أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - حسن بشير محمد نور - كيف يمكن انقاذ السودانيين من الجوع ومنع اتساع المجاعة















المزيد.....


كيف يمكن انقاذ السودانيين من الجوع ومنع اتساع المجاعة


حسن بشير محمد نور

الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 23:31
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
    


كيف يمكن إنقاذ السودانيين من الجوع ومنع اتساع المجاعة؟

بروفيسور/ حسن بشير محمد نور

الان السودان أمام معركة إنقاذ لا تحتمل الانتظار

بعد ما يقارب اربعة أعوام على اندلاع الحرب في السودان، لم تعد قضية الغذاء مجرد واحدة من نتائج الحرب، وإنما أصبحت في قلب الأزمة السودانية نفسها. فالجوع لم يعد يعني أن الغذاء غير موجود بالضرورة، وإنما يعني بصورة متزايدة أن ملايين السودانيين فقدوا القدرة على إنتاج الغذاء أو الوصول إليه أو شراءه أو نقله من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك.

وهنا تكمن خطورة الأزمة.

فقد يكون القمح أو الذرة الرفيعة واي مواد اخرى موجودة في سوق ما، ولكن الأسرة لا تملك الدخل الكافي لشرائها. وقد تكون الأرض الزراعية صالحة للزراعة، لكن المزارع لا يجد الوقود أو البذور أو الأسمدة أو التمويل. وقد تصل المساعدات إلى منطقة ما، لكنها تتوقف قبل الوصول إلى المحتاجين بسبب القتال أو انعدام الأمن أو تدمير الطرق والجسور أو القيود الإدارية المتعمدة.

ولهذا فإن إنقاذ السودانيين من الجوع لا يمكن أن يتم من خلال إرسال مزيد من الغذاء فقط، على أهمية ذلك وضرورته، وإنما يحتاج إلى إعادة تشغيل منظومة الغذاء بأكملها:
- الإنتاج، والأسواق، والنقل، والطاقة، والدخل، والمياه، والصحة، واساليب التغذية، والمساعدات الإنسانية، والأهم من ذلك كله الوصول الآمن إلى السكان المستهدفين.

- أرقام الجوع تكشف حجم الخطر

الأرقام المتاحة في عام 2026 ترسم صورة شديدة الخطورة.

وفق أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، واجه نحو 19.5 مليون سوداني، أي نحو 41 في المائة من السكان المشمولين بالتحليل، مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، أي المرحلة الثالثة أو أسوأ، خلال فبراير– مايو 2026. ومن بينهم نحو 14 مليوناً في مرحلة الأزمة، وأكثر من خمسة ملايين في مرحلة الطوارئ، ونحو 200 ألف شخص في مرحلة الكارثة.

- لكن الخطر لا يتوقف عند هذه الأرقام.

ففي توقعات موسم الشح بين يونيو وسبتمبر 2026، حذرت FAO وWFP من ارتفاع عدد الأشخاص المتوقع وصولهم إلى مرحلة الكارثة إلى نحو 200 ألف شخص في 15 منطقة، مع بقاء 14 منطقة في شمال دارفور وجنوب دارفور وجنوب كردفان معرضة لخطر المجاعة في أسوأ السيناريوهات. كما أشارت التقديرات إلى استمرار خطر المجاعة في 13 منطقة حتى موسم الحصاد في يناير 2027.

وهنا ينبغي توضيح نقطة مهمة للرأي العام:
عدم وجود إعلان عن مجاعة في جميع أنحاء السودان لا يعني أن خطر المجاعة قد انتهى. فالمجاعة في منهج Integrated Phase (Classification IPC) تصنيف له شروط ومعايير محددة، بينما يمكن أن يعيش ملايين الأشخاص في مراحل الأزمة والطوارئ والكارثة قبل بلوغ تلك العتبة.

والأخطر من ذلك هو البعد التغذوي. إذ تتوقع المنظمات الدولية أن يعاني نحو 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد الشديد خلال عام 2026، وهو مستوى أعلى بنحو 7 في المائة من عام 2025 وبنحو 25 في المائة من مستويات ما قبل الحرب.

وهذا يعني أن أزمة الغذاء تتحول تدريجياً إلى أزمة في رأس المال البشري نفسه.

