أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن بشير محمد نور - الافراط الاستراتيجي في منظور الاقتصاد السياسي















المزيد.....

الافراط الاستراتيجي في منظور الاقتصاد السياسي


حسن بشير محمد نور

الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 20:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الإفراط الاستراتيجي في منظور الاقتصاد السياسي
، تحليل العلاقة بين الحرب والموارد والسلطة مع تطبيق على الشرق الأوسط والسودان

بروفيسور حسن بشير محمد نور

مقدمة:
يمثل مفهوم الإفراط الاستراتيجي أحد المفاهيم المركزية في تحليل صعود وسقوط القوى في النظام الدولي. وقد برز هذا المفهوم في أدبيات العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي ليفسر حالات التراجع النسبي للقوى الكبرى نتيجة التوسع العسكري غير المتوازن مع قدراتها الاقتصادية. ويشير إلى حالة تتجاوز فيها الدولة حدودها الموضوعية من حيث الموارد والقدرات المؤسسية بما يؤدي إلى استنزافها تدريجيا.

في هذا السياق قدم بول كينيدي إطارا تفسيريا يربط بين التوسع الإمبراطوري والقدرة الإنتاجية موضحا أن الاختلال بينهما يقود إلى التراجع. غير أن أهمية المفهوم تتجاوز التحليل التاريخي لتصبح أداة لفهم ديناميات الحروب المعاصرة خاصة في المناطق التي تشهد صراعات ممتدة مثل الشرق الأوسط والدول التي تعاني من حروب داخلية كالسودان.

الإطار النظري
يمكن تعريف الإفراط الاستراتيجي في منظور الاقتصاد السياسي بأنه اختلال هيكلي بين متطلبات القوة الجيوسياسية للدولة وبين قدرتها الاقتصادية والمؤسسية على تمويل هذه القوة وإدامتها. ويفترض هذا التعريف أن القوة العسكرية ليست مستقلة عن الاقتصاد بل هي امتداد له وتعتمد عليه في الاستدامة.

ينطلق التحليل من ثلاث علاقات مترابطة

أولا: علاقة القوة بالإنتاج حيث يعتمد التوسع العسكري على قاعدة إنتاجية قادرة على توليد الفائض الاقتصادي اللازم لتمويل العمليات العسكرية والاستراتيجية

ثانيا: علاقة الحرب بإعادة توزيع الموارد إذ تؤدي الحروب إلى تحويل الموارد من الاستخدامات المدنية إلى العسكرية وتخلق اقتصاد حرب تستفيد منه مجموعات محددة داخل الدولة

ثالثا: علاقة الدولة بالمجتمع حيث تفرض الحروب أعباء مالية واجتماعية تؤثر على شرعية الدولة واستقرارها الداخلي

الإفراط الاستراتيجي كظاهرة اقتصادية سياسية

يتجلى الإفراط الاستراتيجي من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية

البعد الاقتصادي: ويتمثل في استنزاف الموارد وارتفاع الإنفاق العسكري وتزايد العجز المالي

البعد السياسي: ويتمثل في تآكل الشرعية نتيجة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية

البعد المؤسسي: ويتمثل في ضعف قدرة الدولة على إدارة التوازن بين متطلبات الأمن والتنمية

ويحدث الإفراط الاستراتيجي عندما تتجاوز الالتزامات العسكرية القدرة الاقتصادية للدولة بما يؤدي إلى اختلال في التوازن الكلي للاقتصاد

آليات الإفراط الاستراتيجي في الحروب

يمكن تفسير الإفراط الاستراتيجي عبر ثلاث آليات رئيسية

الأولى: فخ التكاليف الغارقة حيث تميل الدول إلى الاستمرار في الحروب رغم ارتفاع تكلفتها بسبب الاستثمارات السابقة مما يؤدي إلى تعميق الاستنزاف

الثانية: تضخم اقتصاد الحرب حيث يؤدي التوسع في الإنفاق العسكري إلى زيادة العجز والاعتماد على الاقتراض أو الدعم الخارجي مما يضعف القاعدة الإنتاجية

الثالثة: اختلال التوازن الكلي ويشمل التضخم وتدهور العملة وهروب رؤوس الأموال وهو ما يعكس الأثر الاقتصادي المباشر للحرب

تطبيق على الحرب في الشرق الأوسط

يمكن تحليل الحرب الراهنة في الشرق الأوسط من خلال أنماط مختلفة لإدارة العلاقة بين الحرب والاقتصاد
في حالة إسرائيل يظهر نمط اقتصاد حرب جزئي يتمثل في ارتفاع الإنفاق العسكري وتراجع بعض القطاعات الإنتاجية مع استمرار الاعتماد على الدعم الخارجي خاصة من الولايات المتحدة, مما يخفف من حدة الاستنزاف لكنه لا يلغي مخاطره على المدى الطويل

