|
|
الحزب ليس دولة: لماذا تحتاج القضية الكوردية إلى مأسسة القوة؟
مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 09:34
المحور:
القضية الكردية
مقدمة: حين تُحمَّل الأحزاب ما يفوق طاقتها المؤسسية
اضطلعت الأحزاب الكوردية تاريخياً بدور تأسيسي في حمل القضية الكوردية، سياسياً وعسكرياً على حد سواء. وفي غياب كيان دولتي جامع، وجدت هذه الأحزاب نفسها مسوقة إلى الاضطلاع بوظائف تتجاوز طبيعتها كأحزاب سياسية بالمعنى الكلاسيكي، فجمعت بين التعبئة الجماهيرية والتنظيم العسكري والإدارة المدنية وصياغة العلاقات الخارجية، بل وأحياناً إدارة الأرض والسكان مباشرة. وكانت لهذا التوسع الوظيفي ضرورته التاريخية في محطات متعددة من المسار الكوردي، إذ لم يكن ثمة بديل مؤسسي آخر قادر على ملء الفراغ.
غير أن الضرورة التاريخية لا تُترجَم بالضرورة إلى نموذج قابل للاستمرار. فثمة فارق جوهري بين حزب يقود قضية وطنية في مرحلة بعينها، وبين مؤسسات وطنية قادرة على حماية تلك القضية حتى حين يتغير الحزب أو القائد أو التحالف الدولي الراعي. وهنا تكمن واحدة من أكثر إشكاليات التجربة الكوردية حساسية، وأقلها تناولاً في الأدبيات السياسية الكوردية ذاتها: هل تحولت القوة التي بنتها الأحزاب إلى مؤسسات تتجاوز الحزب المؤسس، أم بقيت في جوهرها ملكية تنظيمية وسياسية لذلك الحزب؟ فإذا ظلت الإجابة تميل إلى الاحتمال الثاني، فإن أي تحول في قيادة الحزب، أو في تحالفاته، أو في علاقته بالقوى الإقليمية والدولية، يغدو بالضرورة تحولاً في مصير القضية نفسها.
وهذا بالتحديد ما يجعل مسألة مأسسة القوة قضية تتجاوز البعد الإداري لتلامس صميم الأمن القومي الكوردي، بالمعنى الذي استخدمه صموئيل هنتنغتون حين ربط استقرار النظم السياسية بقدرتها على بناء مؤسسات تستوعب المشاركة السياسية المتنامية دون أن تنهار تحت وطأتها.
أولاً: الحزب أداة للقضية، لا بديل عنها
الحزب السياسي، مهما بلغت قوته التنظيمية واتساع قاعدته الشعبية، يظل بنيةً محكومة بقيادة وبرنامج ومصالح تنظيمية وتحالفات محددة زمنياً. أما القضية الوطنية فهي، بحكم طبيعتها، أوسع أفقاً من أي تنظيم حزبي بعينه. وحين يتحول حزب واحد إلى الممثل الوحيد لقضية بأكملها، تنشأ معادلة بالغة الخطورة: يصبح مصير القضية مرتبطاً عضوياً بمصير الحزب، فيُقرأ نجاح الحزب باعتباره نجاحاً للقضية، ويُحمَّل فشله للقضية بأسرها.
وهنا يكمن جوهر الإشكال. فالمجتمع الكوردي ليس كتلة حزبية واحدة، والمصالح الكوردية ليست متطابقة عبر الزمان والمكان، فضلاً عن أن الجغرافيا الكوردية موزعة بين دول أربع، لكل منها سياقها السياسي والأمني والدولي الخاص. ولذلك فإن اختزال المصلحة الكوردية في إطار حزب بعينه يفضي، بحكم المنطق لا بحكم النية، إلى تضييق المجال السياسي للقضية بدلاً من توسيعه. وليس المطلوب هنا إلغاء الأحزاب أو تحييدها، بل أن تصبح جزءاً من بنية أوسع للقضية، لا أن تظل القضية حكراً على أي منها.
