أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: تأملات في رواية آشور.. شواهد وقبور للكاتب داود سلمان عجاج اعداد سوسن يحيى قاسم (الجزء الأول)















المزيد.....

بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: تأملات في رواية آشور.. شواهد وقبور للكاتب داود سلمان عجاج اعداد سوسن يحيى قاسم (الجزء الأول)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 09:36
المحور: الادب والفن
    


ليست الحرية أن يفتح الإنسان الباب ويخرج، ولا أن يقطع المسافة بين مكانين دون أن يعترض طريقه أحد؛ فالإنسان قد يتحرك في أوسع الأمكنة، ومع ذلك يحمل سجنه في داخله. وليست الأقنعة دائماً ما نرتديه أمام الآخرين، فقد يكون القناع فكرةً نختبئ خلفها، أو موقفاً نتشبث به، أو انتماءً نستخدمه حين يعجز الوجه الحقيقي عن الدفاع عن نفسه. أما الحب، فيبدو في ظاهره أكثر الأشياء تحرراً من الأقنعة؛ لأنه يقرب الإنسان من ذاته، لكنه قد يتحول، حين يتداخل مع الخوف والامتلاك والانتماء والمصلحة، إلى امتحان يكشف مقدار صدق الإنسان مع نفسه قبل صدقه مع الآخر.
من هذه المنطقة الملتبسة تتحرك رواية "آشور.. شواهد وقبور" للكاتب داود سلمان عجاج؛ إذ لا تقدم الحرية بوصفها مفهوماً مجرداً، ولا الحب بوصفه عاطفة منفصلة عن صراع الإنسان مع ذاته ومحيطه، وإنما تضعهما داخل شبكة من الأسئلة المتعلقة بالانتماء والاختيار والذاكرة والوفاء، بحيث يصبح القناع في النهاية ليس مجرد صورة تخفي وجهاً، بل طريقةً في العيش.
ومن هنا يمكن أن يبدو العنوان الداخلي للرواية أوسع من حكاية شخصياتها؛ فالسؤال ليس: من أحب؟ ومن فقد؟ ومن بقي؟ وإنما: متى يكون الحب حرية، ومتى يصبح قيداً؟ ومتى يكون الانتماء وفاءً، ومتى يتحول إلى قناع؟ وهل يستطيع الإنسان أن يختار نفسه حين تتكاثر الأصوات التي تريد أن تختار عنه؟
من هنا فحلم الحرية الذي يبدأ من الداخل، الحرية في الرواية لا تأتي بوصفها امتيازاً جاهزاً، بل بوصفها صراعاً داخلياً مع ما تراكم في النفس من أفكار ومخاوف وولاءات. ولهذا تبدو رحلة خلف في جانب منها رحلة بحث عن ذاته قبل أن تكون بحثاً عن طريق.
ولعل السؤال الذي يرد في الرواية: "ترى، هل نحن نختار الطريق، أم أن الطريق هو من يختارنا؟" يختصر جوهر هذه المعضلة؛ فالإنسان كثيراً ما يتوهم أنه صاحب القرار، بينما قد يكون قد دخل منذ البداية في مسار رسمته العائلة أو البيئة أو الذاكرة أو الضرورة أو الخوف. وهنا تكتسب الحرية معناها الأعمق: أن يستطيع الإنسان أن يرى القيود التي لا يراها الآخرون.
وليس بعيداً عن ذلك قول "جان جاك روسو" في العقد الاجتماعي:
"وُلد الإنسان حراً، وهو في كل مكان مكبل بالأغلال"
وهذه العبارة، على الرغم من سياقها السياسي والفلسفي، يمكن أن تستعاد تأملياً في فضاء الرواية بوصفها سؤالاً عن القيود التي يصنعها الإنسان حول نفسه، وعن المسافة بين الحرية التي يتخيلها والحرية التي يستطيع أن يمارسها فعلاً.
لكن الرواية لا تتوقف عند هذا الحد؛ فهي تدفع السؤال إلى منطقة أكثر قسوة: ماذا لو اكتشف الإنسان أن بعض الأغلال التي يحملها ليست مفروضة عليه من الخارج، بل صنعها هو، ثم اعتادها حتى ظن أنها جزء من طبيعته؟ عندها لا تعود الحرية مجرد التخلص من قيد، وإنما تصبح قدرة على الاعتراف بالقيد.