- الجوع السوداني ليس مشكلة مواد غذائية فقط

قد يكون من السهل النظر إلى الأزمة باعتبارها مشكلة نقص في الحبوب أو الحاجة إلى استيراد المزيد من الغذاء. لكن هذا التفسير غير كافٍ.
فالسودان بلد زراعي واسع، ولديه موارد وأراضي ومياه وثروة حيوانية وخبرات زراعية كبيرة. لكن المشكلة الأساسية في الظروف الحالية وهي تفكك سلسلة الغذاء.

بنعنى ان الحرب أدت إلى نزوح ملايين السكان، وتعطيل الزراعة، وتدمير أو تعطيل الأسواق والمخازن ووسائل النقل، وفقدان مصادر الدخل، وارتفاع تكلفة المدخلات الزراعية، وانقسام الأسواق بين مناطق السيطرة المختلفة للقوات المتحاربة.

كما أصبح الوصول الإنساني نفسه الي وسائل الانتاح او وصول المساعدات الانسانية جزءاً من معادلة الأمن الغذائي.

فغي الثاني من سبتمبر 2026، أعلن برنامج الأغذية العالمي أن هجوماً جوياً أصاب شاحنتين تحملان مساعدات غذائية قرب الدلنج في جنوب كردفان، ودمر أكثر من 50 طناً من الغذاء كانت مخصصة لنحو 5800 شخص لمدة شهر. وذكر البرنامج أنه سجل ثماني هجمات جوية خلال العام ألحقت أضراراً بمنشآته أو عطلت عملياته.

هذه الحوادث تكشف أن المشكلة لا تكمن فقط في توفير المال والغذاء، وإنما في القدرة على إيصال الغذاء إلى من يحتاجه.

- التمويل وحده لا يكفي، لكنه شرط لا غنى عنه

خطة الاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2026 تحتاج إلى مليارات الدولارات لتغطية الاحتياجات الإنسانية الواسعة، بينما يحتاج قطاع الغذاء وسبل المعيشة والزراعة إلى موارد مستقلة تسمح له بالانتقال من مجرد إنقاذ الناس في الوقت الراهن إلى حماية قدرتهم على إنتاج الغذاء غداً.

وتطلب FAO في عام 2026 نحو 230.5 مليون دولار لمساعدة نحو 2.465 مليون شخص من خلال دعم المحاصيل والثروة الحيوانية ومصايد الأسماك وسبل الإنتاج. كما يطلب WFP مئات الملايين من الدولارات لتغطية عملياته الإنسانية ودعم ملايين السودانيين.

لكن التطور الأكثر إثارة للقلق هو أن نقص التمويل بدأ يتحول إلى نقص فعلي في المساعدات. ففي سبتمبر 2026 حذر WFP من أن تقليص المساعدات يؤدي إلى ترك مئات الآلاف من النازحين في السودان أمام خطر فقدان الغذاء الذي يعتمدون عليه للبقاء.

وفي يونيو 2026 حذر البرنامج من أن مخزون الغذاء المخصص للعمليات الإنسانية كان معرضاً للاستنزاف، وأن استمرار التمويل والوصول الآمن أصبحا شرطين للحفاظ على المكاسب المحدودة التي تحققت في بعض المناطق.

لذلك فإن أول إجراء لإنقاذ السودانيين هو منع التمويل الإنساني من الانهيار.

ولكن من أين يأتي الإنقاذ في بلد معزول ومنقسم؟

هذا هو السؤال الأصعب.

السودان يمر بظروف سياسية وأمنية تجعل بعض الدول والجهات المانحة مترددة في تحويل أموال كبيرة عبر مؤسسات الدولة أو القنوات المرتبطة بأطراف الحرب. ولكن هذا لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لترك المدنيين بلا غذاء.

الحل العملي هو الفصل بين المساعدات الإنسانية وبين الصراع السياسي قدر الإمكان، وإنشاء آليات شفافة ومتعددة القنوات تسمح بتمويل الغذاء والصحة والمياه والزراعة مباشرة، مع رقابة مالية مستقلة، وشفافية في المشتريات والتوزيع، وآليات لمنع تحويل المساعدات إلى أطراف النزاع.
وبمعنى آخر: يمكن أن تكون هناك عزلة سياسية أو خلافات حول شرعية المؤسسات، ولكن لا ينبغي أن تعني تلك الخلافات عزلة إنسانية عن الشعب السوداني او تتحول لعقاب جماعي للسودانيين.