ثانياً: حدود القوة العسكرية حين تبقى ملكية تنظيمية
تكشف التجربة السورية بوضوح استثنائي أبعاد هذا السؤال. فقد انطلقت القوة العسكرية الكوردية في شمال شرق سوريا من تشكيلات كوردية محددة الهوية، لتتطور في سياق الحرب على تنظيم "داعش" إلى بنية عسكرية أوسع عُرفت بـ"قوات سوريا الديمقراطية"، وحققت إنجازات ميدانية كبرى جعلتها شريكاً رئيسياً للتحالف الدولي.
بيد أن السؤال الاستراتيجي الحقيقي لم يكن يوماً محصوراً بحجم القوة العددي أو الميداني، بل بطبيعة انتمائها المؤسسي:
لمن تعود هذه القوة قانونياً وتنظيمياً؟ ومن يحدد عقيدتها القتالية؟ ومن يملك سلطة القرار في استخدامها أو تجميدها؟
وما طبيعة علاقتها بالحزب من جهة، وبالمجتمع المحلي من جهة أخرى؟ وما وضعها القانوني في أي ترتيب سياسي مقبل؟ وماذا يحل بها إن تغيرت القيادة السياسية التي أنشأتها؟
تزداد هذه الأسئلة إلحاحاً كلما اقتربت القوة من عتبة التحول إلى مؤسسة دائمة. ذلك أن القوة المرتبطة عضوياً بالحزب قد تبلغ ذروة فاعليتها في زمن الحرب، لكنها تغدو أكثر هشاشة حين يدخل الصراع طور التفاوض وإعادة بناء الدولة، حيث تصبح الشرعية القانونية أكثر أهمية من الكفاءة القتالية. في المقابل، فإن القوة التي تتحول إلى مؤسسة تندمج في التوازن السياسي والاجتماعي والقانوني العام، فلا تعود أداة بيد تنظيم سياسي بعينه، بل ركيزة من ركائز النظام العام.
ثالثاً: من "قوة الحزب" إلى "قوة المجتمع"
هذه هي النقلة المفاهيمية الجوهرية التي يقترحها هذا المقال. فثمة فارق نوعي بين قوة يملكها حزب، وقوة يحميها مجتمع ويعترف بها قانون. ففي الحالة الأولى، يكفي الخصم أن يستهدف القيادة أو البنية التنظيمية أو مصادر الدعم، لتتأثر القوة بأكملها في ضربة واحدة، تبعاً لما وصفه بعض دارسي التحول المؤسسي بـ"هشاشة المركزية الفردية". أما في الحالة الثانية، فتغدو القوة موزعة على مؤسسات متعددة: سياسية وعسكرية واقتصادية وقانونية واجتماعية ودبلوماسية، بما يجعل تفكيكها عملية أشد تعقيداً وأبعد منالاً.
فحين يكون الجيش مؤسسة وطنية بالمعنى الفعلي، لا يستتبع تغيير الحكومة حل الجيش. وحين يكون القضاء سلطة مستقلة، لا يعني تغيير الحزب الحاكم إلغاء المنظومة القضائية القائمة.
وحين تكون الحقوق الدستورية مصانة بآليات راسخة، فإن رحيل قائد سياسي بعينه لا يفضي إلى سقوط تلك الحقوق. هذه هي القيمة المضافة للمؤسسة بالمعنى الفيبيري . « نسبة إلى عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (Max Weber)، أحد مؤسسي علم الاجتماع السياسي الحديث » للسلطة العقلانية-القانونية: أنها تنقل الإنجاز السياسي من ملكية الأشخاص إلى ملكية النظام ذاته، فتصبح مستقلة عن تعاقب حامليها.
رابعاً: المشكلة في احتكار التمثيل، لا في قيادة الحزب
ينبغي التحرز هنا من تأويل هذا الطرح باعتباره دعوة إلى فصل مصطنع بين الأحزاب والقضية الكوردية. فالأحزاب كانت، وستظل، ركناً أساسياً من أركان الحركة السياسية الكوردية. غير أن ثمة فرقاً جوهرياً بين القيادة السياسية والاحتكار السياسي. فقد يقود حزب بعينه مرحلة تاريخية محددة، دون أن يستتبع ذلك بالضرورة أن يصبح الممثل الوحيد لعموم الكورد، أو أن تتحول المؤسسات العامة إلى امتداد تنظيمي له.