أما حين يصبح القناع وجهاً آخر للإنسان، القناع في الرواية ليس مجرد رمز للخداع بالمعنى الأخلاقي الضيق، وإنما هو بنية نفسية واجتماعية تتشكل حين يعجز الإنسان عن مواجهة الحقيقة كاملة. فقد يرتدي الإنسان قناع القوة لأنه يخشى ضعفه، وقناع الوفاء لأنه يخشى أن يُتهم بالخيانة، وقناع الانتماء لأنه يريد حماية مصالحه، وقد يرتدي حتى قناع الحب كي يخفي رغبة أخرى أكثر خفاء. وهنا تبلغ الرواية منطقة شديدة الحساسية حين تقول:
"ربما الحرية في النهاية ما هي إلا تغير في الأقنعة"
هذه العبارة لا ينبغي قراءتها بوصفها تعريفاً نهائياً للحرية، بل بوصفها استفزازاً فلسفياً لها. فإذا كان الإنسان ينتقل من قناع إلى آخر، فهل يكون قد تحرر فعلاً؟ أم أنه استبدل قيداً بقيد؟ لكن الرواية لا تترك السؤال معلقاً؛ إذ يأتي الرد:
"بل هي الاختيار الوحيد المتاح لمن أدرك لعبة الأقنعة"
وهنا يحدث التحول الحقيقي. فالحرية لا تبدأ عندما تختفي الأقنعة، لأن اختفاءها الكامل ربما يكون مستحيلاً في الحياة الاجتماعية، وإنما تبدأ عندما يعرف الإنسان أنه يرتدي قناعاً. فمعرفة القناع تفتح إمكانية نزعه، بينما عدم معرفته تجعل الإنسان أسيراً له دون أن يشعر. ولذلك تأتي الجملة الحاسمة:
"لا، لن أكون صدى لغيري بعد الآن"
إنها ليست مجرد جملة احتجاجية، بل لحظة استرداد للصوت الشخصي. والصدى هنا استعارة عميقة؛ لأنه صوت موجود، لكنه ليس صوتاً أصيلاً. إنه إعادة إنتاج لصوت سابق. ومن ثم فإن رفض أن يكون خلف صدى لغيره يعني رفض أن يعيش حياة مستعارة، أو أن يترك الآخرين يحددون له معنى وجوده.
في ذات الصدد، يظهر الحب حين تتراجع الأقنعة، لكن ماذا يفعل الحب وسط هذا الصراع؟ الحب، في أحد وجوهه، هو اللحظة التي يجد فيها الإنسان نفسه مضطراً إلى الاقتراب من ذاته؛ لأن الآخر الذي نحبه يستطيع أن يرى فينا ما نحاول إخفاءه عن الآخرين، ولهذا يصبح الحب امتحاناً للروح. فالحب الصادق لا يسأل الإنسان فقط: من تحب؟ بل يسأله: من تكون حين تحب؟
هل تتحول إلى إنسان أكثر حرية، أم أكثر امتلاكاً؟ هل تستطيع أن ترى الآخر بوصفه كائناً له حق الاختيار، أم تريده امتداداً لرغبتك؟ هل تقبل خسارته إذا كان اختياره لا يوافق رغبتك، أم تحاول أن تستعيده بأي ثمن؟
في رواية "آشور.. شواهد وقبور" يتخذ الحب أبعاداً تتجاوز العلاقة العاطفية المباشرة، ليصل إلى الحب بوصفه انتماءً. ويظهر ذلك بوضوح في الحوار الذي يرد فيه السؤال:
"عن أي حب تتكلم؟"، فيأتي الجواب: "عن حب الأرض بذات الانتماء"
وهنا تتسع دائرة الحب. فالأرض ليست مجرد مكان، والانتماء ليس مجرد إقامة، والحب ليس مجرد تعلق بشخص. كل هذه المفاهيم تتداخل لتصنع علاقة الإنسان بما يعتقد أنه جزء من هويته.
لكن هذه المنطقة نفسها هي التي تجعل الحب عرضةً للقناع، فحين يصبح الانتماء قيمةً حقيقية، فإنه يطالب صاحبه بالوفاء والمسؤولية. أما حين يتحول إلى شعار، فقد يصبح وسيلة لتحقيق غاية أخرى. وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات الرواية أهمية: القيمة ذاتها قد تبقى واحدة في اللغة، لكنها تتغير في السلوك.
