أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد يحيى عبيد - الجنود يثأرون من المكتبة















المزيد.....

الجنود يثأرون من المكتبة


عماد يحيى عبيد
محام ، كاتب وناشط حقوقي وسياسي مستقل

(Imad Yhya Obeid)


الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 14:57
المحور: الادب والفن
    


مكتبة ممدوح عزام تطلق العار على الجنود
من قال إن الحبر يتيم ومسالم؟ من قال إن الكلمة مهيضة الجناح؟ هل سترفع الأقلام يوما؟ وهل ستجف الصحف؟ ... الجواب لدي التاريخ، فمكتبة الإسكندرية أحرقت مرتين، وأحرقت كتب ابن رشد، ومكتبة بغداد أغرقت في نهر دجلة، وأعدم آلاف الكتاب والمفكرين والعلماء، وبقي الحبر والقلم والكلمة ينازلون الجهل والطغاة والظلام، وها هم اليوم يتحدّون تكنولوجيا الموت المعاصر.
في كتابه الأخير (من الشمال حتى الجنوب) يأخذنا ممدوح عزام إلى رواية سيرية يولي فيها البطولة إلى المكتبة كشخصية اعتبارية معنوية، وينيط بها مهمة مقارعة الغزاة الجدد، لكنه لايتركها وحيدة، فتؤازرها البيئة ببشرها وحجرها وشجرها، وحين يشتد الحصار عليها يتدخل الراوي، وينتقل بنا إلى فضاءات الذكريات والهواجس والكتابة والكتّاب محاولا إلهاء الجنود عن استفرادهم بالمكتبة واغتصابها.
أعترف أني دخلت هذا الكتاب المغفل التجنيس متوقعا أني سأقرأ سرديات وخواطر عن أحداث مؤلمة وقاسية انتابت الكاتب – وهو الروائي المعروف – إثر الهجمة البربرية التي قام بها الغزاة الجدد لمحافظته السويداء، لكني خرجت برواية حداثية تمتلك جدارة التجنيس لهذا الفن بامتياز، ولئن تغاضى الكاتب عن تجنيسها، لكنه ترك للقارئ حرية التسمية، وبما أن التجريب لا يتوقف عند الشكل ولا يتأبد في نماذج محصنة، وحيث أن الكفر بالقوالب الصنمية إيمان بنبوءة جديدة، ولأن الخيال حالة انثيال ترتقي بالواقع، وإن كان الواقع ملهم الخيال، وطالما مهمة الكتابة أن تثير الأسئلة أكثر مما تطرح الأجوبة، فما من حرج على القارئ أن يلاقي الكاتب على الناصية التي التقاه بها مرارا، في رحاب الرواية، سيما وأنها حائزة على الشروط الأساسية لهذا الفن من حيث الأسلوب واللغة والشخوص والحدث والخيال والحبكة. ولكم أن تصنفوها كتابة عابرة للأنواع.
يكسر الكاتب ممدوح عزام في عمله هذا نمطية السرد الروائي المتداول بأسلوب ابتكاري مفارق للمألوف في الكتابة الروائية، خارجا عن القواعد النسقية القارّة، هذا الكسر المنبثق من تجربتة الإنسانية، متكلا على الحيلة الراوائية في دمج الواقع بالخيال، مستثمرا سيرته الذاتية كحكايات معززة للرسالة الرؤيوية لهذا العمل، ومنطلقا من الحدث الأهم، تلك الغزوة الهمجية التي شكلت جذع شجرة الرواية المتفرعة والمتغصّنة بالأحداث المواكبة.
حين تعجز الأسلوبية السائدة عن التعبير عن مكنونات الكاتب، وحين تطرأ متغيرات تؤثر في رؤية الكاتب للعالم، يلجأ إلى الإبداع والابتكار عما يريد قوله، وفي هذا يقول المنظّر الروائي ميخائيل باختين: (إن الموضوع الرئيسي الذي يخصص جنس الرواية، ويخلق أصالته الأسلوبية هو الإنسان الذي يتكلم وكلامه)، من هنا جاء هذا الكتاب كخيار فني واع ومقصود استولد محمولا على بناء مختلف وجده الكاتب أنه الأجدر بنقل هواجسه وانبجاسها من مرجل محتقن بالوجع والخذلان والخبايا.
