أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سلامه ابو زعيتر - بين صمود الأجيال وشكليات الحلول المؤقتة لإنقاذ تعليم غزة















المزيد.....

بين صمود الأجيال وشكليات الحلول المؤقتة لإنقاذ تعليم غزة


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 16:15
المحور: المجتمع المدني
    


حين يتكدس أكثر من سبعين طالباً وطالبة داخل غرفة دراسية واحدة، متراصين على مقاعد متهالكة أو مفترشين أرضية خيمة باردة تلاعبها الرياح العاتية، فإننا لسنا بصدد عملية تعليمية تحكمها معايير التربية وأصول التدريس، بل نشهد فصلاً جديداً من المشاهد الاستعراضية التي تحاول عبثاً إخفاء أزمة هيكلية عميقة جرفت مقومات الحياة، فبعد أعوام دراسية متتالية حُرم خلالها نحو 700 ألف طفل في قطاع غزة، ممن تتراوح أعمارهم بين الخامسة والسابعة عشرة عاماً، من حقهم في التعليم النظامي جراء الدمار الهائل الذي لحق بالبنى المدرسية، تطل علينا محاولات خجولة ومتواضعة لترميم بعض المدارس جزئياً أو نصب خيام مهشمة تحت شعار براق يدعي عودة التعليم وتعافية، غير أن هذه المبادرات ترتطم بعجز صارخ وفاضح في تحويل قشور الشكل إلى جوهر حقيقي يكفل حماية مستقبل الأجيال القادمة.
إن مجرد الحديث عن انتظام الدراسة في ظل هذه القسوة يصطدم بصخرة الواقع المظلم، فكيف لعقل طفل أن يتلقى معرفة أو يستوعب درساً في حيز ضيق يحشر سبعين طالب في قاعة واحدة، لا سيما طلبة الثانوية العامة الذين يرزحون تحت وطأة مصير مجهول يهدد طموحاتهم؟ وكيف لمعلم مثقل بهموم النزوح وقهر العيش أن يقدم رعاية تربوية أو تفاعلاً حقيقياً وسط صخب وضوضاء تفقد الفصل أي مقوم من مقومات الأمان والهدوء؟ إن هذه الفصول المكدسة، أو الخيام البدائية التي تفتقر للإنارة والتهوية الجيدة وتتأرجح بلا رحمة بين لهيب الصيف وصقيع الشتاء، لا تعدو أن تكون امتداداً لمعاناة الطلبة النفسية والجسدية، ومساحة قهر جديدة بدلاً من أن تمثل الملاذ الآمن والدافئ لاكتساب المعرفة. ومن هنا تتكشف الأبعاد الأخلاقية والإعلامية الخطيرة؛ إذ تُختزل مبادرات إعادة فتح المدارس في تقارير إعلامية وردية تروج لصور خادعة عن انتظام الحياة، بينما الواقع يؤكد أن الجوهر التعليمي يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الاكتظاظ وانعدام أبسط مقومات البنية التحتية السليمة.
في مواجهة هذا العبث اللوجستي والقصور الإداري الفادح على الصعيدين الدولي والمحلي، يسطع المشهد الأكثر نقاءً وبسالةً والمتمثل في تمسك الأسر والطلبة القاطع بالتعليم باعتباره حصناً أخلاقياً ودرعاً وطنياً لا يلين؛ فالطالب الذي يشق طريقه وسط أنقاض الخيام حاملاً كراسته الممزقة، وتلك الأم التي تقاوم قسوة النزوح وشح الموارد لتصنع من الخيمة فصلاً دراسياً لأبنائها، إنما يتجاوزون حدود الممارسات المدرسية التقليدية ليخوضوا ملحمة حية من الصمود، ومقاومة باسلة للجهل ومساعي ضياع المستقبل، وهذا الإصرار الفطري والنابع من عمق الوعي الشعبي هو وحده ما يعوض عجز المنظومة وتراخي المؤسسات، وهو البرهان الساطع على أن المجتمع الفلسطيني يدرك بالفطرة أن المعرفة ليست مجرد تحصيل أكاديمي، بل هي سلاحه الاستراتيجي الأبدي للبقاء والوجود.
