أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - حسن بشير محمد نور - الازمة السودانية بين التسويات الهشة وتضارب المصالح الاقليمية والدولية














المزيد.....

الازمة السودانية بين التسويات الهشة وتضارب المصالح الاقليمية والدولية


حسن بشير محمد نور

الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 16:45
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
    


الازمة السودانية بين فشل التسويات الهشة وتضارب المصالح الاقليمية والدولية

بروفيسور حسن بشير محمد نور

تشهد الازمة السودانية واحدة من اعقد الازمات السياسية والانسانية والامنية في المنطقة، ليس فقط بسبب طبيعة الحرب وتعدد الفاعلين المحليين، بل ايضا نتيجة تشابك المصالح الاقليمية والدولية وتناقضها حول السودان. وقد اثبتت السنوات الثلاث الماضية ان معظم المبادرات والمساعي الاقليمية والدولية لم تنطلق من فهم عميق لجذور الازمة السودانية بقدر ما انطلقت من حسابات النفوذ والمصالح والتوازنات السياسية قصيرة المدي، الامر الذي ساهم في تعقيد الازمة بدلا من حلها.

لقد تعددت المبادرات بين منابر اقليمية ودولية مختلفة، وتناوبت عليها الرباعية والخماسية ومنظمات اقليمية ودولية عديدة، غير ان القاسم المشترك بينها كان السعي نحو تسويات سريعة وهشة بين اطراف متورطة في الحرب والانتهاكات الجسيمة، دون معالجة حقيقية لاسباب الانهيار البنيوي للدولة السودانية او وضع مشروع وطني شامل لاعادة بنائها. وبدلا من التأسيس لسلام عادل ومستدام، جري في كثير من الاحيان التعامل مع السودان باعتباره ملفا لادارة الازمة وليس حلا لها.

ان الازمة السودانية شديدة التعقيد، ولذلك فان اي دولة او مجموعة دول او منظمات اقليمية ودولية لن تتمكن من المساهمة في حلها ما لم تعتمد منهجا صحيحا يتعامل مع جذور المشكلة لا مع مظاهرها فقط. فالمنهج الصحيح لا يقوم علي صناعة تسوية سياسية مؤقتة بين مراكز القوة المسلحة، وانما علي حماية وحدة السودان وسلامة اراضيه وصيانة امنه القومي والحفاظ علي موارده ومصالحه الاستراتيجية، بالتزامن مع بناء نظام حكم مدني ديمقراطي يقوم علي الشرعية الشعبية وسيادة القانون والمؤسسات.

كما ان اي مشروع جاد للحل يجب ان يقوم علي تحقيق العدالة وعدم الافلات من العقاب، باعتبار ان تجاهل الجرائم والانتهاكات الواسعة التي ارتكبت خلال الحرب يمثل وصفة مؤكدة لاعادة انتاج العنف والانهيار. فالتاريخ الحديث في المنطقة والعالم يؤكد ان التسويات التي تقوم علي تجاوز العدالة وتدوير النخب المسلحة ودمجها في ترتيبات سياسية هشة سرعان ما تنهار، لتدخل البلاد في دورات جديدة من الصراع اكثر عنفا وتعقيدا.

ولا يمكن تحقيق سلام حقيقي في السودان دون مشروع وطني واسع لاعادة بناء الدولة علي اسس جديدة، يشمل اصلاح مؤسسات الحكم، واعادة هيكلة الاقتصاد السوداني، واجتثاث الفساد، واصلاح المؤسسات العسكرية والامنية، واطلاق عملية مصالحة وطنية تستند الي الحقيقة والعدالة والانصاف. كما يجب ان يتم ذلك عبر مشاركة واسعة من مختلف المكونات السياسية والمدنية والمجتمعية السودانية، مع استبعاد كل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم والانتهاكات من المشاركة السياسية الي حين استكمال مسارات العدالة والمحاسبة.

ان اخطر ما يهدد السودان والمنطقة اليوم هو الاتجاه نحو فرض تسويات تقوم علي توازنات القوة والسلاح والمصالح الخارجية الضيقة، لا علي مصالح الشعوب واستقرار الدول. فمثل هذه التسويات، حتي اذا نجحت مرحليا في وقف اطلاق النار او تقاسم السلطة، ستظل تسويات مشوهة وهشة وقصيرة العمر، لانها تتجاهل الاسباب الحقيقية للحرب والانهيار، كما تؤسس لثقافة الافلات من العقاب وتحول العنف الي وسيلة مشروعة للوصول الي السلطة وتحقيق المكاسب السياسية.

ولا يقتصر خطر هذه التسويات علي السودان وحده، بل يمتد الي محيطه الاقليمي بأكمله. فالسودان بحكم موقعه الجغرافي وموارده وحدوده المفتوحة يمثل عنصرا محوريا في امن واستقرار المنطقة. واي تفكك طويل الامد للدولة السودانية او تحويلها الي ساحة صراع اقليمي ودولي مفتوح ستكون له تداعيات خطيرة علي الامن الاقليمي، وحركة التجارة والهجرة، وانتشار الجماعات المسلحة، والاتجار بالسلاح والبشر، فضلا عن تعميق الازمات الاقتصادية والانسانية في المنطقة.

كما ان بعض المشاريع السياسية الاقليمية التي تنظر الي السودان باعتباره مجالا للنفوذ او مصدرا للموارد او ساحة لاعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية، تتعامل مع الازمة السودانية بمنطق المصالح الضيقة لا بمنطق استقرار الشعوب وحقها في بناء دول وطنية مستقرة. وهذا النهج قصير النظر لا يهدد السودان وحده، بل يهدد مستقبل المنطقة بأسرها، لان الاستقرار الحقيقي لا يمكن ان يبني علي اضعاف الدول وتفكيك المجتمعات وتغذية الصراعات الداخلية.