فالتمثيل الوطني الفاعل يستدعي منظومة أوسع من الآليات المتكاملة: تعددية حزبية حقيقية، ومجالس منتخبة تعكس إرادة القاعدة الشعبية، ومؤسسات مجتمع مدني مستقلة، وقوى عسكرية خاضعة لإطار قانوني واضح، ومؤسسات اقتصادية بعيدة عن الهيمنة الحزبية المباشرة، وقضاء مستقل، وإعلام مهني غير مسيّس، ومراكز بحثية واستراتيجية تنتج معرفة نقدية، وآليات تشاور دائمة بين مختلف القوى الكوردية. وهذه البنية المركبة لا تُضعف الحزب، بل على العكس تماماً، فهي تحميه من أن يغدو نقطة الاختناق الوحيدة التي تتوقف عليها مصائر القضية بأسرها.
خامساً: لماذا تزداد ضرورة المأسسة في الحالة الكوردية تحديداً؟
لأن الكورد لا يملكون حتى اللحظة دولة واحدة قادرة على احتكار تمثيل مصالحهم على غرار ما تفعله الدول القومية المكتملة السيادة. وهذه الحقيقة البنيوية تجعل أي خطأ تنظيمي أكثر كلفة من نظيره في سياقات دولتية مستقرة. فالدولة المكتملة المؤسسات تستطيع أن تستوعب تغير الحزب الحاكم دون أن تهتز أركانها، بحكم رسوخ مؤسساتها الثابتة. أما الحركة الوطنية التي تتداخل فيها بنية الحزب مع المؤسسة ومع القوة العسكرية ومع الاقتصاد ومع العلاقات الخارجية في نسيج واحد لا ينفصل، فإن أي أزمة تصيب القيادة قد تتحول بسرعة إلى أزمة شاملة تطال القضية برمتها.
ومن هنا فإن التحدي الكوردي الحقيقي لا يكمن في بناء القوة فحسب، بل في توزيعها على نحو يحول دون انهيارها دفعة واحدة عند أي هزة سياسية. ويمكن تكثيف هذه العلاقة في قاعدة تحليلية بسيطة: كلما ازدادت ملكية الحزب للقوة، ازدادت هشاشتها أمام أي أزمة تصيب ذلك الحزب؛ وكلما ازدادت مأسسة القوة، ازدادت قدرتها على البقاء متجاوزةً قدرة أي قيادة فردية أو تنظيم بعينه.
سادساً: ما الذي تعلّمنا إياه تجربة "قسد"؟
ربما تكون تجربة "قوات سوريا الديمقراطية" من أكثر التجارب المعاصرة صلاحية لطرح هذا السؤال بحدة. فقد نجحت هذه القوة في بناء تحالف عسكري واسع جمع مكونات إثنية ودينية متعددة، واكتسبت دعماً دولياً واسعاً، وغدت لاعباً محورياً في الحرب على "داعش". غير أن التحول من قوة عسكرية منتصرة إلى مؤسسة سياسية وطنية مستقرة يستلزم مرحلة تالية مختلفة جوهرياً في طبيعتها ومتطلباتها.
فالسؤال الذي فرض نفسه بعد الانتصارات العسكرية لم يكن كيفية الحسم الميداني، بل كيف تتحول القوة التي انتصرت في الحرب إلى مؤسسات لا تحتاج إلى استمرار الحرب كي تظل قائمة. وهذا يستدعي مساراً انتقالياً متعدد الأبعاد: من القوة العسكرية إلى الشرعية السياسية المستمدة من العقد الاجتماعي لا من ميزان القوى الميداني؛ ومن التحالف الدولي الآني إلى شبكة علاقات دولية مؤسسية أكثر ثباتاً؛ ومن الإدارة القائمة على منطق الأمر الواقع إلى مؤسسات تحكمها نصوص قانونية؛ ومن قيادة الحزب الفردية إلى شرعية مؤسساتية جماعية؛ ومن القائد الرمز إلى المؤسسة الدائمة. وهذا المسار التراكمي هو ما يحدد في نهاية المطاف ما إذا كانت القوة المتحققة قد أنتجت نفوذاً عابراً مرهوناً بلحظته، أم بنية سياسية قابلة للاستمرار عبر الزمن.