في جانب آخر، حين يصبح الانتماء قابلاً للتشكيل، تتضح المفارقة بصورة أعمق في شخصية رجب، لا بوصفه مجرد نقيض لخلف، وإنما بوصفه نموذجاً آخر للتعامل مع الواقع. إذ تتحدث الرواية عن خوف خلف من أن يلوذ رجب بـ "النفاق، ذلك الملاذ البارد الذي قد يضفي عليه سعادة زائفة". وهذه العبارة تضع النفاق في مستوى يتجاوز الكذب العابر؛ إنه هنا ملاذ، أي مكان يلجأ إليه الإنسان حين يعجز عن مواجهة الحقيقة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم القناع باعتباره نوعاً من الحماية النفسية. فالإنسان قد لا يكذب لأنه يحب الكذب، وإنما لأنه يخاف من الحقيقة التي قد تترتب على الصدق. غير أن الخطر يبدأ عندما يتحول القناع من وسيلة مؤقتة للنجاة إلى هوية دائمة، وهذا ما يجعل الصراع بين خلف ورجب أعمق من خلاف بين شخصيتين؛ إنه صراع بين رؤيتين للحياة: رؤية ترى في الانتماء قيمةً لا تقبل المساومة، ورؤية يمكن أن تعيد تشكيل الانتماء وفق مقتضيات الواقع والمصلحة.
وفي الصفحات الأخيرة من الرواية تتبلور هذه المفارقة بوضوح أكبر، حين يظل خلف في القلعة رغم معرفته بأن البقاء قد يعني خسارة من يحب، بينما يظهر رجب وقد "أدرك كيف يصوغ بالحاجة مستغلاً راية الانتماء"، مستفيداً من الفرص حتى لو كان الثمن تغيير المعنى الحقيقي لذلك الانتماء. وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بالحب وحده، إنه سؤال عن ثمن القيم حين تدخل سوق الواقع.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المعبد بين قداسة المكان وذاكرة الغياب: تأملات في رواية آشور. ...
- نص نثري: هواجس رجل من الماضي
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- جدلية الهوية والانتماء: تأملات في الحضور الوجداني بين ذاكرة ...
- قصة قصيرة: نافذة الغجر
- نص نثري: بين نسختين
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- ما وراء الحكاية: حين يفتح النقد نافذة أخرى على فتاة القلعة ق ...
- نص نثري: المظاهر
- حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع ...
- حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع ...
- حين يصبح الطريق ذاكرة: تأملات في المجموعة القصصية ما تبقّى م ...
- نص نثري: حين صار ظلّاً
- قصة قصيرة: إلى حيث يمضي الطريق
- نص نثري: سماءٌ من طفولة
- نص نثري: الظل
- قصة قصيرة: صقيعُ الإهمال
- قصة قصيرة: جزاء الإحسان
- نص نثري: أشواق


المزيد.....




- أمازونيات الطليعة الروسية.. أربع فنانات يستعدن حضورهن على ال ...
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- 186 سلالة و852 شخصية.. أطلس رقمي يعيد رسم التاريخ الإسلامي
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- بوتين عن تصريحات وزير الدفاع الإستوني: السيرك رحل والمهرجون ...
- فرنسا.. الذكاء الاصطناعي يطيح برواية من جائزة أدبية مرموقة
- بسبب الذكاء الاصطناعي والسرقة الأدبية.. استبعاد رواية تيليسو ...
- سوريا ...حفل الأخرس في اللاذقية يثير جدلا بسبب التنظيم والحج ...
- -حفظت القرآن بروايتين وأنا مسيحي-.. رحلة أستاذ جامعي كفيف هز ...
- ياكوتسك.. مدينة بدأت بحصن على نهر لينا وانتقلت هربا من الفيض ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين حلم الحرية ووجع الأقنعة، حين يصبح الحب امتحاناً للروح: تأملات في رواية آشور.. شواهد وقبور للكاتب داود سلمان عجاج اعداد سوسن يحيى قاسم (الجزء الأول)