|
|
عرض ونقد (الحلقة 1-2): -الحقيقة والأشكال القانونية-/بقلم ميشيل فوكو - ت: من الفرنسية أكد الجبوري
أكد الجبوري
الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 13:26
المحور:
الادب والفن
عرض ونقد (الحلقة 1-2): "الحقيقة والأشكال القانونية"/بقلم ميشيل فوكو - ت: من الفرنسية أكد الجبوري اختيار واعداد ونقد شعوب الجبوري - ت: من الفرنسية أكد الجبوري
- الحلقة الأولى - عرض الكتاب أو (المحاضرة). - الحلقة الثانية - مراجعة ونقد الكتاب أو (المحاضرة).
ميشيل فوكو (1926-1984)() فيلسوفاً ومؤرخاً فرنسياً، ويُعد واحداً من أكثر العلماء تأثيراً وإثارةً للجدل في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية. - الموضوع: محاضرة: "الحقيقة والأشكال القانونية/القضائية"(). المجلد الثاني - دار غاليمار 1994.() =====
- الحلقة الأولى - عرض الكتاب أو (المحاضرة).
النص: " في المحاضرة السابقة، أشرتُ إلى شكلين أو نمطين من أنماط الفصل القضائي -سواء أكان ذلك تقاضياً أم خصومة أم نزاعاً- كانا موجودين في الحضارة اليونانية: - الشكل الأول؛ وهو نمط قديم للغاية، نجده في كتابات هوميروس. حيث كان محاربان يتواجهان لتحديد من المخطئ ومن المحق، أو من انتهك حقوق الآخر. وكانت مهمة حسم الأمر تتمثل في نزاعٍ مُحكَم أو تحدٍّ بين المحاربين؛ إذ يوجه أحدهما تحدياً للآخر قائلاً: "هل أنت قادر على أداء القسم أمام الآلهة بأنك لم ترتكب الفعل الذي اتهمتك به؟". وفي إجراء كهذا، لا وجود لقاضٍ ولا لحكم قضائي ولا لتحقيق ولا لشهادة تكشف من الصادق؛ بل كان الفصل في الأمر -لا لتحديد المخطئ، بل لتحديد المحق- متروكاً للقتال أو للتحدي أو للمخاطر التي يتحملها كل خصم.
- الشكل الثاني؛ هو ذلك الذي تتكشف خيوطه في مسرحية "أوديب ملكاً". فمن أجل حل مشكلة -تُعدّ أيضاً، بطريقة ما، مشكلة تقاضٍ جنائي: من قتل الملك لايوس؟- تظهر شخصية جديدة تشبه تلك الموجودة في الإجراء الهوميري القديم: شخصية الراعي. فمن داخل كوخه المتواضع، ورغم كونه رجلاً ضئيل الشأن -بل عبداً-، كان الراعي شاهداً على الحدث؛ وبفضل استخدامه لهذا الجزء اليسير من الذاكرة، وبفضل حمله في حديثه لرواية ما رآه، استطاع أن يتحدى كبرياء الملك أو غطرسة الطاغية ويهزمهما. إن الشاهد -ذلك الشاهد المتواضع- يستطيع بمفرده، وعبر "لعبة الحقيقة" التي عاينها ويعلن عنها، أن يقهر أقوى الأقوياء. وتُعد مسرحية "أوديب ملكاً" بمثابة ملخص لتاريخ القانون اليوناني؛ إذ تمثل العديد من مسرحيات سوفوكليس -مثل "أنتيجون" و"إلكترا"- نوعاً من التجسيد المسرحي (أو الطقسي) لتاريخ القانون. يقدم لنا هذا العرض الدرامي لتاريخ القانون اليوناني ملخصاً لأحد أعظم إنجازات الديمقراطية الأثينية: تاريخ العملية التي استولى من خلالها الشعب على سلطة إصدار الأحكام، مُخضِعاً الحقيقة للمساءلة، ومواجهاً بها أصحاب السلطة العليا، ومحاكِماً أولئك الذين كانوا يحكمونه.
لقد تمثّل الإنجاز العظيم للديمقراطية اليونانية -أي ذلك المبدأ القائم على الشهادة ومواجهة السلطة بالحقيقة- في عملية طويلة تبلورت وتأسست نهائياً في أثينا خلال القرن الخامس. وقد أفسح هذا المبدأ -القائم على وضع حقيقة مجردة من السلطة في مواجهة سلطة مجردة من الحقيقة- المجال لظهور سلسلة من الأشكال الثقافية المميزة للمجتمع اليوناني:
- أولاً، جرى بلورة ما يمكن تسميته بالأشكال العقلانية للإثبات والبرهنة: كيف نُنتج الحقيقة؟ وما هي الشروط والأشكال والقواعد الواجب اتباعها؟ وتشمل هذه الأشكال الفلسفة، والأنظمة العقلانية، والأنظمة العلمية. - ثانياً (وفي ظل الحفاظ على رابط مع الأشكال السابقة)، تطور فن الإقناع -أي إقناع الشعب بصحة ما يُقال- وتحقيق الانتصار للحقيقة، أو بالأحرى الانتصار *بواسطة* الحقيقة. وهنا نواجه إشكالية البلاغة (الريتوريكا) اليونانية. - ثالثاً، حدث تطور لنوع جديد من المعرفة: المعرفة القائمة على الشهادة، والذاكرة، والتقصي. إنها معرفة استقصائية عمل على تطويرها مؤرخون مثل هيرودوت (الذي سبق سوفوكليس بقليل)، وعلماء الطبيعة والنبات والجغرافيا والرحالة اليونانيون، وهي المعرفة التي قام أرسطو بجمعها وتوسيع نطاقها لتصل إلى أبعاد موسوعية.
وهكذا، شهدت اليونان ثورة كبرى من نوع خاص، تخللتها سلسلة من الصراعات والمعارك السياسية. وأسفرت هذه الثورة عن بلورة شكل محدد للكشف القضائي، أو الكشف عن الحقيقة. وقد شكّل هذا الأمر القالب أو النموذج الذي أتاح لسلسلة من أنواع المعرفة الأخرى -الفلسفية والبلاغية والتجريبية- أن تتطور وتطبع الفكر اليوناني بطابعها المميز.
ومن المثير للفضول أن قصة نشأة "التقصي" هذه قد طواها النسيان وضاعت معالمها؛ ومع ذلك، فقد أُعيد سرد هذه القصة بصيغة مختلفة بعد عدة قرون، وتحديداً في العصور الوسطى. نشهد خلال العصور الوسطى الأوروبية ميلاداً ثانياً لعملية البحث والاستقصاء؛ وهي عملية اتسمت بالبطء والغموض، لكنها حققت نجاحاً يفوق بكثير ما حققته المحاولة الأولى. لقد ظل المنهج اليوناني في البحث جامداً، إذ لم ينجح في إرساء دعائم معرفة عقلانية قادرة على التطور بلا حدود؛ في حين أن حركة البحث التي نشأت في العصور الوسطى قد اكتسبت أبعاداً هائلة، لدرجة أن مسارها ارتبط ارتباطاً وثيقاً -من الناحية العملية- بتلك الثقافة التي نطلق عليها اسم الثقافة "الأوروبية" أو "الغربية”.
كان القانون القديم الذي ينظم النزاعات القضائية بين الأفراد في المجتمعات الجرمانية (في الحقبة التي تواصلت فيها هذه المجتمعات مع الإمبراطورية الرومانية) شبيهاً جداً -من حيث المبدأ وبعض الأشكال- بالقانون اليوناني القديم. لقد كان نظاماً قانونياً يغيب عنه مفهوم "التحقيق"؛ إذ كانت النزاعات بين الأفراد تُحسم عبر آليات التحدي والمحاكمات القائمة على الاختبارات القاسية (المحنة/التعذيب أو "التحقيق").
ويمكن تلخيص سمات القانون الجرماني القديم -في الفترة التي بدأ فيها المؤرخ "تاسيتوس" تحليل هذه الحضارة الفريدة التي امتدت حتى حدود الإمبراطورية- على النحو التالي: - أولاً: غياب "الدعوى العامة"؛ أي عدم وجود جهة (تمثل المجتمع أو الجماعة أو السلطة أو صاحب النفوذ) تتولى توجيه الاتهامات للأفراد. ولكي تُعقد محاكمة جنائية، كان لا بد من وقوع ضرر؛ إذ كان يتوجب على شخص ما -على الأقل- أن يدعي تعرضه للظلم أو الأذى. وكان على هذا "الضحية" المزعوم تحديد هوية الجاني، وقد يكون الضحية هو الشخص المتضرر مباشرة أو فرداً من عائلته (مما يجعله يتولى دور ولي الأمر أو القريب). لقد كانت القضية الجنائية تتخذ دائماً طابع "المبارزة"، سواء كانت مواجهة بين أفراد أو عائلات أو جماعات.