سابعاً: مأسسة القوة لا تعني نزعها
قد يساء فهم هذا المفهوم فيُفهم على أنه دعوة ضمنية إلى حل القوة العسكرية أو التخلي عنها. والحقيقة نقيض ذلك تماماً:
فالمأسسة تعني تحويل القوة من أداة حزبية إلى مؤسسة وطنية جامعة، لا إلغاءها أو إضعافها. فالجيش القوي، بالمعايير المقارنة، ليس الجيش الذي يملكه حزب مهيمن، بل الجيش الذي يستمد وجوده ومشروعيته من الدستور والقانون والإجماع المجتمعي.
والقوة الأمنية المستقرة ليست تلك التي تحمي قيادة سياسية بعينها، بل التي تحمي المجتمع بمؤسساته كافة.
وهنا يتبدى الفارق الحاسم بين قوة تستطيع قيادة حزبية أن توظفها لأغراضها الخاصة، وقوة تستطيع الدولة والمجتمع معاً أن يحافظا عليها ويطوراها بمعزل عن التقلبات الحزبية. والثانية، بلا منازع، أكثر قدرة على الاستدامة.
ثامناً: ضرورة الفصل الوظيفي كشرط لنجاح المأسسة
من الدروس الجوهرية في هذا السياق ضرورة التمييز الدقيق بين الوظائف المختلفة التي ينبغي أن تضطلع بها أجسام متمايزة، لا جسم واحد يجمعها جميعاً. فالحزب ينبغي أن يقتصر دوره على صياغة البرنامج السياسي والدفاع عنه في الفضاء العام، بينما يتولى الجسم التمثيلي المنتخب مهمة التمثيل المجتمعي والتشريع. أما الجهاز التنفيذي فيُناط به تنفيذ السياسات العامة، في حين يقع على عاتق المؤسسة العسكرية الدفاع عن الإقليم والمجتمع في إطار قانوني محدد سلفاً، ويتولى القضاء الفصل المستقل في المنازعات. وتدير المؤسسات الاقتصادية الموارد بمعزل عن الهيمنة الحزبية المباشرة، ويمارس المجتمع المدني دوره الرقابي والمشاركاتي، بينما تُدار العلاقات الخارجية عبر مؤسسات تمثل المصلحة العامة العليا، لا عبر القنوات الحزبية الضيقة وحدها.
فحين تتداخل هذه الوظائف كلها في تنظيم واحد، يغدو الفصل بينها أقرب إلى المستحيل عملياً، ويصبح تغيير الحزب أو قيادته قادراً على تغيير كل هذه المنظومة دفعة واحدة، وهو بالضبط ما تسعى المأسسة إلى تحصين القضية ضده.
تاسعاً: المأزق الكوردي فائض في القيادات لا نقص فيها
لا يعاني الكورد بالضرورة من نقص في القيادات السياسية أو العسكرية، فالتاريخ الكوردي حافل بالشخصيات والتيارات والمشاريع المتعددة. غير أن المشكلة الأعمق تكمن في ندرة المؤسسات القادرة على جمع هذه القوى المتعددة تحت قواعد مشتركة ملزمة. ومن هنا فإن أي خلاف بين القيادات سرعان ما يتحول إلى خلاف بين المشاريع السياسية، ثم يتحول هذا الخلاف إلى صراع مفتوح على الشرعية، ليؤول في نهاية المطاف إلى انقسام فعلي في القوة ذاتها. وهذا الانقسام هو تحديداً ما يمنح الخصم الخارجي فرصة التعامل مع كل طرف كوردي بمعزل عن الآخر، وفق منطق "فرّق تسد" الذي عرفته السياسات الدولية تجاه الحركات القومية غير المكتملة السيادة على مر التاريخ. ولذلك فإن الوحدة المطلوبة ليست بالضرورة وحدة حزب واحد أو قيادة واحدة، بل وحدة القواعد الناظمة للعبة السياسية برمتها.
