أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: ما تبقى منه














المزيد.....

نص نثري: ما تبقى منه


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 10:27
المحور: الادب والفن
    


في مكانٍ ما، كان ثمّة شيءٌ يشبهه.
لم يعد يعرف أين اختفى، ولا متى غادر، ولا إن كان قد غادر أصلاً. كل ما يعرفه أن شيئاً ما كان يملأ داخله، ثم أخذ يتراجع ببطء، كما يتراجع ظلّ شجرة عند الغروب، من غير أن يسمع أحدٌ صوت ابتعاده.
كان يبحث عنه أحياناً بين الأشياء الصغيرة؛ في رائحة كتابٍ قديم، في صفحةٍ اصفرّت أطرافها، في صوتٍ عابر يأتي من مكان بعيد، أو في وجهٍ يمرّ أمامه في المرآة ولا يلبث أن يصبح غريباً.
كان يسأل نفسه: هل يمكن للإنسان أن يفقد شيئاً لا يعرف له اسماً؟
ثم يصمت. ربما لم يكن المفقود شيئاً، بل نسخةً منه. نسخةً كانت تعرف لماذا تفرح، ولماذا تغضب، ولماذا تركض خلف الأشياء قبل أن تعرف قيمتها. نسخةً كان في داخلها طفل لا يكفّ عن الأسئلة، وبدويّ قديم يعرف طريقه إلى الماء حتى في أكثر الجهات يباساً.
لكن الطفل خفت صوته، والبدوي جلس طويلاً قرب نارٍ انطفأت. وبقي هو، أو بقي شيءٌ يشبهه.
أحياناً، يأتيه ذلك الهاجس من غير موعد. لا يطرق باباً، ولا يرفع صوته، بل يجلس في زاوية مظلمة من المخيلة، ثم يترك سؤالاً مفتوحاً: هل ما زالت الروح هنا؟ أم أن الجسد تعلّم، منذ زمن، أن يؤدي دوره وحده؟
ينهض حين ينبغي أن ينهض، يجلس حين ينبغي أن يجلس، يفتح كتاباً، يقلب صفحاته، ينظر طويلاً إلى الكلمات، ثم يكتشف أنه كان يقرأ شيئاً آخر لا وجود له بين السطور، شيئاً لا تستطيع الكتب تسميته.
يجلس وحيداً. ولا يشعر دائماً أن الوحدة غياب الآخرين؛ أحياناً تكون الوحدة أن تجلس طويلاً إلى جوار نفسك، ثم تكتشف أنك لا تعرف ذلك الجالس قبالتك.
لهذا يكتب. يضع ورقة بيضاء أمامه، كمن يفتح نافذة في جدار مغلق. تخرج الكلمات مترددة أول الأمر، ثم تتكاثر. يكتب عن أشياء لا تحدث، وعن أشياء حدثت ولم تعد تعنيه، وعن أصوات لا يسمعها أحد سواه. يكتب حتى تصبح الورقة أشبه بمرآة لا تعكس وجهه، بل تعكس ما اختبأ خلف الوجه.
ثم يتوقف، يقرأ. يصمت قليلاً، ويمزّق. تسقط القطع الصغيرة حوله كأنها بقايا أيامٍ لم تجد طريقها إلى الغد. ولا يحزن، فهو لم يكن يريد من الكتابة أن تبقى. كان يريد منها أن تمرّ، أن تأخذ معها شيئاً من ثقل الساعات، وأن تمنح الزمن ممراً آخر غير ذلك الممر الرتيب الذي يمضي فيه كل يوم بالخطوات نفسها.
ربما لهذا كان يمزّق أوراقه. لم يكن يهدم ما كتب، بل كان يحرّر الوقت من سكونه. فالإنسان، حين يعجز عن تغيير ما حوله، قد يخترع لنفسه طقساً صغيراً كي لا يصبح أسيراً لتكرار الأيام.
يقرأ، يكتب، يمزّق. ثم يعيد الكرّة. ثلاث حركات بسيطة، لكنها كانت تكفي كي لا يشعر بأن اليوم نسخةٌ من اليوم الذي سبقه.
وفي بعض الليالي حين يطول الصمت، كان يرى الطفل القديم واقفاً بعيداً. لا يتكلم، ولا يقترب،