- إنقاذ الغذاء يبدأ من المزرعة

الخطأ الأكبر سيكون تحويل السودان إلى دولة تنتظر شحنات الغذاء الخارجية بصورة دائمة، فالمساعدات الغذائية ضرورية لإنقاذ الأرواح، لكنها لا تستطيع وحدها حل أزمة غذاء بهذا الحجم.

السودان يحتاج إلى برنامج طوارئ زراعي واسع يبدأ قبل الموسم الزراعي ويشمل توفير البذور، والأسمدة، والوقود، والمبيدات، والأعلاف، والخدمات البيطرية، وصيانة قنوات الري والآبار والطلمبات، وتمويل صغار المنتجين.

وينبغي أن تكون الأولوية للمناطق التي يمكن أن تستعيد الإنتاج بسرعة، مع حماية المزارعين من مخاطر النزوح والنهب وتدمير المحاصيل.

ويمكن للمساعدات الدولية أن تتحول جزئياً من شراء الغذاء إلى شراء المدخلات الزراعية ومدخلات الانتاج محلياً كلما سمحت الظروف بذلك.

فالطن من الحبوب الذي ينتجه المزارع السوداني لا يوفر الغذاء فقط، وإنما يوفر دخلاً وفرص عمل ويقلل الحاجة إلى الاستيراد ويحافظ على النشاط الاقتصادي المحلي.

- توفير الوقود جزء من سياسة مكافحة الجوع

غالباً ما ينظر إلى الوقود باعتباره قضية طاقة منفصلة عن الغذاء، لكن ذلك غير صحيح.
الديزل يدخل في الحراثة، وضخ المياه، والنقل، والحصاد، والتخزين، والطحن، وتبريد الأغذية، وتشغيل المستشفيات ومراكز التغذية.

لذلك فإن ارتفاع سعر الوقود ينتقل تدريجياً إلى سعر الرغيف والحبوب والخضروات والدواء والنقل.
وفي اقتصاد يعاني في الوقت نفسه من انهيار قيمة العملة، تصبح المشكلة أكثر تعقيداً.

فكل انخفاض كبير في قيمة الجنيه يرفع تكلفة الوقود والمدخلات الزراعية والسلع المستوردة، ثم تنتقل هذه الزيادة إلى أسعار الغذاء.

وهكذا تتشكل دائرة مفرغة:

انخفاض قيمة العملة يؤدي إلى ارتفاع تكلفة المدخلات، وارتفاع الوقود يرفع تكلفة الإنتاج والنقل، وارتفاع تكلفة النقل يرفع أسعار الغذاء، وارتفاع الغذاء يخفض الدخل الحقيقي للأسرة، ثم يؤدي تراجع الدخل الحقيقي إلى مزيد من سوء التغذية والفقر.

ولذلك فإن مكافحة الجوع في السودان تحتاج أيضاً إلى سياسة طوارئ للوقود والطاقة.
المطلوب ليس فقط غذاءً مجانياً، وإنما دخلاً يستطيع شراء الغذاء

هناك ملايين السودانيين الذين قد لا يحتاجون إلى شحنات غذائية كل شهر إذا أصبح لديهم دخل منتظم.
ولهذا ينبغي ايجاد برامج للنقد مقابل العمل، والدعم النقدي للأسر الأشد فقراً حيثما تسمح الأسواق والأمن بذلك، وبرامج شراء المحاصيل من المزارعين، وتمويل المشروعات الصغيرة، ودعم النساء والشباب والنازحين القادرين على العمل.

لكن التحويلات النقدية لا تصلح في كل مكان في الظروف الحالية وقد تبدو خيارا غير عملب. ففي المناطق التي انهارت فيها الأسواق أو ارتفعت الأسعار بصورة شديدة أو أصبح الوصول التجاري إليها مستحيلاً، قد تكون المساعدات الغذائية العينية أكثر ملاءمة. اذ الان تتعكل حتى التطبيقات البنكية باستمرار مثل بنكك.

وهنا المعيار يجب أن يكون بسيطاً: ما الوسيلة التي توصل أكبر قدر من الغذاء والدخل الحقيقي إلى السكان بأقل تكلفة وأعلى شفافية؟ بجب البحث عن تجابة عملية لهذا السؤال السهل الصعب في نفس الوقت.

- الأسواق السودانية تحتاج إلى جسر لا إلى مزيد من الانقسام

من أخطر آثار الحرب ظهور أسواق منفصلة مرتبطة بمناطق السيطرة العسكرية.
فكلما زادت الحواجز بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، ارتفعت تكلفة النقل والتجارة، وظهرت فروق سعرية كبيرة، وتقلصت حركة السلع.