عاشراً: المؤسسة الوطنية لا تُلغي التعددية بل تحتضنها
قد يُخيَّل للوهلة الأولى أن بناء مؤسسة وطنية جامعة يتعارض مع مبدأ التعددية الحزبية، غير أن الواقع نقيض هذا التصور. فالمؤسسة تصبح ضرورة ملحة تحديداً في ظل وجود التعددية، لا في غيابها. فإذا كان ثمة حزب واحد مهيمن، أمكنه أن يقوم عملياً مقام المؤسسة بحكم احتكاره الساحة. أما حين تتعدد الأحزاب والتيارات، فلا مناص من وجود قواعد ومؤسسات تعلو عليها جميعاً وتنظم تفاعلها. ومن هنا فإن الهدف المنشود ليس إنتاج حزب كوردي واحد موحد، بل صياغة إطار وطني جامع تستطيع الأحزاب المتعددة أن تعمل ضمنه دون أن يتحول اختلافها الطبيعي إلى تفكيك فعلي للقوة العامة المشتركة.
الحادي عشر: تجليات المأسسة في حقل العلاقات الخارجية
لا يمكن فصل مأسسة القوة الداخلية عن مأسسة العلاقات الخارجية، إذ يشكلان وجهين لعملة واحدة. فإذا كانت العلاقة مع واشنطن، على سبيل المثال، تمر حصراً عبر حزب بعينه أو قائد بعينه، فإنها تظل عرضة للتحول الجذري مع أي تغيير يطرأ على ذلك الطرف. أما إذا استندت هذه العلاقة إلى مؤسسات سياسية ودبلوماسية وقانونية واقتصادية متعددة ومتكاملة، فإنها تندرج ضمن استراتيجية وطنية أرسخ وأبعد مدى من أي شخص أو حزب بعينه. وهنا تتقاطع هذه الفكرة مع الأطروحة المركزية التي طُرحت في الحلقات السابقة من هذه السلسلة: لا ينبغي أن يكون للحركة الوطنية الكوردية حليف دولي واحد، كما لا ينبغي أن يكون لها مركز قرار خارجي أوحد تتمحور حوله كل خياراتها. فتنويع العلاقات الخارجية ليس مجرد تكثير للسفارات وقنوات الاتصال، بل هو في جوهره امتداد عضوي لمنطق مأسسة القوة ذاته.
الثاني عشر: المؤسسة هي الضامن الحقيقي للمكاسب عند لحظات الخسارة
ربما تكون هذه القاعدة أهم ما يطرحه هذا المقال برمته. ففي الصراعات الطويلة الأمد، لا تملك أي حركة سياسية أن تنتصر في كل جولاتها؛ فلا بد أن تأتي لحظات خسارة وانكسار، وقد تتغير التحالفات، وقد يسقط حليف كان يُعوَّل عليه، وقد تُفقَد أرض كانت محررة، وقد تتبدل القيادة، بل قد يتغير النظام السياسي في الدولة التي تتحرك القضية داخل حدودها الجيوسياسية. غير أن المؤسسة، بخلاف الحزب أو القائد أو التحالف العابر، تملك القدرة على الاحتفاظ بجزء جوهري من المكاسب حتى في لحظة التراجع الاستراتيجي. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن تطرحه أي قيادة كوردية على نفسها ليس: هل نستطيع الانتصار اليوم؟ بل: هل نستطيع الاحتفاظ بما انتُزع من مكاسب بالأمس حين نواجه خسارة محتملة غداً؟ وهذا، في جوهره، هو المضمون الاستراتيجي العميق لمفهوم المؤسسة.