إن التخريب الممنهج الذي طال قطاع التعليم في غزة يتجاوز بكثير كونها أزمة عابرة يُمكن تطويقها بترميم بعض الجدران المتصدعة أو توزيع دفاتر مقيدة على أطفال يعانون القهر؛ بل هو هدمٌ جذري يستهدف ركيزة الوجود الأساسية ومستقبل المجتمع الفلسطيني بأكمله، فحين يتسع الفاقد التعليمي وتتراكم سنوات التوقف عن مقاعد الدراسة، تتسع معها فجوات معرفية عميقة ومنهكة تلتهم مهارات الجيل الصاعد وقدرته الإنتاجية، وتدفعه قسراً نحو دائرة مظلمة من الجهل والبطالة والهشاشة الاجتماعية التي ستلقي بظلالها الثقيلة لعقود طويلة قادمة، وإن ضياع المدارس هو في حقيقته تبديد لعقول المستقبل، وتدمير الجامعات وقاعات الدرس هو استهداف مباشر لجذور النهضة والبناء ومفاتيح الصمود؛ وفي عصر بات فيه العالم متمسكاً بالثورة الرقمية والتعليم الافتراضي والمنصات الذكية، تظل غزة تقاسي جراحات الحرب وتداعياتها القاسية، حيث تصطدم تلك التقنيات بجدار الدمار وانعدام أدنى مقومات الحياة والكهرباء والاتصالات، لتصبح خيارات التعلم الإلكتروني رفاهية منقطعة النصل، وغائبة عن أغلب الأسر المهجرة والنازحة التي تفتقر لأبسط مقومات البقاء الإنساني.
ولأن قضية حماية التعليم في غزة أرفع من أن تبقى رهينة للحلول الترقيعية والمشاهد الاستعراضية العابرة التي لا تعدو كونها محاولات لرفع العتب، بل هي أمانة تاريخية وأخلاقية ملقاة على عاتق المؤسسات الفلسطينية بكافة قطاعاتها، والمجتمع الدولي، والمنظمات الأممية؛ فإن الخروج من هذا النفق المظلم ومعالجة أزماتنا الراهنة يستوجب بناء منظومة حلول عملية ومتكاملة، وتبدأ هذه المنظومة باعتماد نظام التعليم المدمج والمرن لتخفيف طوفان الاكتظاظ عبر الدوام التناوبي واستثمار ما توفر من أدوات رقمية، يوازيها إطلاق صندوق وطني ودولي عاجل لصون كرامة معلمي غزة وتوفير الحوافز المعيشية وبرامج الدعم النفسي المكثفة لهم، كما تتسع دائرة الحلول لتتجاوز جدران المدارس المدمرة نحو استثمار المؤسسات الأهلية والمساجد الآمنة والنوادي المجتمعية كمراكز تعلم مصغرة ومشتتة للكثافة، ولجسر هوة الفاقد التعليمي، تبرز الحاجة الملحة لتصميم مناهج مكثفة وموجزة ترتكز على المهارات الأساسية بعيداً عن أية ضغوط نفسية مدمرة، إلى جانب تشكيل خلية أزمة أممية وفلسطينية ضاغطة لتوفير خيام ذات عزل حراري آمن، وحماية مسار امتحانات الثانوية العامة بآليات منتظمة تضمن عدم ضياع المستقبل الأكاديمي للطلبة، والعمل على تقديم الدعم النفسي والاجتماعي بشكل متوازي مع العملية التعلمية...