وهنا تصبح حماية التجارة المدنية جزءاً من مكافحة الجوع.
ويستدعي ذلك فتح ممرات تجارية آمنة للغذاء والوقود والمدخلات الزراعية، وتقليل الرسوم والحواجز غير الرسمية على الطرق، ومنع الاستيلاء على الشاحنات والمخازن، وحماية التجار والمزارعين. وهذا ما يجب ان يتم ضمن اي هدنة محتملة بشكل قاطع.

فالقمح والذرة الرفيعة لا تعرفان الحدود السياسية بين مناطق السودان، ولكن الحرب تستطيع أن تضع أمامهما عشرات الحواجز.

- لا يمكن فصل الماء والصحة عن الغذاء

قد يحصل الطفل على الغذاء، لكنه يظل معرضاً للموت إذا كان يشرب مياهاً ملوثة أو يعيش في بيئة تفتقر إلى ادنى المتطلبات الصحية أو لا يستطيع الوصول إلى العلاج.

ولهذا فإن مواجهة سوء التغذية الحاد تحتاج إلى حزمة واحدة تضم الغذاء والمياه والصحة والتغذية والبيئة الصحية.

فالطفل الذي يعاني من سوء التغذية لا يحتاج فقط إلى كيس غذاء، وإنما إلى مركز صحي، ومياه آمنة، وعلاج للعدوى، وغذاء علاجي متخصص، ومتابعة مستمرة.
ولهذا فإن تمويل مكافحة المجاعة ينبغي أن ينظر إلى الصحة والمياه باعتبارهما جزءاً من سياسة الأمن الغذائي، لا قطاعات منفصلة عنها.

- التعليم العالي جزء من عملية إنقاذ السودان

قد يبدو الحديث عن الجامعات بعيداً عن قضية الجوع، لكنه في الحقيقة يرتبط بها بصورة مباشرة.

الحرب لا تدمر الغذاء فقط، وإنما تدمر القدرة المستقبلية على إنتاج المعرفة والأطباء والمهندسين والاقتصاديين والمعلمين والباحثين.

وتشير اليونسكو إلى أن الحرب ألحقت أضراراً بالغة بالبنية التحتية للتعليم العالي والبحث العلمي في السودان؛ فقد تعرضت 124 جامعة ومؤسسة تعليم عالٍ للنهب أو التدمير، وتضرر نحو 1880 مختبراً، وفقد القطاع مئات المكتبات وآلاف القاعات والمكاتب في الخرطوم وست ولايات أخرى على الاقل.

ولهذا فإن عودة الجامعات إلى مقارها الأصلية ليست مجرد مسألة إدارية.

السؤال الحقيقي هو: هل توجد كهرباء ومياه وأمن وسكن ومعامل ومكتبات واتصالات وكوادر أكاديمية وتمويل كافٍ؟

إذا لم تتوفر هذه الشروط، فقد تتحول العودة إلى المبنى إلى عودة شكلية لا تعيد الوظيفة الأكاديمية بصورة مستدامة.

والتعليم العالي، في مرحلة ما بعد الحرب، يجب أن ينظر إليه باعتباره استثماراً في إعادة بناء السودان، وليس عبئاً مالياً يمكن تأجيله.

- ماذا يستطيع المجتمع الدولي أن يفعل؟

السودان يحتاج إلى مقاربة دولية مختلفة عن الاكتفاء بإصدار النداءات او التكرار المستمر دون نتائج لهدنة انسانية ملزمة. في المقابل يجب:

أولاً، تأمين تمويل إنساني متعدد السنوات، بدلاً من الاعتماد على التبرعات المتقطعة التي تجعل وكالات الإغاثة عاجزة عن التخطيط.

ثانياً، يجب حماية الممرات الإنسانية وطرق التجارة، والتعامل مع الوصول الإنساني باعتباره التزاماً لا ورقة تفاوض عسكرية.

ثالثاً، يجب تمويل الإنتاج الزراعي بالتوازي مع الغذاء الطارئ.

رابعاً، ينبغي إنشاء آلية شفافة لتوجيه التمويل إلى السكان مباشرة، مع تدقيق مستقل لمنع الفساد أو تحويل الموارد إلى المجهود الحربي.