لم يكن هناك أي تدخل من ممثل للسلطة؛ فقد كانت المسألة تقتصر على مطالبة يرفعها فرد ضد آخر، ولا تشمل سوى طرفين: المدعي والمدعى عليه. ولا نعرف سوى حالتين استثنائيتين شهدتا نوعاً من "الدعوى العامة": الخيانة العظمى والمثلية الجنسية؛ حيث كان المجتمع يتدخل معتبراً نفسه طرفاً متضرراً، ويطالب الفردَ -بشكل جماعي- بالتعويض. وعليه: - الشرط الأول: لرفع دعوى جنائية في القانون الجرماني القديم هو وجود طرفين (الخصمين)، وليس وجود طرف ثالث وسيط. - الشرط الثاني: بمجرد رفع الدعوى الجنائية -أي حين يدعي فرد تعرضه للأذى ويطالب آخر بالتعويض- كان لا بد من إجراء "تسوية قضائية" تُعد استمراراً للصراع القائم بين الأفراد.
حينها قد تنشأ "حرب خاصة" بين الأفراد، وتأتي الإجراءات الجنائية لتضفي طابعاً طقسياً ومنظماً على هذا الصراع الفردي.
لم يكن القانون الجرماني يضع تعارضاً بين الحرب والعدالة، كما أنه لم يضع تعريفاً محدداً للعدالة أو السلام. على العكس من ذلك، كان يُنظر إلى القانون باعتباره شأناً فريداً ومحدداً، حيث نُظِّم ليدير الحرب بين الأفراد ويُنتج أفعالاً انتقامية.
وهكذا، كان القانون بمثابة أسلوب مقنَّن لخوض الحرب. فعلى سبيل المثال، عند وفاة شخص ما، قد يُقدم أحد أقاربه على ممارسة طقس الانتقام القضائي، وهو ما يعني التعهد بقتل الشخص الذي يُعتبر -من حيث المبدأ- هو القاتل. إن الدخول في نطاق القانون يعني قتل القاتل، ولكن وفقاً لقواعد وأشكال محددة.
فإذا كان القاتل قد ارتكب الجريمة بطريقة معينة، فقد يكون من الضروري قتله عبر تقطيع جسده إرباً أو قطع رأسه ووضعه على منصة عند مدخل منزله.
كانت هذه الأفعال تضفي طابعاً طقسياً على فعل الانتقام وتصنّفه بوصفه "انتقاماً قضائياً"؛ وعليه، كان القانون بمثابة طقسٍ للحرب.
- الشرط الثالث: إذا كان صحيحاً أنه لا يوجد تعارض بين القانون والحرب، فمن الصحيح أيضاً إمكانية التوصل إلى اتفاق، وهو ما يعني وقف هذه الأعمال العدائية المقنَّنة. إذ يتيح القانون الجرماني القديم دائماً إمكانية التوصل إلى اتفاق أو تسوية خلال سلسلة الانتقام الطقسي المتبادل هذه. ففي هذا الإجراء الجرماني، يشتري أحد الخصمين حقه في السلام والنجاة من الانتقام المحتمل لخصمه؛ إنه يشتري حياته هو، لا الدم الذي أراقه، واضعاً بذلك حداً للحرب. ويُعد وقف الحرب الطقسية الفصل الثالث والأخير من الدراما القضائية في القانون الجرماني القديم.
وهكذا، فإن النظام الذي ينظم النزاعات والخصومات في المجتمعات الجرمانية في تلك الحقبة يخضع كلياً للقتال والتسويات؛ فهو اختبار للقوة يمكن إنهاؤه عبر صفقة اقتصادية. إنه إجراء لا يسمح بتدخل طرف ثالث يقف بين الخصمين كعنصر محايد يبحث عن الحقيقة ويحاول معرفة أيهما قد صدق في قوله. هكذا كانت طبيعة القانون الجرماني القديم قبل غزو الإمبراطورية الرومانية.
لن أستغرق وقتاً طويلاً في سرد سلسلة الأحداث الطويلة التي دفعت القانون الجرماني للدخول في حالة من التنافس والمزاحمة -وأحياناً التواطؤ- مع القانون الروماني السائد في الأراضي التي كانت خاضعة لسيطرة الإمبراطورية الرومانية. ففي الفترة الممتدة بين القرنين الخامس والعاشر الميلاديين، شهدت العلاقة بين هذين النظامين القانونيين سلسلة من عمليات التغلغل والصراعات المتبادلة. ومع انهيار الإمبراطورية الرومانية، كان القانون الروماني -أي قانون الدولة القديم- يُبعث من جديد كلما نشأت دولة أو تشكّل كيان ذو طابع دولتي. وفي عهد الميروفنجيين، ولا سيما خلال حقبة الإمبراطورية الكارولنجية، تفوّق القانون الروماني على القانون الجرماني بطريقة ما.
وعلاوة على ذلك، كان القانون الجرماني يعاود الظهور كلما تلاشت تلك البوادر الأولية أو الآثار المتبقية لمفهوم الدولة. فعندما تفككت الإمبراطورية الكارولنجية في القرن العاشر، ساد القانون الجرماني وتوارى القانون الروماني في طيات النسيان لعدة قرون، قبل أن يبدأ في الظهور مجدداً وببطء في أواخر القرن الثاني عشر وخلال القرن الثالث عشر. وهكذا، كان القانون الإقطاعي شبيهاً -في جوهره- بالقانون الجرماني؛ إذ لم يتضمن الأول أي عناصر تتعلق بإجراءات التحقيق أو تقصي الحقيقة على النحو المعهود في المجتمعات اليونانية أو الإمبراطورية الرومانية.
ففي ظل القانون الإقطاعي، كانت النزاعات بين الأفراد تُحسم وفق نظام "اختبار المحنة" أو عبء الإثبات. فعندما يتقدم فرد بصفته مدعياً لطرح مطالبة أو نزاع، متهماً شخصاً آخر بالقتل أو السرقة، كان النزاع يُحسم من خلال سلسلة من المهام أو الاختبارات التي يقبلها الطرفان ويخضعان لها معاً. ولم يكن هذا النظام وسيلة لإثبات الحقيقة، بل كان وسيلة لإثبات قوة المدعي أو مكانته أو ثقله الاجتماعي.
- أولاً، كانت هناك "اختبارات اجتماعية"، وهي اختبارات تقيس المكانة الاجتماعية للفرد. ففي قانون بورغونيا القديم الذي يعود للقرن الحادي عشر، كان بإمكان المتهم بجريمة قتل أن يثبت براءته تماماً بمجرد حشد اثني عشر شاهداً لصالحه؛ حيث كان هؤلاء الشهود يقسمون بأنه لم يرتكب جريمة القتل. ولم تكن شهادتهم تستند إلى رؤيتهم للضحية المزعومة شخصياً، ولا إلى تقديم دليل يثبت وجود المتهم في مكان آخر وقت وقوع الجريمة (أي حجة الغياب أو "تقديم عذر أو دفاع"(لتبرئتها)). لكي يدلي المرء بشهادة تفيد بأن شخصاً ما لم يقتل أحداً، كان لا بد أن يكون قريباً للمتهم؛ إذ تطلّب الأمر وجود رابطة قرابة اجتماعية مع ذلك الشخص، وهي رابطة لم تكن تضمن براءته بقدر ما كانت تؤكد مكانته الاجتماعية. لقد كشفت هذه الشهادة عن حجم الدعم الذي كان بوسع أي فرد حشده ــ أي ثقله ونفوذه وأهمية الجماعة التي ينتمي إليها ــ وعن الأشخاص المستعدين لمساندته في معركة أو نزاع ما. أما إثبات البراءة ــ أي التأكيد على أنه لم يرتكب الفعل المنسوب إليه ــ فلم يكن هو جوهر الشهادة أو محورها.