إن الغاية المنشودة اليوم تتجاوز بكثير مجرد الإعلان الشكلي عن فتح الأبواب؛ فنحن أمام استحقاق وطني وأخلاقي عاجل يقضي بالانتقال الفوري من بحر الاستعراض الإعلامي إلى ضفة الإنقاذ الجذري، وتوفير بيئة تعليمية آمنة تصون آدمية أطفال غزة وتكفل لهم حقهم الأصيل في الحياة والتعلم، وإن إنقاذ مقاعد الدراسة اليوم ليس مجرد مهمة تربوية عابرة، و استعراض شكلي، أو دعاية انتخابية، بل هو معركة بقاء واستعادة لوعي الأجيال، فمن يفرط في تعليم أطفال غزة، إنما يفرط في عمودها الفقري ومستقبل قضيتها برمتها؛ ووحده التحرك الجاد والمسؤول من كافة الأطراف هو الكفيل بأن يصنع من بين ركام الخيام منارة تبدد عتمة المستحيل.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ملحمة صمود القطاع الصحي في وجه الإبادة
- معالجة المشاكل الأسرية وصحتها تحصين للمجتمع
- المنظمات الجماهيرية والشعبية بين أزمة التحلل المؤسسي وضرورة ...
- معايير الصحة والسلامة المهنية الشاملة في مشاريع الإعمار والت ...
- مستقبل العمال والتشغيل بين أنقاض الحاضر وأمل التعافي
- صرخة لإنقاذ جيل يحارب الفوضى من أجل حقه في التعلم
- الموت الصامت يتربص بالآمنين في منازلهم المهترئة
- نحو مأسسة مهنية للعمل الاجتماعي والنفسي وبيئة ممارسة آمنة
- زواج الخيمة وبناء الأسرة في ظل النزوح بقطاع غزة
- أصالة النبل في مواجهة الخذلان
- سوسيولوجيا عمالة الأطفال في قطاع غزة في ظل حرب الإبادة
- رؤية لإسناد عمال قطاع غزة من الإغاثة العاجلة إلى سياسات التش ...
- ميثاق العمل ومدونة السلوك لحماية مستقبل الأخصائي النفسي والا ...
- الاستقلال المالي للأخصائي النفسي والاجتماعي في غزة، بين الفر ...
- خلف أرقام المانحين.. الحقيقة المسكوت عنها عن ميزانيات الدعم ...
- حق الاستقرار الوظيفي والاجر العادل للأخصائي واجبة لتأسيس حيا ...
- من يداوي المداوي؟ الأخصائي النفسي والاجتماعي في غزة بين النب ...
- وحدة الكوادر الصحية خط أحمر.. فالواجب الوطني والإنساني لا يُ ...
- التعافي المجتمعي في غزة خط الدفاع الأول فيه الأخصائي الاجتما ...
- سوسيولوجيا التكافل والضغط البنيوي بين النازح والمقيم في غزة


المزيد.....




- شاهد.. قارب مطاطي للمهاجرين مكتظ يتجه إلى بريطانيا تحت أنظار ...
- في طريقه إلى الأمم المتحدة.. نتنياهو يعبر أجواء 3 دول أوروبي ...
- -سلطان من ورق-.. كاتس يهاجم أردوغان على خلفية خطابه أمام الأ ...
- نتنياهو يستعد لـ-قول الحقيقة عن ممداني- في الأمم المتحدة
- اليمن: أطفال على حافة المجاعة وسط استمرار القتال وموجات النز ...
- الحبتور يشيد بكلمة الشرع في الأمم المتحدة ويلمح للعودة عن تج ...
- اقتحام الأقصى وهجمات للمستوطنين ونسف منزل واعتقالات بالضفة
- فيديو منسوب إلى -لقاء بين أردوغان ونتنياهو خلال اجتماعات الأ ...
- رئيس إيران يرفع صورة المرشد السابق علي خامنئي في الأمم المتح ...
- خطاب الأمم المتحدة


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - سلامه ابو زعيتر - بين صمود الأجيال وشكليات الحلول المؤقتة لإنقاذ تعليم غزة