خامساً، يجب إعطاء أولوية خاصة للأطفال وسوء التغذية الحاد، لأن التأخير في علاج الطفل قد يحول أزمة غذائية مؤقتة إلى خسارة دائمة في الصحة والقدرات البشرية.

سادساً، ينبغي حماية الدول والمنظمات التي تستضيف اللاجئين السودانيين من انتقال الأزمة إليها، لأن الأزمة السودانية ليست داخلية بالكامل؛ آثارها تمتد إلى تشاد وجنوب السودان ومصر وليبيا وإثيوبيا ودول أخرى.

- ماذا يستطيع السودانيون أنفسهم أن يفعلوا؟

رغم حجم الكارثة، فإن إنقاذ السودان لا يمكن أن يكون مشروعاً دولياً فقط. فهناك دور مهم للقطاع الخاص السوداني، والمنظمات المحلية، والجامعات، والمزارعين، والتجار، والجاليات السودانية في الخارج.

يمكن للجاليات أن تمول برامج محددة ذات نتائج قابلة للقياس، مثل دعم مركز تغذية، أو تمويل بذور لمجموعة من المزارعين، أو توفير مضخات مياه، أو دعم وجبات مدرسية.

بذلك تصبح المساعدات الخارجية أكثر فاعلية عندما ترتبط بالغذاء والتغذية والتعليم والإنتاج في الوقت نفسه، في كل غير قابل للتجزئة.

- السلام ليس نتيجة لاحقة للأمن الغذائي

لا يمكن إنقاذ السودان من المجاعة بصورة مستدامة من دون خفض مستوى العنف.
فكل يوم يستمر فيه القتال يعني مزيداً من النزوح، ومزيداً من الأراضي التي لا تزرع، ومزيداً من الطرق التي تغلق، ومزيداً من الأسواق التي تتوقف، ومزيداً من الأسر التي تفقد مصادر دخلها.
لهذا يجب أن تكون المفاوضات السياسية مرتبطة منذ البداية بترتيبات إنسانية عملية:
وقف إطلاق النار في المناطق ذات الخطر الغذائي الأعلى، حماية طرق الإمداد، وقف الاعتداء على العاملين الإنسانيين، والسماح بدخول الغذاء والدواء والوقود دون عوائق.
إن إنقاذ المدنيين من الجوع ليس بديلاً عن السلام، ولكنه يمكن أن يكون أحد الجسور التي تساعد على الوصول إليه.

- عن العزلة السياسية؟

الواقع السياسي الدولي للسودان معقد، كما أن مواقف الدول تجاه الأطراف المتحاربة تتغير وفق التطورات السياسية والأمنية. لكن هناك مبدأ يجب الحفاظ عليه:
العقوبات والضغوط السياسية يجب ألا تتحول إلى عقوبة جماعية على المدنيين.

يمكن للمجتمع الدولي أن يفرض قيوداً على الأفراد أو الشبكات المتهمة بتمويل الحرب، وفي الوقت نفسه يوسع قنوات تمويل الغذاء والصحة والزراعة.

بل إن الجمع بين الضغط على شبكات تمويل الحرب وزيادة المساعدات المباشرة للمدنيين يمكن أن يكون أكثر فاعلية من تقليص المساعدات الإنسانية بسبب الخلافات السياسية.
لا بد اذن من معالجة اقتصاد الحرب فالجوع لن ينتهي إذا بقي الاقتصاد الذي يمول الحرب قائماً.

لذلك فإن أي استراتيجية جادة لإنقاذ السودان يجب أن تستهدف اقتصاد الحرب نفسه: الذهب والصادرات المتاحة الاخرى، والتهريب، والتجارة غير الرسمية، وشبكات السلاح، والجبايات على الطرق، واستغلال الموارد العامة، وتحويل الموارد الاقتصادية بعيداً عن الإنتاج والخدمات.

وفي المقابل ينبغي ايجاد سبل رغم المخاطر والصعوبات لحماية القطاعات المدنية المنتجة، خصوصاً الزراعة والثروة الحيوانية والتجارة الداخلية والخدمات الأساسية.

الهدف ليس تجفيف الاقتصاد السوداني، وإنما عكس اتجاه الموارد: من تمويل الحرب إلى تمويل الغذاء والإنتاج والخدمات. وعذا نا يجب ربطه بأي هدنة محتملة.