الثالث عشر: من إرث الأحزاب إلى إرث المؤسسات
ربما يكون هذا هو التحول الأعمق المطلوب في بنية التفكير السياسي الكوردي خلال المرحلة المقبلة: أن يتحول السؤال من "من يقود القضية؟" إلى "ما المؤسسات القادرة على حماية القضية أياً كان من يتولى قيادتها؟". وأن يتحول السؤال من "من يملك السلاح؟" إلى "ما المنظومة القانونية التي تضمن استمرار القوة بمعزل عن الأشخاص؟". وأن يتحول السؤال من "من يمثل الكرد؟" إلى "ما الآلية التي تمنح التمثيل شرعيته الفعلية؟". وأن يتحول السؤال من "من هو الحليف؟" إلى "ما شبكة العلاقات التي تحمي استقلالية القرار الوطني؟". وهذه الأسئلة، وإن بدت أكثر تجريداً وتعقيداً من الصراع المباشر على الأشخاص والمواقع، إلا أنها أكثر أهمية استراتيجية بما لا يقاس.
الرابع عشر: نحو عقد سياسي كوردي جديد
إذا كان ثمة درس واحد يمكن استخلاصه من العقود الماضية، فهو أن القضية الكوردية بحاجة ماسة إلى الانتقال من مرحلة التنظيمات التي تحمل القضية إلى مرحلة المؤسسات التي تحميها. وهذا لا يعني تجاوز الأحزاب أو تهميش دورها، بل إعادة تحديد مكانتها ضمن بنية أوسع. فالحزب ضروري للعمل السياسي اليومي، والقوة العسكرية ضرورية في ظروف بعينها تستدعي الدفاع المسلح، والتحالفات الدولية ضرورية حين تتقاطع المصالح الوطنية مع مصالح القوى الكبرى. غير أن أياً من هذه العناصر الثلاثة، مهما بلغت أهميته الآنية، لا ينبغي أن يُختزل فيه القضية نفسها. فالقضية أكبر من الحزب، والقوة أكبر من القيادة، والحقوق أكبر من أي تحالف عابر، والمؤسسة يجب أن تكون، في نهاية المطاف، أوسع من الجميع مجتمعين.
خاتمة: الحزب يمكن أن يقود مرحلة، لكنه لا يستطيع أن يكون وطناً
ربما تكون إحدى أكثر الإشكاليات إلحاحاً التي ينبغي على الفكر السياسي الكوردي أن يعيد النظر فيها بعمق هي الخلط المستمر بين الحركة والمؤسسة. فالحركة قادرة على أن تشعل ثورة، والحزب قادر على أن يقود مرحلة، والقوة العسكرية قادرة على أن تحمي منطقة بعينها في زمن بعينه، والحليف قادر على أن يوفر مظلة سياسية أو عسكرية مؤقتة. غير أن أياً من هذه العناصر، منفرداً، عاجز عن صنع استمرارية وطنية راسخة، ذلك أن الاستمرارية تستلزم بالضرورة مؤسسات تتجاوز لحظتها التأسيسية.
وهنا تكمن المسألة الجوهرية: فالقضية التي تعتمد كلياً على حزب بعينه تحتاج، بحكم الضرورة، إلى حماية ذلك الحزب أولاً قبل أي شيء آخر. أما القضية التي تبني مؤسساتها الخاصة، فإن الحزب نفسه يغدو جزءاً محمياً ضمن منظومتها الأوسع، لا شرطاً لوجودها. ومن هنا فإن التحدي الماثل أمام الكورد في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يقتصر على إعادة بناء ما فُقد من قوة، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف طبيعة القوة ذاتها. فالسؤال الحقيقي ليس: كيف نستعيد ما خسرناه؟ بل: كيف نبني هذه المرة قوة لا يستطيع سقوط أي حزب أو قائد أو حليف أو ظرف إقليمي عابر أن يُسقطها معه؟ وذلك هو جوهر الانتقال من قوة الحزب إلى قوة القضية، ومن إدارة المرحلة إلى بناء المؤسسة، ومن الاعتماد على الأشخاص إلى صناعة الاستمرارية الذاتية. وهنا، ربما، يبدأ السؤال الكوردي الحقيقي عن الدولة، قبل أن تبدأ الدولة ذاتها بالتشكل.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قسد بين صناعة القوة وإدارة الانكفاء مقاربة استراتيجية في عقد
...