- ثانياً، كانت هناك أنواع من "الاختبارات اللفظية"؛ فعندما كان يُتَّهم فردٌ ما بجرمٍ معين (كالسرقة أو القتل)، كان يتوجب عليه الرد على تلك التهمة عبر التلفظ بصيغ محددة تؤكد عدم ارتكابه للجريمة. وكان بإمكانه النجاح أو الفشل في أداء هذه الصيغ. ففي حالات معينة، كان المتهم ينطق بالصيغة المطلوبة ولكنه يخسر القضية؛ ولم تكن هذه الخسارة ناجمة عن قوله شيئاً باطلاً أو ثبوت كذبه، بل لأن الصيغة لم تُنطق بالشكل المفترض لها. إذ كان أي خطأ نحوي أو تغيير في الكلمات يبطل مفعول الصيغة، بغض النظر عن الحقيقة المراد إثباتها. وتتجلى حقيقة أن الأمر لم يكن يتعدى كونه "لعبة لفظية" في سياق هذه الاختبارات من خلال حالات القاصرين والنساء والكهنة؛ إذ كان بالإمكان استبدال المتهم بشخص آخر. وهذا الشخص الآخر ــ الذي عُرف لاحقاً في تاريخ القانون باسم "المحامي" ــ هو من كان يتولى نطق الصيغ نيابة عن المتهم. فإذا ارتكب هذا الشخص خطأً في النطق، خسر الشخص الذي يمثله القضية.
- ثالثاً، كانت هناك طقوس اختبار قديمة ذات طابع سحري-ديني تتعلق بأداء اليمين؛ إذ كان يُطلب من المتهم أن يقسم، فإذا لم يجرؤ على ذلك أو تردد، خسر القضية. وأخيراً، كانت هناك الاختبارات الجسدية الشهيرة -التي تُعرف بـ "المحاكمات الإلهية"- والتي كانت تقوم على إخضاع الشخص لنوع من المنافسة أو الصراع الجسدي، وذلك لمراقبة ما إذا كان سينجح أم سيفشل. فعلى سبيل المثال، في عهد الإمبراطورية الكارولنجية، كان هناك اختبار شائع يُفرض على المتهم بالقتل في مناطق معينة من شمال فرنسا؛ حيث كان يتعين على المتهم المشي على الجمر، فإذا بقيت آثار حروق أو ندوب عليه بعد يومين، كان يخسر القضية. وكانت هناك اختبارات أخرى، مثل "محاكمة الماء"، التي كانت تتمثل في ربط اليد اليمنى للشخص بقدمه اليسرى قبل إلقائه في الماء؛ فإذا لم يغرق، كان يخسر المحاكمة لأن الماء نفسه لم يقبله، أما إذا غرق، فكان يكسب المحاكمة لأن الماء لم يرفضه. إن كل هذه المواجهات بين الفرد -أو جسده- وبين العناصر الطبيعية تمثل إسقاطاً رمزياً للصراع الفعلي بين الأفراد، وهي دلالات تستحق الدراسة؛ فالأمر يتعلق دائماً بمعركة وتحديد من هو الأقوى. ففي القانون الجرماني القديم، كانت المحاكمة ببساطة استمراراً للحرب، ولكن في إطار منظم وطقسي.
كان بإمكاني تقديم أمثلة أكثر إقناعاً، مثل النزالات بين الخصوم أثناء المحاكمة، أو المعارك الجسدية، أو "أحكام الله" الشهيرة؛ فعندما كان يتواجه فردان بشأن ملكية ممتلكات أو جريمة قتل، كان بإمكانهما دائماً -إذا اتفقا على ذلك- اللجوء إلى القتال.
- السمة الأولى: كان عليهما الالتزام بقواعد محددة مسبقاً -مثل مدة القتال وأنواع الأسلحة- أمام جمهور لا تقتصر مهمته إلا على ضمان شرعية ما يجري. وكان الفائز في النزال يكسب المحاكمة، دون أن تُتاح له فرصة قول الحقيقة، أو بالأحرى، دون أن يُطلب منه إثبات صحة ادعائه. في نظام "المحنة القضائية" الإقطاعي، لم يكن الأمر يتعلق بالبحث عن الحقيقة، بل كان بمثابة لعبة أو اختبار ذي بنية ثنائية. فإما أن يقبل الفرد خوض المحنة أو يتنازل عنها؛ فإذا تنازل ورفض خوضها، فإنه يخسر الدعوى مسبقاً. أما إذا خاضها، فإنه إما ينجح أو يفشل، ولا توجد احتمالات أخرى؛ وهذه الصيغة الثنائية هي السمة الأولى للحقيقة في هذا السياق.
- السمة الثانية: هي أن المحنة تنتهي بالنصر أو الهزيمة. فهناك دائماً طرف فائز وآخر خاسر، أو طرف أقوى وآخر أضعف، أو نهاية إيجابية وأخرى سلبية. ولا يظهر في هذا النظام أي شيء يشبه "الحكم القضائي"- بالمعنى المتعارف عليه- الذي بدأ بالظهور في أواخر القرن الثاني عشر ومطلع القرن الثالث عشر. فالحكم القضائي يقوم على إعلان صادر عن طرف ثالث بأن شخصاً معيناً -لكونه قال الحقيقة- هو المحق، وأن شخصاً آخر -لكونه كذب- هو المخطئ. وعليه، فإن مفهوم "إصدار الحكم" غير موجود في القانون الإقطاعي؛ إذ لا دور للتمييز بين الأفراد من حيث الصواب والخطأ، بل الأمر يقتصر ببساطة على النصر أو الهزيمة.
- السمة الثالثة: هي أن المحنة تسير بشكل تلقائي؛ فلا حاجة لطرف ثالث لمراقبة الخصمين. إن موازين القوى، والحظ، والنشاط، والقدرة على التحمل البدني، والبراعة الذهنية هي التي تحسم الأمر بين الأفراد، وذلك وفق آلية تتطور وتعمل تلقائياً. ولا تتدخل السلطة إلا بصفتها شاهداً على قانونية الإجراءات. ومع تطور المحن القضائية، أصبح هناك شخص يحمل لقب “القاضي" - سواء كان الحاكم السياسي أو شخصاً تم اختياره بالتراضي بين الخصمين- وذلك لمجرد التأكد من أن النزال يجري وفقاً للقواعد؛ فالقاضي لا يقدم شهادة بشأن الحقيقة، بل يقتصر دوره على الشهادة بشأن قانونية الإجراءات.
- السمة الرابعة: هي أن "الاختبار" -ضمن هذه الآلية- لا يُسمّي أو يُحدِّد هوية من قال الحقيقة؛ بل يُثبِت أن الطرف الأقوى هو، في الوقت ذاته، الطرف المُحِق. ففي الحرب أو في أي اختبار غير قضائي، يكون أحد الطرفين هو الأقوى دائمًا، لكن ذلك لا يبرهن على أنه المُحِق. أما الاختبار القضائي فهو وسيلة لإضفاء طابع طقسي على الحرب أو لنقلها إلى مستوى رمزي؛ إنه وسيلة لمنحها أشكالاً مسرحية مشتقة، بحيث يُشار إلى الطرف الأقوى -بموجب ذلك- باعتباره الطرف المُحِق. يُفعِّل الاختبارُ القانونَ، محققاً تحولاً من القوة إلى القانون -أي نوع من "أدوات التحويل" التي تتيح الانتقال من القوة إلى القانون. لا يؤدي الاختبار وظيفة "إظهارية"؛ إذ لا تكمن وظيفته في تبيان الحقيقة أو منازعتها أو الكشف عنها. إنه أداة إجرائية للقانون، وليس أداة للحقيقة ولا أداة إظهارية. وتلك هي طبيعة الاختبار في القانون الإقطاعي القديم.
يختفي هذا النظام من الممارسة القضائية في أواخر القرن الثاني عشر وخلال القرن الثالث عشر. وطوال النصف الثاني من العصور الوسطى، نشهد تحوّل هذه الممارسات القديمة وابتكار أشكال جديدة للعدالة، وأشكال جديدة للممارسة والإجراءات القضائية؛ وهي أشكال بالغة الأهمية لتاريخ أوروبا وتاريخ العالم بأسره، بالنظر إلى أن أوروبا فرضت هيمنتها بقوة وعنف في جميع أنحاء العالم. إن ما تم ابتكاره خلال عملية إعادة صياغة القانون هذه لا يتعلق بالمضمون بقدر ما يتعلق بأشكال المعرفة وشروط إمكانية حدوثها، أي بنمط محدد من أنماط المعرفة. لقد استُحدث في مجال القانون آنذاك نمطٌ محدد للمعرفة -أو شرطٌ لإمكانية المعرفة- كان مقدراً له أن يحتل مكانةً بارزة ومهيمنة في العالم الغربي. ويتمثل هذا النمط المعرفي في "الاستقصاء" (أو التحقيق)، الذي ظهر لأول مرة في اليونان وظل متوارياً لقرون عديدة بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية. غير أن الاستقصاء الذي عاد للظهور خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر يختلف نوعياً عن النموذج الذي نجده في مسرحية "أوديب ملكاً".
