الورق كما لو أنّها طبقاتٌ خفيّةٌ من الحياة ذاتها. كانت بعضُ الخطوط متباعدةً إلى حدٍّ كبير، تستحوذ على المساحات الأوسع، بينما تتقارب أخرى في الداخل حتى تكاد تختنق ببعضها، وكأنّ الأرض نفسها تُعيد تقسيم البشر بصمتٍ لا يُرى.
ظلّ يحدّقُ فيها حتى شعر أنّه لم يعد يقرأ تضاريسَ مكان، بل تضاريسَ عمره كله. رأى طفولتَه البعيدة، تلك الأيام التي كان العالم فيها بسيطاً كضحكة أم، وصادقاً كيدٍ صغيرةٍ تمتدّ نحو الحياة بلا خوف. تذكّر كيف كان يظنّ أنّ السماء تُفتح للجميع بالتساوي، وأنّ الأحلام لا تسأل أصحابها عن أسمائهم ولا عن لون جلودهم ولا عن عدد النقود في جيوبهم.
كانت تلك المرحلة تشبه أرضاً مستويةً لا تعرف الحواجز، قبل أن يكتشف الإنسان أنّ العالم لا يُدار دائماً بالقلب، بل أحياناً بخرائط غير معلنة، مرسومةٍ بعناية داخل العقول. إنها حكايةُ حلمٍ كان يركض بحماسة، ثم تعلّم ببطءٍ كيف يتعثّر.
تساءل في داخله:
"كيف كان يرى الأشياء بكل ذلك الضوء؟ من أين جاءت تلك الثقة الطفولية بأنّ الخير يكفي لعبور الحياة؟ وهل يكبر الإنسان حقاً، أم أنّه فقط يكتشف قسوة المعاني المختبئة خلف الكلمات؟"
كان يسمعُ همساتٍ متفرّقة عن وجود محدداتٍ فاصلة بين تلك الدوائر، حدودٍ غير مكتوبة لكنها أشدُّ صلابةً من الجدران. لم يكن يكترث في البداية، فقد ظنّ أنّ قيمة الإنسان بما يحمل من روح وفكر، لا بالمكان الذي وُلد فيه.
لكن السنوات كانت قاسيةً في تعليمها؛ إذ أدرك أخيراً أنّه ينتمي إلى تلك المساحات الواسعة ذات الخطوط المتباعدة، حيث يعيش الناس على هامش الضوء، وأنّ الاقتراب من الدوائر المتقاربة يُعدُّ تجاوزاً لصمتٍ اجتماعيٍّ قديم.
حاول أن يتخطّى ذلك كله. أراد أن يختبر فكرة الإنسان بعيداً عن التصنيفات، أن يصرخ بصوته الداخلي:
"لماذا تتحوّل الحياة إلى طبقات؟ ولماذا يُقاس البشر بما يملكون لا بما يشعرون؟
اقترب منهم.
لكن العيون التي استقبلته لم تكن عيوناً تنظر إليه، بل إلى ما وراءه؛ إلى ماضيه، وهيئته، وطريقة وقوفه، وحتى التعب المتراكم فوق بشرته. تفحّص ملابسه، شهاداته، كلماته، فلم يجد شيئاً يبرّر تلك المسافة الخفية بينهم وبينه، سوى شيءٍ واحدٍ لا يُكتب في الأوراق: ملامح الفقر التي تفضح أصحابها مهما حاولوا الاختباء.
سألهم بصوتٍ مرتبك:
- لماذا تنظرون إليّ هكذا؟
لكن الإجابة جاءت بابتساماتٍ باردة، تلك الابتسامات التي لا تحمل قبولاً ولا رفضاً، بل شعوراً خفياً بالتفوّق، وكأنّ بعض البشر يبتسمون ليُشعروك بأنك تقف خارج عالمهم.
حاول كثيراً أن يبني جسوراً مع الآخرين، أن يُقنعهم بأنّ داخله قلباً لا يعرف الكراهية، وروحاً تتعب من الوحدة مثلهم تماماً، وأنّ الإنسان لا ينبغي أن يُختصر بظروفه. غير أنّهم كانوا يبتعدون عنه شيئاً فشيئاً، كما لو أنّ الفقر عدوى، أو كما لو أنّ الانكسارات تُرعب الذين لم يذوقوها.
سار وحيداً.
وكان الليل يمتدُّ داخله أكثر من امتداده في الطريق. شعر للحظة أنّ العالم كله مجرد خارطة ضخمة، وأنّ البشر ليسوا سوى خطوطٍ كنتوريةٍ تفصل بينهم المسافات والمصالح والأوهام. لكن، وسط ذلك الصمت الثقيل، سمع صوتاً بعيداً، غامضاً، يشبه صوتاً قادماً من أعماق روحه أو من ذاكرةٍ نسيها منذ زمن، يقول له بهدوء:
- لا تحزن ...فالجبالُ المرتفعة ليست دائماً أقرب إلى السماء، وبعضُ السهول المنسية أكثر رحابةً من قممٍ مزدحمةٍ بالغرور.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين ثبات الحارس وتيه خلف: تأملات في معنى الانتماء بين سيف آش ...
- نص نثري: ما تبقى منه
- قصة قصيرة: المشورة
- نص نثري: تحت شجرة الأمنيات
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- المعبد بين قداسة المكان وذاكرة الغياب: تأملات في رواية آشور. ...
- نص نثري: هواجس رجل من الماضي
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- قصة قصيرة: نافذة الغجر
- نص نثري: بين نسختين
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- ما وراء الحكاية: حين يفتح النقد نافذة أخرى على فتاة القلعة ق ...
- نص نثري: المظاهر
- حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع ...
- حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع ...
- حين يصبح الطريق ذاكرة: تأملات في المجموعة القصصية ما تبقّى م ...
- نص نثري: حين صار ظلّاً


المزيد.....




- إيشان والمركز الثقافي البغدادي يحتفيان بذكرى الشاعرة فدعة ال ...
- قمر خلف تعود إلى الحارة الدمشقية لمواجهة الظلم بـ-التوأم الش ...
- بجهود ذاتية.. باحثون ليبيون يسابقون الزمن لترميم حصون روماني ...
- تايلور سويفت تتجاوز بيونسيه كأكثر فنانة حائزة على جوائز MTV ...
- -عَسطح بيروت-... نجوى كرم تطلق فيديو كليب أغنية -تاك تاك-
- -أفنجرز: إندجيم-.. الفيلم الذي عاد إلى القمة بعد 7 أعوام
- بين -المواطن كين- والملياردير -ماسك-.. حين أغضبت السينما أصح ...
- -تعليم بمليون دولار لا يكفي-… رحلة طبيب أمريكي من حيرة الرعا ...
- بزخم أكاديمي من 5 قارات.. إسطنبول تُفتش عن -الحلول القرآنية- ...
- التعليم العالي:جامعة القاهرة تطلق منصة رقمية للملكية الفكرية ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - صوتٌ قادمٌ من بعيد