-
لماذا يخسر الكورد حين يراهنون على حليف واحد؟ قراءة استراتيجي
...
-
تغيير الخرائط لا يصنع الدول: سوريا والكورد بين حق تقرير المص
...
-
من حراسة الحدود إلى صناعة الأمن الإقليمي كوردستان بين حماية
...
-
الطاقة الكوردية: الموارد وشبكات النقل - أين تكمن القيمة الحق
...
-
موسى عنتر... حين حاول الرصاص إسكات القلم
-
الجغرافيا الكوردية: من الموقع الجغرافي إلى الأصل الاستراتيجي
...
-
ماذا يملك الكورد؟ ولماذا لا يتحول ما يملكونه إلى قوة؟ في فجو
...
-
بين قنديل ودمشق الدلالات الاستراتيجية لتصريح جميل بايق بشأن
...
-
الكورد والقوة التي لا تُرى من -الحاجة إليهم- إلى -الحاجة إلى
...
-
القضية الكوردية: من حق تقرير المصير إلى صناعة القدرة على تقر
...
-
من تفكيك القوة إلى تفكيك الموقف قراءة استراتيجية في مسار ما
...
-
من التهجير إلى تثبيت الواقع هل توقّف التغيير الديموغرافي في
...
-
نحن لا نخاف من الحرب؛ نحن نعرف ثمنها
-
من اغتيال سيپان إلى استهداف الاستقرار: مقاربة تحليلية لفرضية
...
-
من توحيد البيشمركة إلى بناء منظومة الأمن القومي الكوردي توحي
...
-
اغتيال سيپان شيخموس كورمي: هل تستهدف الجريمة شخصاً أم مشروعا
...
-
بين الاستقلال وإعادة تعريف العلاقة مع المركز ماذا تقول التجا
...
-
من يمثل الكورد؟ ومن يملك حق صياغة سوريا الجديدة؟ اتفاقات الق
...
-
الكورد السوريون في زمن الصراع التركي-الإسرائيلي من قضية قابل
...
المزيد.....
-
تصاعد وتيرة اعتداءات الاحتلال والمستوطنين في الضفة: اعتقالات
...
-
ديانا بطو في الأمم المتحدة: لا مساءلة حقيقية في غزة من دون م
...
-
ممداني يخطف الأضواء خلال اجتماعات الأمم المتحدة
-
زاخاروفا: الوفد الأوكراني في الأمم المتحدة تظاهر بعدم فهم ال
...
-
مصر ترد على -أوهام- إسرائيل من منبر الأمم المتحدة
-
مصر توجه رسالة صارمة لإثيوبيا أمام الأمم المتحدة
-
82 دولة متأخرة في السداد.. أزمة مالية تهدد عمل الأمم المتحدة
...
-
الأمم المتحدة تدرج 214 شركة تعمل في المستوطنات بالأراضي الفل
...
-
ما وراء الخطابات.. كيف يستغلّ قادة العالم منبر الأمم المتحدة
...
-
غزة أمام انهيار اقتصادي وتعليمي غير مسبوق.. والأمم المتحدة ت
...
المزيد.....
-
الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان
...
/ كوران عبد الله
-
“رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”.
/ أزاد فتحي خليل
-
رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر
/ أزاد خليل
-
سعید بارودو. حیاتي الحزبیة
/ ابو داستان
-
العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس
...
/ كاظم حبيب
-
*الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 *
/ حواس محمود
-
افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_
/ د. خليل عبدالرحمن
-
عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول
/ بير رستم
-
كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟
/ بير رستم
-
الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية
/ بير رستم
المزيد.....
|