لقد عرضتُ عليكم بعض السمات الجوهرية للشكل القضائي القديم. فلماذا اختفى هذا الشكل القضائي القديم (…) في تلك الحقبة؟ يمكن القول، بعبارات عامة وموجزة، إن إحدى السمات الأساسية للمجتمع الإقطاعي في أوروبا الغربية تكمن في أن حركة تداول السلع لم تكن تعتمد بشكل رئيسي على التجارة؛ بل كانت هذه الحركة تتم عبر آليات الميراث أو الانتقال بموجب وصية، وبشكل خاص، عبر النزاعات -سواء كانت عسكرية أو حربية أو خارجة عن نطاق القضاء أو قضائية. لقد كانت الحرب -بما تشمله من أعمال سلب واحتلال للأراضي أو القلاع أو المدن- إحدى أهم وسائل ضمان تداول السلع في أوائل العصور الوسطى. نحن هنا بصدد منطقة فاصلة ومتحولة بين القانون والحرب، حيث يُنظر إلى القانون باعتباره وسيلة لمواصلة الحرب بطريقة أخرى. فعلى سبيل المثال، قد يستخدم شخص ما القوة المسلحة للاستيلاء على أرض أو غابة أو أي نوع من الممتلكات، ثم يسعى في الوقت ذاته لفرض الاعتراف بحقوقه؛ فيبدأ نزاعاً طويلاً ينتهي بأن الطرف الذي لا يملك قوة مسلحة -والراغب في استعادة أرضه- لا يتمكن من إجبار الغازي على الرحيل إلا من خلال دفع مقابل مادي. تقع هذه الاتفاقية في المنطقة الفاصلة بين القضاء والحرب، كما أنها تُعدّ إحدى أكثر الطرق شيوعاً لمراكمة الثروة. وفي معظم الحالات، كانت عمليات تكوين الثروة، وتداول السلع وتبادلها، وحالات الإفلاس في مطلع العصر الإقطاعي، تجري وفقاً لهذه الآلية.
ومن المثير للاهتمام، بالمناسبة، إجراء مقارنة بين المجتمع الإقطاعي في أوروبا وتلك المجتمعات التي توصف بـ "البدائية" والتي يدرسها علماء الإثنولوجيا حالياً؛ ففي هذه الأخيرة، يتم تبادل السلع عبر النزاع والمنافسة، لا سيما في سياق السعي وراء المكانة والوجاهة، وعبر مظاهر ورموز دالة على ذلك. وفي المجتمع الإقطاعي أيضاً، يتم تداول السلع في إطار من المنافسة والنزاع؛ غير أن هذه المنافسة والنزاع يرتبطان بالمكانة والوجاهة، وإن كانا يتسمان بطابع حربي. ففي المجتمعات التي توصف بـ "البدائية"، يجري تبادل الثروات ضمن ممارسات تنافسية، لأنها لا تُمثّل سلعاً فحسب، بل رموزاً أيضاً. أما في المجتمعات الإقطاعية، فلا يقتصر تبادل الثروات على كونها سلعاً ورموزاً، بل يتجاوز ذلك لتكون سلعاً ورموزاً وأسلحة في آن واحد؛ إذ تُعد الثروة وسيلة لممارسة العنف، فضلاً عن كونها أداة للتحكم في حياة الآخرين أو مماتهم. وهكذا، فإن الحرب والتقاضي القضائي وتداول السلع -على امتداد العصور الوسطى- تشكل جميعها أجزاءً من عملية كبرى وفريدة ومتقلبة.
ثمة، إذن، نزعة مزدوجة تميز المجتمع الإقطاعي. فمن ناحية، نجد تركزاً للسلاح في أيدي الأقوى، الذين يميلون إلى منع الأقل قوة من استخدامه؛ إذ إن إخضاع الخصم يعني تجريده من سلاحه، مما يؤدي إلى تركز القوة المسلحة، وهو ما منح - في الدول الإقطاعية - مزيداً من القوة للأقوياء، وفي نهاية المطاف، لأقواهم جميعاً: الملك. ومن ناحية أخرى، وفي الوقت ذاته، كانت الإجراءات القضائية والتقاضي تشكل وسيلة لتحريك وتداول الممتلكات. ومن هنا يتضح سبب سعي الأقوياء للسيطرة على النزاعات القضائية، للحيلولة دون تطورها بشكل عفوي بين الأفراد؛ ولهذا السبب أيضاً حاولوا الاستحواذ على مسار تداول الممتلكات عبر القضاء والتقاضي. وقد استلزم ذلك تركز السلاح والسلطة القضائية، وهي سلطة كانت تتشكل آنذاك في أيدي هؤلاء الأفراد.
قد تبدو فكرة وجود سلطات تنفيذية وتشريعية وقضائية فكرة قديمة في القانون الدستوري، إلا أنها في الواقع فكرة حديثة العهد تعود إلى عصر مونتسكيو. غير أن ما يهمنا هنا هو تبيّن كيفية تشكّل ما يُعرف بالسلطة القضائية؛ ففي أوائل العصور الوسطى، لم تكن هناك سلطة قضائية، بل كانت تسوية النزاعات تتم بين الأفراد أنفسهم. وكان يُطلب من الشخص الأكثر نفوذاً (أو من يمارس السيادة) ليس إقامة العدل، بل مراقبة مشروعية الإجراءات - وذلك استناداً إلى صلاحياته السياسية والسحرية والقضائية. لم تكن هناك سلطة قضائية مستقلة، ولم تكن السلطة القضائية حتى في يد من يمسك بزمام الحكم عبر السلاح أو القوة السياسية. ونظراً لأن الحق في إصدار الأوامر والسيطرة على النزاع القضائي كان يضمن تداول الممتلكات - ويُعد وسيلة لتراكم الثروة - فقد استأثر به الأثرياء والأقوياء.
إن تراكم الثروة والقوة العسكرية، وتشكل السلطة القضائية في أيدي قلة من الناس، هي عمليات كانت سائدة في أوائل العصور الوسطى، وبلغت ذروتها إبان تشكّل أولى الممالك الكبرى في العصور الوسطى، وذلك في منتصف القرن الثاني عشر أو نهايته. في تلك الحقبة، تظهر أمور جديدة كلياً مقارنةً بالمجتمع الإقطاعي، والإمبراطورية الكارولنجية، والقواعد القديمة أو القانون الروماني؛
1. إنها عدالة لم تعد مجرد نزاع بين أفراد وقبول طوعي منهم لمجموعة محددة من قواعد التسوية، بل أصبحت -على العكس من ذلك- تُفرض من "أعلى" على الأفراد وعلى الخصوم أثناء النزاعات. ومن ثم، لم يعد للأفراد الحق -سواء بالطرق النظامية أو غير النظامية- في تسوية نزاعاتهم بأنفسهم؛ بل بات عليهم الخضوع لسلطة خارجية تفرض نفسها بصفتها سلطة قضائية وسلطة سياسية في آن واحد.
2. تظهر شخصية جديدة تماماً، لا سابقة لها في القانون الروماني: "المدعي العام" (أو ممثل الحق العام). هذه الشخصية المثيرة للاهتمام، التي ظهرت في أوروبا قرابة القرن الثاني عشر، تبرز بصفتها ممثلةً للسيّد (الحاكم أو الملك). فعند وقوع جريمة أو مخالفة أو نشوب نزاع بين فردين، يتقدم المدعي العام ممثلاً لسلطةٍ لحقها الضرر لمجرد وقوع تلك المخالفة أو الجريمة. يتحدث المدعي العام نيابة عن الضحية، مؤازراً الطرف الملزم بتقديم الشكوى، قائلاً: "إذا كان صحيحاً أن هذا الرجل قد أساء إلى آخر، فإنني -بصفتي ممثلاً للسيّد- أؤكد أن السيّد، وسلطته، والنظام الذي يفرضه، والقانون الذي وضعه، قد نالهم جميعاً الضرر نفسه بفعله هذا؛ ولذا، فإنني أقف أنا أيضاً في مواجهته". وبهذه الطريقة، تعزز السلطة السياسية والسيّدُ موقفَ الضحية، بل وتحلان محلها تدريجياً. وتتيح هذه الظاهرة -الجديدة كلياً- للسلطة السياسية إحكام قبضتها على الإجراءات القضائية؛ إذ يظهر المدعي العام، والحال هذه، ممثلاً للسيّد الذي لحقه الضرر جراء ذلك الفعل الجرمي.