# خمس أولويات عاجلة لإنقاذ السودان من المجاعة

• يمكن اختصار استراتيجية الإنقاذ في خمس حزم مترابطة:

الأولوية الأولى: الغذاء المنقذ للحياة:

تأمين تمويل عاجل ومستدام لبرنامج الأغذية العالمي WFP وشركائه، وتوسيع المساعدات إلى المناطق الأكثر تعرضاً للكارثة، مع إعطاء الأولوية للأطفال والحوامل والمرضعات والنازحين وبرامج دعم العائدين.

الأولوية الثانية: فتح الطرق والممرات الإنسانية:

بتأمين طرق آمنة للغذاء والدواء والوقود، ومنع الاعتداء على القوافل والمخازن والعاملين الإنسانيين.

الأولوية الثالثة:
إنقاذ الموسم الزراعي (يمكن الان الموسم الشتوى واي انتاج زراعي خارج الموسم الصيفي الذي انتهى تقريبا).
توفير البذور والأسمدة والوقود والأعلاف والمياه والتمويل للمزارعين، حتى يتحول السودان من مستورد متزايد الطلب للغذاء إلى منتج قادر على استعادة جزء كبير من احتياجاته.

الأولوية الرابعة: حماية القدرة الشرائية:

استحداث الية لدعم الأسر الفقيرة نقدياً، (متى نا سمحت الظروف) حيث تعمل الأسواق، وضبط الرسوم والحواجز التجارية، وتوفير الوقود للقطاعات الحيوية، ومراقبة الأسعار لمنع الاحتكار ضمن قنوات اقتصاد الحرب ومنعا للاستغلال.

الأولوية الخامسة: ربط الغذاء بالصحة والمياه والتعليم:

اذ لا يمكن القضاء على سوء التغذية دون المياه والصحة، ولا يمكن إعادة بناء السودان دون التعليم، ولذلك يجب أن تكون هذه القطاعات جزءاً من خطة إنقاذ واحدة.

السودان لا يحتاج إلى انتظار نهاية الحرب حتى يبدأ أنقاذ حياة ملايين من الناس.

ربما يكون أصعب درس يجب تعلمه من الأزمة السودانية هو أن انتظار تحقيق السلام الكامل قبل البدء في إعادة بناء الاقتصاد والغذاء والصحة والتعليم يعني ترك ملايين الناس يدفعون ثمن الانتظار.

وفي الوقت نفسه، فإن محاولة بناء اقتصاد طبيعي وسط الحرب دون معالجة أسبابها الجذرية لن تكون ممكنة. وهنا تكمن صعوبة المعادلة.

المطلوب إذن هو مساران متوازيان:

مسار سياسي وأمني يعمل على وقف الحرب وفتح الطريق أمام مسار سياسي لمعالجة الازمة السودانية بشكل شامل.

ومسار إنساني واقتصادي يعمل منذ الآن على إنقاذ الأرواح وحماية الإنتاج والدخل والخدمات.

وهذان المساران ليسا متعارضان. بل إن نجاح أحدهما يساعد الآخر.

الخلاصة: إنقاذ الإنسان كأولوية قصوى

السودان اليوم لا يواجه مجرد نقص في الغذاء، وإنما يواجه أزمة في القدرة على إنتاج الغذاء والوصول إليه والقدرة على شرائه ونقله.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: كم طناً من الاغذية والحبوب يحتاج السودان؟

وانما السؤال الأهم هو: كيف نعيد إلى الأسر السودانية قدرتها على الحصول على الغذاء؟

والإجابة تمر عبر الغذاء الطارئ، والمياه والصحة، والدخل، والوقود، والزراعة، والأسواق، وفتح الطرق، وحماية المدنيين، ووقف تمويل الحرب، ثم الوصول إلى السلام.

إن نحو 19.5 مليون سوداني الذين يجهوا مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي في الفترة التي تغطيها أحدث هذا التحليل وارتفاع العدد المتوقع في مرحلة الكارثة خلال موسم الشح، ليسوا مجرد أرقام في تقارير دولية. إنهم بشر وأسر وأطفال ومزارعون وطلاب ونساء وكبار سن، وكل يوم يمر دون تدخل فعال يزيد تكلفة إنقاذهم.

وتحذر FAO وWFP من أن السودان ما زال من أخطر بؤر الجوع في العالم، مع استمرار خطر المجاعة في مناطق متعددة. لذلك فإن المطلوب ليس انتظار انتهاء الحرب حتى يبدأ الإنقاذ، ولا الاكتفاء بالإغاثة حتى تنتهي الأزمة. فالناس الآن بعيشون في ظروف عصيبة ويكابدون عنت الحياة.