فقط ينظر إليه، وكان هو أيضاً ينظر. بينهما مسافة لا تُقاس بالخطوات، بل بما فعلته السنوات.
كان يريد أن يسأله: أين كنت كل هذا الوقت؟
لكن السؤال ظل في داخله. فالطفل لم يعد بحاجة إلى الكلام، وربما كان يعرف أن الرجل الذي أمامه لم يعد يملك الإجابة. وحين يلتفت إليه من جديد، يكون قد اختفى. فيعود إلى ورقته، كأن شيئاً لم يحدث. وربما هنا تكمن الحكاية كلها: أن الإنسان لا يشيخ حين تتقدم السنوات، بل حين تبدأ الأشياء التي كانت تسكنه بالرحيل واحداً بعد آخر، من غير جنازة، ومن غير وداع.
ومع ذلك. يبقى شيء صغير يقاوم، قد يكون كلمة، قد يكون كتاباً، قد تكون ورقة بيضاء. وقد يكون ذلك الرجل الجالس في آخر المساء، وحده، يكتب ثم يمزق، ويكتب ثم يمزق، لا ليترك أثراً خلفه، بل ليؤجل للحظة أخرى ذلك الفراغ الذي ينتظره.
فما دام يكتب، فثمة شيء فيه لم يغادر بعد. وما دام يمزّق، فثمة شيء آخر ما يزال يرفض أن يُسمّى.
ولعلّه، في النهاية، لا يبحث عن نفسه، بل يبحث عن ذلك الجزء الصغير منها الذي ما زال في مكانٍ ما يرفض أن يموت.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: المشورة
- نص نثري: تحت شجرة الأمنيات
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: ت ...
- المعبد بين قداسة المكان وذاكرة الغياب: تأملات في رواية آشور. ...
- نص نثري: هواجس رجل من الماضي
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- قصة قصيرة: نافذة الغجر
- نص نثري: بين نسختين
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- ما وراء الحكاية: حين يفتح النقد نافذة أخرى على فتاة القلعة ق ...
- نص نثري: المظاهر
- حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع ...
- حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع ...
- حين يصبح الطريق ذاكرة: تأملات في المجموعة القصصية ما تبقّى م ...
- نص نثري: حين صار ظلّاً
- قصة قصيرة: إلى حيث يمضي الطريق
- نص نثري: سماءٌ من طفولة


المزيد.....




- -سويوزمولتفيلم- الروسية تواصل تسويق رسومها المتحركة عالميا و ...
- نجمة هوليوود مونيت مازور تواجه 3 لصوص ملثمين في منزلها الفاخ ...
- تربية نينوى تصقل مواهب المعلمين الأدبية بورشة تخصصية في الشع ...
- الفن يمنح أطفال غزة وشبابها مساحة لاستعادة ذواتهم وسط دمار ا ...
- بعد 4 سنوات من طعنه.. الكاتب سلمان رشدي يكشف في فيلم وثائقي ...
- الرسائل من وسيلة بوح إلى أداة تشفير.. المشفرات الشنقيطية نمو ...
- عراقيون يحررون ناقلة نفط من القراصنة.. ما حقيقة الرواية؟
- حمزة الحاج علي يمنح الفنون القتالية السورية أول ميدالية عالم ...
- ليمور -الإندري-.. أعجوبة الخلق الذي يغنّي كنجوم الأوبرا في غ ...
- الحديث بصوت مرتفع في حافلات سنغافورة قد يُكلِّفك


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: ما تبقى منه