3. يظهر مفهوم جديد تماماً: "المخالفة". فبينما كانت الدراما القضائية تدور سابقاً بين فردين - الضحية والمتهم - كان الأمر يتعلق بضرر ألحقه فرد بآخر، وبمسألة تحديد من هو صاحب الحق في ظل وقوع هذا الضرر. ولكن، بمجرد أن يعلن الحاكم (أو ممثله، أي المدعي العام) عبارة: "لقد لحق بي أنا أيضاً ضرر جراء هذه الجريمة"، فإن ذلك يعني أن الفعل الضار لم يعد مجرد إساءة من فرد لآخر، بل أصبح إساءة يرتكبها فرد ضد الدولة (الحاكم بصفته ممثلاً للدولة)، أو اعتداءً لا يستهدف الفرد بل قانون الدولة ذاته. وهكذا، يحل مفهوم "المخالفة" محل مفهوم "الجريمة" أو المفهوم القديم لـ "الضرر". فالمخالفة ليست ضرراً يلحقه فرد بآخر، بل هي إساءة أو تعدٍ من فرد على النظام، أو الدولة، أو المجتمع، أو السيادة، أو الحاكم. وتُعد "المخالفة" واحدة من أعظم ابتكارات الفكر في العصور الوسطى. ونرى هنا كيف تستحوذ السلطة التي تسيطر عليها الدولة على الإجراءات القضائية برمتها، وعلى الآلية الكاملة التي كانت تُحسم بها النزاعات بين الأفراد في أوائل العصور الوسطى.
4. ثمة اكتشاف أو ابتكار أخير، لا يقل دهاءً وخطورة عن ابتكارَي "المدعي العام" و"المخالفة"، ألا وهو: الدولة، أو بالأحرى الحاكم (إذ لا يمكن الحديث عن "الدولة" بمفهومها الحديث في تلك الحقبة). فالحاكم ليس الطرف المتضرر فحسب، بل هو أيضاً من يطالب بالتعويض. عندما يخسر الفرد دعوى قضائية، يُعلن أنه مذنب ويظل ملزماً بدفع تعويض لضحيته؛ غير أن هذا التعويض يختلف تماماً عما كان سائداً في القانون الإقطاعي القديم أو القانون الجرماني القديم. فلم يعد الأمر يتعلق بشراء السلم عبر دفع المال للخصم؛ إذ سيُجبر الطرف المذنب على تقديم تعويضات ليس للفرد المتضرر فحسب، بل للحاكم وللدولة وللقانون أيضاً. وهكذا، وإلى جانب آلية الغرامات، تظهر آلية ضخمة أخرى هي "المصادرة". وتُعد مصادرة الممتلكات إحدى الوسائل الرئيسية التي اعتمدتها الممالك الكبرى الناشئة حديثاً لزيادة ثرواتها وتوسيع نطاق ممتلكاتها. قامت الملكيات الغربية على مبدأ الاستحواذ على سلطة إقامة العدل، مما أتاح لها تطبيق آليات المصادرة هذه؛ وهذا هو السياق السياسي لهذا التحول.
بات من الضروري الآن توضيح كيفية تقرير العقوبة ومسار الإجراءات التي يكون فيها المدعي العام (أو ممثل الحق العام) طرفاً رئيسياً. فإذا كان الملك هو الضحية الأساسية للمخالفة، وإذا كان المدعي العام هو من يبادر بتقديم الشكوى، فإننا ندرك أن الفصل القضائي لم يعد ممكناً عبر آليات "المحنة" (أو الاختبار القضائي القديم)؛ إذ لا يمكن للملك أو ممثله -أي المدعي العام- أن يعرض حياته أو ممتلكاته للخطر في كل مرة تُرتكب فيها جريمة. فالمدعي العام والمتهم لا يقفان على قدم المساواة كما هو الحال في النزاع بين فردين؛ لذا كان لا بد من إيجاد آلية جديدة لتحديد الإدانة أو البراءة، آلية تختلف عن "المحنة" وعن المواجهة القتالية بين خصمين، إذ لا يمكن تطبيق النموذج القائم على الصراع الحربي.
إذن، أي نموذج سيتم اعتماده؟ تُعد هذه اللحظة إحدى المحطات الكبرى في تاريخ الغرب. لقد كان هناك نموذجان لحل هذه المعضلة: أولهما نموذج داخلي في صلب النظام القضائي. ففي القانون الإقطاعي والقانون الجرماني القديم، كانت هناك حالات تتيح للجماعة -بصفتها كلاً موحداً- التدخل وتوجيه الاتهام واستصدار حكم بالإدانة؛ وعُرف هذا بـ "الجرم المشهود" (أو الجريمة المرتكبة علناً)، حيث يُضبط الفرد في اللحظة الدقيقة لارتكاب الجريمة. وفي تلك اللحظة، كان لمن ضبطوه الحق في اقتياده إلى الحاكم -صاحب السلطة السياسية- والقول: "لقد رأيناه يرتكب فعلاً معيناً، وبالتالي يجب معاقبته أو إلزامه بجبر الضرر". وهكذا، وفي نطاق القانون ذاته، وُجد نموذج للتدخل الجماعي واتخاذ قرار سلطوي لحسم النزاع القضائي؛ وقد انطبق هذا النموذج على حالات الجرم المشهود، أي حين تُكتشف الجريمة أثناء وقوعها. ومن الواضح أن هذا النموذج لم يكن قابلاً للتطبيق في الحالات التي لا يُضبط فيها الفرد متلبساً بالجريمة، وهي الحالة الأكثر شيوعاً. ومن ثم، تمثلت المشكلة في معرفة الظروف التي تتيح تعميم نموذج "الإساءة المتعمدة" واستخدامه في هذا النظام القانوني الجديد الذي كان قيد النشأة، والخاضع كلياً لسيطرة صاحب السيادة السياسية وممثله.
تم تفضيل نموذج ثانٍ؛ وهو نموذج "خارج نطاق القضاء" ينقسم - في حد ذاته - إلى شقين، أو بالأحرى، كان له وجود أو تجلٍ مزدوج خلال تلك الحقبة. إنه نموذج للتحقيق كان قائماً إبان عهد الإمبراطورية الكارولنجية؛ فعندما كان يتعين على ممثلي الحاكم البت في مسألة قانونية أو تتعلق بالسلطة، أو مسألة تخص الضرائب أو الأعراف أو الثروة العقارية أو الملكية، كان يتم اللجوء إلى إجراء يتسم بطابع طقسي أو تنظيمي دقيق يُعرف بـ "التحقيق". كان ممثل السلطة يستدعي الأشخاص الذين يُعتقد أنهم على دراية بالأعراف أو القوانين أو سندات الملكية، ويجمعهم - بعد أن يُحلفهم اليمين لقول الحقيقة والإدلاء بما يعرفونه أو رأوه أو سمعوه - ليتركهم بعد ذلك يتداولون فيما بينهم؛ وفي ختام مداولاتهم، كان يُطلب منهم تقديم الحل للمسألة المطروحة.
لقد كانت هذه وسيلة للإدارة والتدبير دأب موظفو الإمبراطورية الكارولنجية على استخدامها بانتظام، واستمر العمل بها حتى بعد زوال تلك الإمبراطورية، إذ استخدمها "ويليام الفاتح" في إنجلترا. ففي عام 1066، احتل الغزاة النورمان إنجلترا واستولوا على ممتلكات الأنجلو-ساكسون، ودخلوا في نزاعات قانونية - سواء مع السكان الأصليين أو فيما بينهم - حول حيازة تلك الممتلكات. وسعياً منه لضبط الأوضاع ودمج السكان النورمان الجدد مع السكان الأنجلو-ساكسون القدامى، أمر "ويليام الفاتح" بإجراء مسح شامل (تحقيق واسع النطاق) حول أوضاع الملكية والضرائب وعوائد الأراضي وغيرها؛ ومن هنا نشأ "كتاب يوم الحساب" الشهير، الذي لا يزال يمثل النموذج الشامل الوحيد لممارسة إدارية قديمة تعود لعهد الأباطرة الكارولنجيين.