المطلوب هو إنقاذ الناس الآن، وحماية قدرتهم على إنتاج غذائهم غداً، وفتح الطريق أمام السلام الذي يجعل هذا الإنقاذ مستداماً.

فالأمن الغذائي ليس نتيجة تنتظر حدوت السلام؛ بل يمكن أن يكون أحد الشروط التي تساعد السودان على الوصول إلى السلام والاستقرار وإعادة بناء الدولة كما حدث في العديد من الدول الاي مرت بازمات كبرى.

-- البيانات والارقام مستمدة من تقارير وبيانات:
IPC, WFP, FAO
27 سبتمبر 2026



#حسن_بشير_محمد_نور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السلوك المؤسسي ومسار انهيار الاقتصاد السوداني: من اقتصاد الح ...
- تحديث بيانات بنك الخرطوم، الغاية الصحيحة والأسلوب الخطأ
- متطلبات استئناف الدراسة بالجامعات السودانية في مقارها الأصلي ...
- اجتماعات اديس ابابا ومسار البحث عن حل سوداني: اختراق سياسي ا ...
- لقاء نيروبي بين فراغات مؤتمر برلين وامكانية بناء كتلة سوداني ...
- الازمة السودانية بين التسويات الهشة وتضارب المصالح الاقليمية ...
- مؤتمر برلين والأرتقاء الي مستوى الأزمة السودانية
- صيغة مقترحة لوثيقة حول تأسيس جبهة وطنية عريضة
- الافراط الاستراتيجي في منظور الاقتصاد السياسي
- حول التدعبات السياسية والاقتصادية للحرب الأمريكية/ الاسراييل ...
- زيارة وفد البنك الدولى الي بورتسودان، الأهداف، النتائج المحت ...
- سلام على مكان يسمى السودان ( Please called Sudan )
- تراجيديا الفاشر في (عالم الفصام القيمي الخطير)
- اذا اردت ان تكون انسانا فكن (سيد عكاشة)
- الاستفادة من الدروس الروسية في التغلب علي العقوبات الغربية
- رؤية حول مشروع وطني للتغيير الجذري في السودان، مقاربة سياسية ...
- نحو أعادة اعمار الخرطوم كمدينة حديثة: رؤية سياسية واقتصادية ...
- الحرب في السودان: بعض تحديات الاستقرار والتعافي الاقتصادي وا ...
- الحرب في السودان: كيف تؤثر ازمة الحكم علي الانتقال السلمي ال ...
- الحرب في السودان: سياسات توطين الجوع وتوريث الفقر


المزيد.....




- طنجة: قمع واعتقالات خلال الوقفة الاحتجاجية لمناهضة التطبيع م ...
- -ربما لم يخلُ الأمر من سحر كوبي-... كيف نجا كاسترو من مئات م ...
- نجيب ساويرس يثير تفاعلا واسعا بعد حديث أحمد موسى عن الفقراء ...
- سكرتارية اشتراكي تعز تنعي وفاة المناضل الاشتراكي عبدالغني عب ...
- القبض على قائد في الجيش السوري السابق في درعا بتهم تتعلق بال ...
- The Shock Absorber of Democracy
- A Union Battle in late 2026 in Germany
- حزب التجمع يحدد 28 نوفمبر موعدًا لمؤتمره العام التاسع
- Cuba, or the Audacity of Freedom
- وفاة المناضلة غيثة البراد (مقابلة سابقة مع جريدة المناضل-ة) ...


المزيد.....

- إشكاليات القوى الثورية(2من2) / عبد الرحمان النوضة
- مَشْرُوع تَلْفَزِة يَسَارِيَة مُشْتَرَكَة / عبد الرحمان النوضة
- الحوكمة بين الفساد والاصلاح الاداري في الشركات الدولية رؤية ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- عندما لا تعمل السلطات على محاصرة الفساد الانتخابي تساهم في إ ... / محمد الحنفي
- الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية / مصطفى الدروبي
- جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني ... / محمد الخويلدي
- اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956 / خميس بن محمد عرفاوي
- من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963.......... / كريم الزكي
- مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة- / حسان خالد شاتيلا
- التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية / فلاح علي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - حسن بشير محمد نور - كيف يمكن انقاذ السودانيين من الجوع ومنع اتساع المجاعة