في حالة إيران يتجلى نمط مختلف يقوم على تقليل التكلفة المباشرة للحرب، من خلال استخدام فاعلين غير دوليين وتوزيع عبء الصراع خارج الحدود، وهو ما يمثل محاولة لتجنب الإفراط الاستراتيجي رغم استمرار الضغوط الاقتصادية الناتجة عن العقوبات

أما الولايات المتحدة فتمثل حالة إفراط استراتيجي مدار، حيث يتم تمويل الالتزامات العسكرية عبر الدين العام وهيمنة الدولار وشبكة التحالفات, مما يسمح بتأجيل الآثار الاقتصادية المباشرة دون إزالتها

في المقابل يعتمد الفاعلون غير الدوليين على اقتصاد صراع منخفض التكلفة يتميز بالمرونة لكنه يعاني من هشاشة الاستدامة والاعتماد على التمويل الخارجي

تطبيق على الحالة السودانية

تمثل الحالة السودانية نموذجا واضحا ومكثفا لظاهرة الإفراط الاستراتيجي في سياق الدول النامية، التي تشهد صراعات داخلية ممتدة، حيث يتجلى الاختلال بين الالتزامات العسكرية والقدرة الاقتصادية بصورة أكثر حدة، مقارنة بحالات الشرق الأوسط، نظرا لضعف القاعدة الإنتاجية وهشاشة البنية المؤسسية للدولة

يتمثل الإفراط الاستراتيجي في السودان في تجاوز الإنفاق العسكري والأمني لقدرة الاقتصاد الوطني على التحمل، حيث تراجعت مساهمة القطاعات الإنتاجية التقليدية مثل الزراعة والصناعة بشكل ملحوظ، خاصة بعد اندلاع حرب ابريل 2023 ويقود ذلك إلى اختلال عميق في العلاقة بين القوة العسكرية التي تتوسع بفعل تعدد مراكز القوة المسلحة, والاقتصاد الذي يعاني من الانكماش وفقدان الموارد, والدولة التي تواجه تآكلا في قدرتها المؤسسية وهو ما يعكس نمطا من الإفراط الاستراتيجي غير المدار

أدت الحرب في السودان إلى نشوء اقتصاد حرب قائم على إعادة توزيع الموارد لصالح شبكات محددة، حيث يتم تحويل الموارد العامة نحو تمويل العمليات العسكرية، مع تراجع الإنفاق على الخدمات الأساسية وصعود الأنشطة غير الرسمية المرتبطة بالحرب، مثل التهريب والاقتصاد الموازي وهو ما يضعف القاعدة الإنتاجية طويلة علي المدى الطويل ويعمق الطابع التراكمي للأزمة
من جانب آخر تتجلى آليات الإفراط الاستراتيجي بوضوح من خلال فخ التكاليف الغارقة واستمرار الصراع رغم كلفته المرتفعة وتضخم اقتصاد الحرب، مع الاعتماد على موارد غير مستدامة واختلال التوازن الكلي، الذي يظهر في التضخم وتدهور العملة وانهيار النظام المالي وهروب رؤوس الأموال

سياسيا ومؤسسيا يؤدي ذلك إلى تآكل شرعية الدولة وتراجع قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية، بالتوازي مع صعود فاعلين غير دوليين وهو ما يعكس تحولا من دولة مركزية إلى فضاء سياسي مفتت يزيد من صعوبة احتواء الأزمة.

وبالمقارنة مع أنماط الشرق الأوسط يمكن تصنيف الحالة السودانية ضمن نمط الإفراط الاستراتيجي غير المدار، حيث تغيب أدوات التمويل المستقر أو التحالفات القادرة على امتصاص الصدمات مما يجعل آثار الأزمة أكثر مباشرة وحدة

مناقشة تحليلية

تشير القراءة التحليلية إلى أن الحروب سواء في الشرق الأوسط أو السودان، تمثل نظاما لإعادة توزيع الموارد على المستويين المحلي والدولي، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الجيوسياسية ولا يظهر الإفراط الاستراتيجي كحدث مفاجئ بل كعملية تراكمية تنشأ تدريجيا مع استمرار الصراع.

كما يتضح ايضا أن القدرة على تجنب الإفراط الاستراتيجي لا تعتمد فقط على حجم الموارد، بل على كيفية إدارتها من خلال السياسات الاقتصادية والتحالفات الدولية والبنية المؤسسية للدولة

الاستنتاجات

نخلص إلى عدد من النتائج الرئيسية

أولا: أن الإفراط الاستراتيجي يمثل نتيجة مباشرة لاختلال العلاقة بين القوة العسكرية والقاعدة الاقتصادية

ثانيا: أن الحروب الممتدة تشكل بيئة خصبة لظهور هذا الاختلال نتيجة استنزاف الموارد وإعادة توزيعها بشكل غير متوازن