وتتسم إجراءات التحقيق الإداري هذه بخصائص هامة: 1. تُعد السلطة السياسية المكون الجوهري فيها؛ 2. تُمارس السلطة في المقام الأول من خلال طرح الأسئلة والاستجواب؛ فهي لا تملك الحقيقة مسبقاً، بل تسعى للكشف عنها؛ 3. تقع سلطة تحديد الحقيقة بين أيدي الوجهاء والأشخاص الذين يُفترض أنهم على دراية بالأمور بحكم مكانتهم أو سنهم أو ثروتهم أو شهرتهم، وما إلى ذلك. 4. على النقيض مما نراه في ختام مسرحية "أوديب ملكاً"، فإن الملك يستشير الوجهاء دون إجبارهم على قول الحقيقة باستخدام العنف أو الضغط أو التعذيب؛ إذ يُطلب منهم الاجتماع بحرية وتقديم رأي جماعي، ويُسمح لهم بالتعبير جماعياً عما يعتبرونه حقيقة.
وهكذا، نجد أنفسنا أمام وسيلة لترسيخ الحقيقة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالإدارة التنظيمية لأول شكل رئيسي من أشكال الدولة في الغرب. ومع ذلك، فقد نُسيت إجراءات الاستقصاء هذه في أوروبا خلال القرنين العاشر والحادي عشر -أي في أوائل العصور الوسطى- وكان من الممكن أن تُمحى تماماً من الذاكرة لولا أن الكنيسة استخدمتها في إدارة ممتلكاتها الخاصة. غير أن التحليل يزداد تعقيداً بعض الشيء؛ فإذا كانت الكنيسة قد أعادت استخدام أسلوب الاستقصاء الكارولنجي، فذلك لأنها كانت قد مارسته بالفعل قبل عهد الإمبراطورية الكارولنجية لأسباب روحية أكثر منها إدارية.
في الواقع، كانت هناك ممارسة للاستقصاء في كنيسة أوائل العصور الوسطى -أي في العهدين الميروفنجي والكارولنجي. كان هذا الأسلوب يُعرف باسم (الزيارة)، ويتمثل في زيارة كان يتعين على الأسقف القيام بها بموجب القواعد المرعية، حيث كان يزور مختلف أنحاء الأبرشية. وقد تبنت الرهبنات الكبرى هذا الأسلوب لاحقاً؛ فعند وصوله إلى مكان محدد، كان الأسقف يبدأ أولاً بما يُسمى (الاستقصاء العام)، وذلك عبر استجواب كبار السن والوجهاء ممن عُرفوا بالفضيلة والمعرفة الواسعة، إذ كان يُفترض بهم الإلمام بما حدث أثناء غيابه، ولا سيما في حال وقوع أخطاء أو جرائم أو غير ذلك. وإذا أفضى هذا الاستقصاء العام إلى نتيجة إيجابية (أي تأكيد وقوع الحدث)، كان الأسقف ينتقل إلى المرحلة الثانية المعروفة باسم (الاستقصاء الخاص)، والتي كانت تهدف إلى تحديد هوية الفاعل وطبيعة الفعل بدقة وصدق. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى عنصر ثالث: وهو أن اعتراف الطرف المذنب كان من شأنه أن يوقف عملية الاستقصاء في أي مرحلة من مراحلها، سواء كانت عامة أو خاصة. يمكن لمن ارتكب الجريمة أن يُعرِّف عن نفسه ويُعلن على الملأ: "نعم، لقد ارتُكبت جريمة؛ وتتمثل في كذا وكذا، وأنا الجاني".
استمر هذا الشكل الروحي -والديني في جوهره- للتحقيق الكنسي طوال العصور الوسطى، بعد أن اكتسب وظائف إدارية واقتصادية. وحين أصبحت الكنيسة الكيان الاقتصادي والسياسي المتماسك الوحيد في أوروبا خلال القرون العاشر والحادي عشر والثاني عشر، كان التحقيق الكنسي يجمع بين كونه تحقيقاً روحياً في الخطايا والأخطاء والجرائم المرتكبة، وتحقيقاً إدارياً في كيفية إدارة ممتلكات الكنيسة وجباية الأرباح وتجميعها وتوزيعها وما إلى ذلك. وقد استمر هذا النموذج من التحقيق -بشقيه الديني والإداري- حتى القرن الثاني عشر، حين بدأت الدولة الناشئة -أو بالأحرى بدأت صورة الحاكم بصفته مصدر السلطة في الظهور- في الاستحواذ على الإجراءات القضائية. لم يعد ممكناً لهذه الإجراءات القضائية أن تعمل وفق نظام "المحاكمة بالمحنة" (المحاكمة بالأختبار). فكيف إذن سيحدد المدعي العام للدولة ما إذا كان شخص ما مذنباً أم لا؟ لقد كان النموذج الروحي والإداري -أي الديني والسياسي- القائم على توجيه النفوس ومراقبتها والسيطرة عليها موجوداً في الكنيسة؛ إذ كان التحقيق يُنظر إليه باعتباره فحصاً للممتلكات والثروات، وكذلك للقلوب والأفعال والنوايا. وهذا هو النموذج الذي أُعيد استخدامه لاحقاً في الإجراءات القضائية؛ حيث كان المدعي العام للدولة يقوم بالدور نفسه الذي كان يؤديه المفتشون الكنسيون في رعاياهم وأبرشياتهم ومجتمعاتهم، محاولاً التأكد - عبر آلية (الأستقصاء) أو التحقيق- مما إذا كانت هناك جريمة قد وقعت، وماهية هذه الجريمة، ومن ارتكبها.
هذه هي الفرضية التي أود تطويرها؛ فالتحقيق كان ذا أصل مزدوج: أصل إداري ارتبط بنشوء الدولة خلال العصر الكارولنجي، وأصل ديني أو كنسي استمر طوال العصور الوسطى. وقد استخدم المدعي العام للدولة أو التاج -أي النظام القضائي الملكي الناشئ- إجراء التحقيق هذا لسد الفراغ الذي خلفه غياب "الجريمة المشهودة" (إساءة متعمدة / جريمة صارخة) التي ناقشتها سابقاً. تمثلت المشكلة في كيفية توسيع نطاق مفهوم "الجرم المشهود" ليشمل جرائم لم تكن تندرج ضمن الأحداث الراهنة أو الوقائع المباشرة؛ كما تمثلت في كيفية تمكّن المدعي العام للتاج من إحالة الطرف المذنب إلى إجراء قضائي يمارس السلطة دون أن يعرف هوية المذنب مسبقاً، نظراً لعدم وجود "جرم مشهود". وهنا، جاء التحقيق ليحل محل "الجرم المشهود". لو أمكن بالفعل جمع أشخاص قادرين -تحت القسم- على تأكيد أنهم رأوا الموقف وعرفوه وأدركوا تفاصيله؛ ولو أمكن إثبات وقوع حدثٍ ما من خلالهم، لكان لدينا -بشكل غير مباشر، وعبر عملية الاستقصاء التي تشمل هؤلاء العارفين- ما يعادل حالة "الجرم المشهود". وعلاوة على ذلك، لأصبح بالإمكان التعامل مع الإيماءات والأفعال والمخالفات والجرائم -التي لم تعد جزءاً من الأحداث الراهنة- وكأنها ضُبطت في حالة تلبس. إن إقحام إجراءات الاستقصاء هذه -التي تضفي على الأحداث طابعاً آنياً ومعاصراً وحساساً ومباشراً وواقعياً، وكأن المرء حاضرٌ في لحظة وقوعها الفعلية- يمثل اكتشافاً هاماً.
ويمكننا استخلاص بعض النتائج من هذا التحليل. 1. من الشائع مقابلة محاكمات المحنة (الأختبار) القديمة -التي تنتمي إلى قانون همجي- بإجراءات التحقيق الجديدة والعقلانية. لقد أشرتُ سابقاً إلى الطرق المختلفة التي استُخدمت في أوائل العصور الوسطى لتحديد الطرف المُحق. ولدينا انطباع بأن تلك الأنظمة كانت همجية وبالية وغير عقلانية؛ إذ يظل يثير إعجابنا حقيقة أننا اضطررنا لانتظار القرن الثاني عشر كي نصل أخيراً -عبر إجراءات التحقيق- إلى نظام عقلاني لإثبات الحقيقة. ومع ذلك، فأنا لا أعتقد أن إجراءات التحقيق هي مجرد نتيجة لتقدم العقلانية؛ فالوصول إلى آلية التحقيق لم يتم عبر عقلنة الإجراءات القضائية، بل كان نتاج تحول سياسي شامل وبنية سياسية جديدة جعلت استخدام هذا الإجراء في المجال القضائي أمراً ممكناً وضرورياً في آن واحد. إن التحقيق في أوروبا العصور الوسطى هو، قبل كل شيء، عملية حكم، أو تقنية إدارية، أو نمط من أنماط التدبير؛ وبعبارة أخرى، يُعد التحقيق وسيلة محددة لممارسة السلطة. وسنكون مخطئين إذا نظرنا إلى التحقيق باعتباره النتيجة الطبيعية لعقل يعمل من تلقاء نفسه، ويطور ذاته، ويحقق تقدمه الخاص. كما سنكون مخطئين أيضاً إذا ظننا أن ما كان يجري تطويره هو أثرٌ للمعرفة أو موضوعٌ لها.