قد لا تكون مثل هذه الرؤية مقبولة لدي كثير من دوائر اتخاذ القرار الاقليمية والدولية في ظل واقع دولي مرتبك ومليء بالتناقضات، ناهيك عن دولة تعاني من الانهاك والفشل المؤسسي مثل السودان. غير ان مسار الاحداث خلال السنوات الماضية اثبت بما لا يدع مجالا للشك ان تجاهل جذور الازمة، والرهان علي التسويات المؤقتة، والسعي الي تدوير الازمة بدلا من حلها، كلها خيارات قادت الي مزيد من الانهيار والتفكك.

وها هي الدولة السودانية تتصدع امام اعين العالم، بينما يكتفي المجتمع الدولي بكثرة التصريحات والمؤتمرات وادارة الازمة من بعيد، بل ان بعض الاطراف وجدت في المأساة السودانية مجالا لتحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية والتجارية علي حساب معاناة ملايين السودانيين الذين يواجهون الحرب والنزوح والجوع والانهيار الكامل للخدمات العامة.

ان السودان اليوم لا يحتاج الي تسوية سياسية هشة جديدة، بل يحتاج الي مشروع تاريخي لاعادة تأسيس الدولة الوطنية علي اسس العدالة والمواطنة والديمقراطية والتنمية المتوازنة. كما يحتاج الي ارادة وطنية مستقلة تدرك ان مستقبل البلاد لا يمكن ان يبني عبر صفقات مؤقتة او ارتهان للخارج، وان السلام الحقيقي لا يتحقق الا بمعالجة جذور الازمة وتحقيق العدالة وصيانة كرامة الشعب السوداني وحقه في دولة مستقرة وعادلة وقادرة علي حماية مصالحه ومستقبله.



#حسن_بشير_محمد_نور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مؤتمر برلين والأرتقاء الي مستوى الأزمة السودانية
- صيغة مقترحة لوثيقة حول تأسيس جبهة وطنية عريضة
- الافراط الاستراتيجي في منظور الاقتصاد السياسي
- حول التدعبات السياسية والاقتصادية للحرب الأمريكية/ الاسراييل ...
- زيارة وفد البنك الدولى الي بورتسودان، الأهداف، النتائج المحت ...
- سلام على مكان يسمى السودان ( Please called Sudan )
- تراجيديا الفاشر في (عالم الفصام القيمي الخطير)
- اذا اردت ان تكون انسانا فكن (سيد عكاشة)
- الاستفادة من الدروس الروسية في التغلب علي العقوبات الغربية
- رؤية حول مشروع وطني للتغيير الجذري في السودان، مقاربة سياسية ...
- نحو أعادة اعمار الخرطوم كمدينة حديثة: رؤية سياسية واقتصادية ...
- الحرب في السودان: بعض تحديات الاستقرار والتعافي الاقتصادي وا ...
- الحرب في السودان: كيف تؤثر ازمة الحكم علي الانتقال السلمي ال ...
- الحرب في السودان: سياسات توطين الجوع وتوريث الفقر
- الحرب في السودان: مسار السلام في السودان التعقيدات والتحديات
- الحرب في السودان: تداعيات الافلات من العقاب من منظور سياسي/ا ...
- الحرب في السودان: وفرة الموارد واحتمالات التفكك والتشظيالحرب ...
- الحرب في السودان: تقلص مصادر الإيرادات والعبء الإضافي على ال ...
- الحرب في السودان: كيف لشعب (مهمل) ان يعبش في دولة فاشلة؟
- الحرب في السودان: تعزيز فرص الحل السياسي في ظل فشل المجتمع ا ...


المزيد.....




- From Ahura Mazda to Hormuz: What US Power Fails to See
- Lessons from the Saharan Deluge and the Early Signs of Green ...
- How Trump Is Burning America’s Invisible Capital
- Neither “Black” Nor “White”: Coming to Grips with Anti-Asian ...
- The U.S.-China Tech Race, Resource Wars, and the Cost of Mil ...
- كيف يمكن للعمال أن يصبحوا ثوريين
- جيل Z في ثورة: من دكا إلى كاتماندو
- عدد جديد من مجلة مراسلات أممية ( أبريل 2026)
- Could Trump’s Iran Fiasco Be America’s Suez Crisis?
- مرة أخرى، بصدد الصراع بين سلطة التعيين وسلطة الانتخاب


المزيد.....

- مَشْرُوع تَلْفَزِة يَسَارِيَة مُشْتَرَكَة / عبد الرحمان النوضة
- الحوكمة بين الفساد والاصلاح الاداري في الشركات الدولية رؤية ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- عندما لا تعمل السلطات على محاصرة الفساد الانتخابي تساهم في إ ... / محمد الحنفي
- الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية / مصطفى الدروبي
- جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني ... / محمد الخويلدي
- اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956 / خميس بن محمد عرفاوي
- من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963.......... / كريم الزكي
- مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة- / حسان خالد شاتيلا
- التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية / فلاح علي
- الانعطافة المفاجئة من “تحالف القوى الديمقراطية المدنية” الى ... / حسان عاكف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - حسن بشير محمد نور - الازمة السودانية بين التسويات الهشة وتضارب المصالح الاقليمية والدولية