ثالثا: أن الحالة الراهنة في الشرق الأوسط تعكس مؤشرات جزئية للإفراط الاستراتيجي بينما تمثل الحالة السودانية نموذجا أكثر حدة لظهوره في الدول الهشة

رابعا: أن استمرار الحروب قد يؤدي إلى تحول هذه المؤشرات إلى حالة إفراط استراتيجي شامل يعيد تشكيل النظم السياسية والاقتصادية

خامسا: أن الإفراط الاستراتيجي في الدول النامية قد لا يقود فقط إلى التراجع بل إلى تفكك الدولة نفسها

دلالات للدول النامية:

تشير نتائج التحليل إلى أن الدول النامية تواجه مخاطر مضاعفة للإفراط الاستراتيجي خاصة في حالات الصراعات الداخلية حيث يؤدي ضعف القاعدة الإنتاجية وتضخم الإنفاق الأمني إلى استنزاف الموارد وتراجع فرص التنمية,
وعليه فإن بناء دولة قادرة على تجنب الإفراط الاستراتيجي يتطلب تحقيق توازن بين الأمن والتنمية وتعزيز القاعدة الإنتاجية ورفع كفاءة المؤسسات, وتبني سياسات اقتصادية رشيدة تقلل من الاعتماد على اقتصاد الحرب

المراجع

Paul Kennedy
The Rise and Fall of the Great Powers
Random House 1987

Charles Tilly
Coercion Capital and European States
Blackwell 1990

Mancur Olson
The Rise and Decline of Nations
Yale University Press 1982

Joseph Stiglitz and Linda Bilmes
The Three Trillion Dollar War
W W Norton 2008

Barry Buzan and Ole Waever
Regions and Powers
Cambridge University Press 2003

Robert Gilpin
War and Change in World Politics
Cambridge University Press 1981



#حسن_بشير_محمد_نور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حول التدعبات السياسية والاقتصادية للحرب الأمريكية/ الاسراييل ...
- زيارة وفد البنك الدولى الي بورتسودان، الأهداف، النتائج المحت ...
- سلام على مكان يسمى السودان ( Please called Sudan )
- تراجيديا الفاشر في (عالم الفصام القيمي الخطير)
- اذا اردت ان تكون انسانا فكن (سيد عكاشة)
- الاستفادة من الدروس الروسية في التغلب علي العقوبات الغربية
- رؤية حول مشروع وطني للتغيير الجذري في السودان، مقاربة سياسية ...
- نحو أعادة اعمار الخرطوم كمدينة حديثة: رؤية سياسية واقتصادية ...
- الحرب في السودان: بعض تحديات الاستقرار والتعافي الاقتصادي وا ...
- الحرب في السودان: كيف تؤثر ازمة الحكم علي الانتقال السلمي ال ...
- الحرب في السودان: سياسات توطين الجوع وتوريث الفقر
- الحرب في السودان: مسار السلام في السودان التعقيدات والتحديات
- الحرب في السودان: تداعيات الافلات من العقاب من منظور سياسي/ا ...
- الحرب في السودان: وفرة الموارد واحتمالات التفكك والتشظيالحرب ...
- الحرب في السودان: تقلص مصادر الإيرادات والعبء الإضافي على ال ...
- الحرب في السودان: كيف لشعب (مهمل) ان يعبش في دولة فاشلة؟
- الحرب في السودان: تعزيز فرص الحل السياسي في ظل فشل المجتمع ا ...
- الحرب في السودان: الشروط الاقتصادية والمالية للاصلاح النقدي
- الحرب في السودان: كيف يمكن مواجهة ازمة البطالة؟
- الحرب في السودان: كيف يمكن للمجتمع المدني سد فجوة غياب الدول ...


المزيد.....




- إسرائيل تقصف جسرا في جنوب لبنان وحزب الله يهاجم شمال إسرائيل ...
- قصف، نزوح وغلاء الأسعار.. الحرب في الشرق الأوسط تلقي بظلالها ...
- إيران تطلق تحذيرا جديدا بشأن مضيق هرمز وتلوّح بـ-مفاجآت-
- ماذا لو أطلق جنود يتعاطون الكوكايين صاروخا نوويا من غواصة؟
- محللون: مهلة الـ48 ساعة تفتح الباب أمام سيناريوهات التصعيد ا ...
- -شبكات-: صاروخ على ديمونة وجاسوس بألف دولار يهزان إسرائيل
- عاجل | ترمب للقناة 13 الإسرائيلية: ستعرفون قريبا ما سيحدث بش ...
- كوبا تتأهب لهجوم أمريكي محتمل
- استهداف جسور الليطاني.. عزل الجنوب وتصعيد لمرحلة أخطر
- العراق يدعو لرفع جاهزية القوات الأمنية على الحدود مع سوريا


المزيد.....

- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن بشير محمد نور - الافراط الاستراتيجي في منظور الاقتصاد السياسي