لا يمكن لأي سرد تاريخي يُقدم من منظور تقدم العقل أو ارتقاء المعرفة أن يفسر كيفية اكتساب عقلانية التحقيق؛ فظهور هذا الأخير يمثل ظاهرة سياسية معقدة. إن تحليل التحولات السياسية في مجتمع العصور الوسطى هو الذي يفسر الكيفية والسبب والتوقيت الذي شهدنا فيه بزوغ هذه الطريقة لإثبات الحقيقة، القائمة على إجراءات قضائية مختلفة تماماً. ولا يمكن لأي إشارة إلى "موضوع المعرفة" أو "التاريخ الداخلي" أن تقدم تفسيراً لذلك؛ إذ إن تحليل القوى السياسية الفاعلة وعلاقات السلطة هو وحده الكفيل بتفسير ظهور التحقيق.
2. ينبثق التحقيق من نمط معين من علاقات السلطة وطريقة لممارستها. لقد أدخلت الكنيسة هذا الإجراء إلى حقل القانون، وبالتالي تشبّع بمفاهيم وتصنيفات دينية. ففي التصور السائد في أوائل العصور الوسطى، كان التركيز ينصب على "الخطأ" المرتكب في جوهره، أو على ما دار فعلياً بين الفردين، دون النظر إلى الأمر بوصفه "ذنباً" أو "مخالفة" قانونية. لم يكن للخطأ، أو الخطيئة، أو الذنب الأخلاقي أي دور في الأمر؛ إذ تمحورت المشكلة حول معرفة ما إذا كانت قد وقعت مخالفة، ومن ارتكبها، وما إذا كان الضحية المزعوم قادراً على تحمل "الاختبار" الذي اقترحه على خصمه. لم يكن هناك خطأ أو ذنب أو علاقة بالخطيئة. ومع ذلك، فمنذ أن أُدخلت "الاستقصاءات" (أو التحقيقات) في الممارسة القضائية، جلبت معها المفهوم الهام المتمثل في "المخالفة". فعندما يسيء فرد إلى آخر، يقع بالضرورة - وبشكل أقوى - إساءةٌ موجهةٌ إلى السيادة والقانون والسلطة. وعلاوة على ذلك، ونظراً لجميع الأبعاد والدلالات الدينية المرتبطة بهذا الاستقصاء، فإن الإساءة تُعتبر خطأً أخلاقياً، بل تكاد تكون خطيئة دينية أو ذات دلالات دينية. وهكذا، نشأ في حوالي القرن الثاني عشر اقترانٌ غريبٌ بين انتهاك القانون والخطأ الديني؛ إذ بدأ التقارب بين الإساءة إلى الحاكم وارتكاب الخطيئة، وهما أمران سيتحدان بشكل عميق في القانون الكلاسيكي. ولم نتحرر تماماً من هذا الاقتران حتى الآن.
3. ما قد أدى الاستقصاء القضائي - الذي ظهر في القرن الثاني عشر نتيجةً لهذا التحول في الهياكل السياسية وعلاقات السلطة - إلى إعادة تنظيم شاملة (أو تسبب في إعادة تنظيم) لجميع الممارسات القضائية في العصور الوسطى، والعصر الكلاسيكي، وحتى في العصر الحديث. وبشكل أعم، انتشر هذا الاستقصاء القضائي ليشمل العديد من مجالات الممارسة الاجتماعية والاقتصادية ومجالات المعرفة المتنوعة. ومن خلال هذه الاستقصاءات القضائية التي أجراها ممثلو التاج، تأسست سلسلة من إجراءات الاستقصاء والتحقيق بدءاً من القرن الثالث عشر.
كانت بعض هذه الإجراءات ذات طابع إداري أو اقتصادي في المقام الأول؛ فبفضل الاستقصاءات المتعلقة بالسكان، ومستوى الثروة، وجودة العملة والموارد، تمكن وكلاء الملك من ترسيخ السلطة الملكية وتثبيتها وتعزيزها. وبهذه الطريقة، تراكمت معرفة شاملة بالاقتصاد والإدارة الاقتصادية للدول في أواخر العصور الوسطى وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. ومنذ ذلك الحين، تأسس شكل منتظم لإدارة الدولة، ولانتقال السلطة السياسية واستمراريتها، كما نشأت علوم مثل الاقتصاد السياسي والإحصاء.
لقد انتشرت تقنيات الاستقصاء هذه بالتساوي في مجالات لا ترتبط مباشرة بممارسة السلطة السياسية: أي مجالات المعرفة أو الحكمة بالمعنى التقليدي للكلمة.
فمنذ القرنين الرابع عشر والخامس عشر، بدأت تظهر أنماط من الاستقصاء تسعى إلى إرساء الحقيقة استناداً إلى عدد من الروايات التي جُمعت بعناية في مجالات مثل الجغرافيا وعلم الفلك والأرصاد الجوية. وعلى وجه الخصوص، ظهرت تقنية "الرحلة" ــ وهي مشروع سياسي لممارسة السلطة ومشروع يغذيه الفضول واكتساب المعرفة في آن واحد ــ مما أدى في النهاية إلى اكتشاف الأمريكتين. إن جميع عمليات الاستقصاء الكبرى التي سادت في أواخر العصور الوسطى ما هي في الواقع إلا تبلور وانتشار لهذا الشكل الأول أو "القالب" الأصلي الذي نشأ في القرن الثاني عشر.
وحتى مجالات مثل الطب وعلم النبات وعلم الحيوان تُعد ــ بدءاً من القرنين السادس عشر والسابع عشر ــ امتدادات وتجليات لهذه العملية. ويمكن تعريف الحركة الثقافية الكبرى برمتها، التي بدأت تمهد لعصر النهضة بعد القرن الثاني عشر، في معظم جوانبها بأنها حركة لتطوير وتوسيع نطاق الاستقصاء باعتباره شكلاً عاماً من أشكال المعرفة.
وفي حين تطور الاستقصاء ليصبح شكلاً عاماً للمعرفة انطلق منه عصر النهضة، أخذت "المحنة" (أو الاختبار القسري/الـ "التحقيق ") في التلاشي. ولم يتبقَ من هذه المحنة سوى آثار، وتحديداً في ذلك الشكل الشهير من أشكال التعذيب المرتبط بالرغبة في انتزاع الاعتراف، أي "محنة التحقق".
يمكن صياغة تاريخ كامل للتعذيب من خلال وضعه في حيز يقع بين إجراءات "المحنة" وإجراءات "الاستقصاء". فالمحنة تميل إلى الاختفاء من الممارسة القضائية، كما أنها تختفي من مجالات المعرفة أيضاً. ويمكن الإشارة هنا إلى مثالين:
- أولاً: الخيمياء (الكيمياء القديمة). فالخيمياء علم يتخذ من "المحنة" نموذجاً له؛ إذ يتمحور الأمر حول إجراء استقصاء لمعرفة ما يحدث أو للوصول إلى الحقيقة. إنها في جوهرها مواجهة بين قوتين: قوة الخيميائي الذي يبحث، وقوة الطبيعة التي تخفي أسرارها؛ مواجهة بين الظلمة والنور، والخير والشر، والشيطان والله. يخوض الخيميائي صراعاً يكون فيه طرفاً مزدوجاً: فهو المتفرج -أي من يراقب مجريات النزال- وهو في الوقت ذاته أحد المتحاربين، مما يعني أنه قد يخرج فائزاً أو خاسراً. ويمكن القول إن الخيمياء تمثل شكلاً كيميائياً وطبيعياً لـ "المحنة" (أو الاختبار الفاصل). ولدينا ما يؤكد أن المعرفة الخيميائية تُكتسب بطبيعتها؛ فهي لا تُنقل أو تتراكم مطلقاً نتيجةً لاستقصاءات تهدف إلى كشف الحقيقة. بل إن المعرفة الخيميائية لا تنتقل إلا في صورة قواعد وإجراءات -سواء كانت سرية أو علنية- تحدد كيفية العمل والتصرف، والمبادئ الواجب مراعاتها، والصلوات التي تُتلى، والنصوص التي تُقرأ، والرموز التي يجب حضورها؛ فالخيمياء تشكل في جوهرها مجموعة من القواعد والإجراءات القضائية. ويعزى اندثار الخيمياء -وظهور نوع جديد من المعرفة يقوم على أمور تقع تماماً خارج نطاقها- إلى اعتماد نموذج "الاستقصاء" كمعيار؛ فكل المعارف القائمة على الاستقصاء -سواء كانت طبيعية أو نباتية أو معدنية أو فقهية لغوية- تظل غريبة تماماً عن المعرفة الخيميائية التي تلتزم بالنموذج القضائي القائم على "المحنة”.
ثانياً، يمكن تحليل الجامعة في أواخر العصور الوسطى أيضاً من منظور التضاد بين "الاستقصاء" و"الاختبار". ففي جامعات العصور الوسطى، كانت المعرفة تتجلى وتنتقل وتُصادق على صحتها عبر طقوس محددة، أشهرها وأكثرها شيوعاً هو "المناظرة". كانت هذه المناظرة مواجهة بين خصمين يستخدمان أسلحة لفظية: إجراءات بلاغية وبراهين تستند في جوهرها إلى الاحتكام إلى السلطة المعرفية؛ إذ لم يكن المرء يستدعي شهوداً على الحقيقة، بل شهوداً على القوة. ففي المناظرة، كلما زاد عدد المؤلفين الذين يقفون في صف أحد المشاركين -أي كلما تمكن من استدعاء شهود يمثلون السلطة والقوة والرزانة، لا شهوداً على الحقيقة- زادت فرصته في الخروج منتصراً. وتُعد المناظرة شكلاً من أشكال الإثبات، ومظهراً من مظاهر المعرفة وآلية للمصادقة عليها، وهي تحترم في ذلك النمط العام لـ "الاختبار". ومع ذلك، فإن معرفة العصور الوسطى -وخاصة المعرفة الموسوعية في عصر النهضة (مثل معرفة بيكو ديلا ميراندولا) التي تصادمت مع النمط الجامعي السائد آنذاك- كانت ستتحول في نهاية المطاف إلى نوع من المعرفة يشبه ذلك المستمد من "الاستقصاء". إن الاطلاع على النصوص وقراءتها، ومعرفة ما قيل بالفعل، وفهم طبيعة الموضوع المطروح، والتحقق من أقوال المؤلفين عبر مراقبة الطبيعة، واستخدام هؤلاء المؤلفين لا كمصدر للسلطة بل كشهود؛ كل هذا شكّل واحدة من الثورات الكبرى في أشكال نقل المعرفة. ويُعد اندثار الخيمياء والمناظرة -أو بالأحرى حقيقة أن المناظرة أصبحت محكومة بأطر جامعية آيلة للزوال ولم تعد، منذ القرن السادس عشر، ذات صلة بالواقع أو فعالية حقيقية في آليات المصادقة على المعرفة- إحدى العلامات العديدة على الصراع بين "الاستقصاء" و"الاختبار"، وعلى انتصار "الاستقصاء" على "الاختبار" في أواخر العصور الوسطى.
وختاماً، يمكننا القول إن "الاستقصاء" ليس مسألة تتعلق بالمضمون، بل هو شكل من أشكال المعرفة يقع عند نقطة التقاء بين نمط معين من السلطة ومجموعة محددة من مضامين المعرفة. إن أولئك الذين يسعون لإقامة علاقة بين المعرفة وبين البنى السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية التي تندرج ضمنها هذه المعرفة، عادةً ما يؤسسون هذه العلاقة عبر وسيط يتمثل في "الضمير" أو "ذات المعرفة". ويبدو لي أن نقطة التقاطع الحقيقية بين العمليات السياسية-الاقتصادية وصراعات المعرفة تكمن في تلك الأشكال التي تُعدّ، في آنٍ واحد، أنماطاً أو طرائق لممارسة السلطة، وطرائق لاكتساب المعرفة ونقلها. فـ "الاستقصاء" (أو التحقيق) يمثل بحد ذاته شكلاً سياسياً، ونمطاً من أنماط الإدارة وممارسة السلطة؛ إذ تحوّل -عبر المؤسسة القضائية- إلى وسيلة في الثقافة الغربية لإضفاء الصدقية على الحقيقة، ولتكوين ما يُعتبر حقيقةً، ولنقل تلك الحقائق. إن الاستقصاء هو شكل من أشكال "السلطة-المعرفة"؛ وتحليل هذه الأشكال هو ما ينبغي أن يقودنا إلى تحليلٍ دقيق وصارم للعلاقات القائمة بين صراعات المعرفة وبين محدداتها السياسية-الاقتصادية. … …
يتبع عرض ونقد (الحلقة 2 المراجعة والنقد): ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ Copyright © 2026 المكان والتاريخ: طوكيو ـ 09/26/26 ـ الغرض: التواصل والتنمية الثقافية ـ العينة المستهدفة: القارئ بالعربية (المترجمة).
#أكد_الجبوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من الأدب الياباني: حكاية -أوراشيما الصياد- - ت: من اليابانية
...
-
لحن البحيرة يحلق - هايكو
-
تَرْجَمَةٌ: قصة قصيرة: -تمرد الموتى-/بقلم لويس فرناندو إيميد
...
-
ترْويقَة: قصيدتان +1/ بقلم كريستينا بيري روسي* - ت: من الإسب
...
-
ما مصير الشعوب أمام مخطط جديد للحوكمة العالمية؟/الغزالي الجب
...
-
تسيس الخوف لبناء قوى السوق/الغزالي الجبوري - ت: من الفرنسية
...
-
لباليه: عرض باليه: -جين إير-/إشبيليا الجبوري - ت: من اليابان
...
-
الباليه: عرض باليه: -سيدة الأفعى البيضاء-/إشبيليا الجبوري -
...
-
مُوسِيقى: روبرت شومان - مدخل (8-17)/ إشبيليا الجبوري - ت: من
...
-
صراع الثقافة العلمية من تسويق اليقين (2-5)/ أبوذر الجبوري -
...
-
تَرْويقَة: قصائد/ بقلم أومبرتو سابا* - ت: من الإيطالية أكد ا
...
-
الأوبرا - إضاءة: فينتشينزو بيليني (1-3)/إشبيليا الجبوري - ت:
...
-
تَرْويقَة: قصيدتان+ 1/ بقلم ويليام كارلوس ويليامز* - ت: من ا
...
-
مأساة غزة؛ أرتفاع حصيلة ضحايا الأنهيار/الغزالي الجبوري - ت:
...
-
مراجعات: مراجعة كتاب: -مقدمة ل-ظاهراتية الإدراك عند ميرلو-بو
...
-
قبضة الحوثيون على باب المندب/الغزالي الجبوري - ت: من الفرنسي
...
-
العراق. انفلات الفصائل بالهجوم على السعودية/الغزالي الجبوري
...
-
عبر قمة البريكس إيران تتحدى بالمواجهة/الغزالي الجبوري - ت: م
...
-
ترْويقَة: إلى بحر وطني/ بقلم خوسيه بلاثيذو سانسون* - ت: من ا
...
-
رْويقَة: قصيدة إلى العندليب/ بقلم جون كيتس* - ت: من الإنجليز
...
المزيد.....
-
معاونة وزير الثقافة السورية تكشف عن تعرضها لتهديدات ومضايقات
...
-
أمازونيات الطليعة الروسية.. أربع فنانات يستعدن حضورهن على ال
...
-
-عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
-
186 سلالة و852 شخصية.. أطلس رقمي يعيد رسم التاريخ الإسلامي
-
-عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
-
بوتين عن تصريحات وزير الدفاع الإستوني: السيرك رحل والمهرجون
...
-
فرنسا.. الذكاء الاصطناعي يطيح برواية من جائزة أدبية مرموقة
-
بسبب الذكاء الاصطناعي والسرقة الأدبية.. استبعاد رواية تيليسو
...
-
سوريا ...حفل الأخرس في اللاذقية يثير جدلا بسبب التنظيم والحج
...
-
-حفظت القرآن بروايتين وأنا مسيحي-.. رحلة أستاذ جامعي كفيف هز
...
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|