تبدأ الرواية من حلم اليقظة الذي سماه الكاتب (حلم القتل)، قتله وقتل مكتبته، والقاتل من أخوة التراب، هذا القاتل الذي غزا مدججا بالأسلحة الثقيلة والخفيفة والنار لم ينس أن يجلب معه مقصات الشوارب، فلم تكن غايته بسط سلطته فحسب، بل الغاية الأبرز الإهانة والإذلال واستعراض التوحش.
لئن كان الحدث الرئيس يتمحور في حادثة اقتحام بيت الراوي من الجنود (الراوي والكاتب شخصية واحدة)، فمن هنا يبدأ الخيال بصناعة الحدث، تبئيره وانفلاشه، - وكما هو معروف لم يكن الكاتب موجودا أثناء الاقتحام - لكنه يتخيل المواجهة بينه وبين الجنود، الجنود المؤللين بالعدة والعتاد والمتشربين لذهنية القتل والسلب من جهة، والكاتب وزوجته والمكتبة التي أضحت ثقلا مضافا في الجهة المقابلة، كأنها مواجهة بين المعرفة والجهل، بين النافذة والجدار.
هذه المواجهة التي لم يحسمها الكاتب حتى نهاية الكتاب، يراوغنا في مفاصل السرد متنقلا بين سيرته الحياتية في توظيف ذكي متعالق مع الحدث، ومعرجا إلى المكان وأهميته حيث يؤنسنه بناسه وأهله وحكاياتهم وأحلامهم وسيرهم، ولا ينسى الحجر والشجر والعشب والتراب، وكلما أوفى الفكرة دورها يعود إلى المواجهة بينه والجنود.
المكتبة هي البطل المحرك للحدث، هي ليست المكتبة المركونة في بيت الكاتب، على الرفوف وفي الخزائن وفي المستودع، هي المكتبة الإنسانية برمزها المعنوي، بثرائها القيمي، بدورها التنويري، لذا يعرج الكاتب على أسماء الكتب والكتاب والأعلام الذين أثروا التجربة الإنسانية، ويستخلص منهم العبر والأفكار والشواهد، وقد يظن القارئ الساذج أن هذا الاستذكار للكتب والكتاب هو من قبيل الاستعراض الثقافي والمعرفي لمخزونه الثر، غير أن هذا التوظيف يأتي كحالة حشد للأفكار واستنجاد بهم للمؤازرة في المواجهة، وفي سهمية أدق إنها المعركة الدائمة بين تاريخ المعارف والأدب والفن والعلم، وبين العقل المستلب المحشو بذهنية الغزو والقتل، بين الظلمة والنور.
تعمد الكاتب أن يسمي الغزاة بالجنود، وهو يعلم تمام العلم أن جميعهم ليسوا جنودا، فهناك أبناء العشائر المنفلتين، وهناك المدنيون المغسولون بتعاليم الدمّ الذين لبّوا نداء الفزعة (لبّت ... لبّت)، وهناك السراق والنهابون، لكن تسمية الجنود جاءت مقصودة لتشير إلى السلطة التي كانت وراء تلك الغزوة، فالجندي يتبع الجيش والجيش ابن السلطة.
يستطرد الراوي في عرضه للأفكار المتخيلة في المواجهات بين الجنود والضحايا، ويأخذنا إلى تساؤلات مشروعة، لماذا تقبل الضحية أن تحفر قبرها مادامت تعرف أنها ستقتل؟ لماذا يقبل بعض الأهالي أن يبقوا في بيوتهم وهم على يقين بأن الغزاة قادمون لإبادتهم، لماذا يحرق الجنود البيوت بعد سلبها وقتل أهلها؟ ثم ينقلنا إلى فكرة جوهرية مدعمة بالشواهد تحذر من عبثية التعويل على الشعب في دحر الطغاة، ليؤكد أن الشعوب هي من تصنع طغاتها.
الرواية جاءت خالية من الأبواب والفصول والعناوين الفرعية، جاءت كسرد متواصل، وعلى القارئ أن يركض مع أحداثها بشوق يخالطه الوجع والحرقة، وكأننا أمام مشاهد درامية متعاقبة، تؤلم القارئ بتراجيديتها الواقعية، لكن الكاتب بحنكته ورشاقته في الانعطاف بين المشاهد السردية يلجأ إلى تطعيمها باسترجاعات استذكارية أو حكايات تؤنس القارئ وتخفف من حدة الاحتقان، ذلك حين يحدثنا عن سيرته الشخصية وأسرته وعلاقته بالكتابة ويوصف ويصور لنا المكان المؤثث بالحجر والبشر والشجر.
صحيح أن لغة الرواية جاءت تقريرية عموما لتؤدي غرض التوصيل المباشر، لكنها لغة موظفة فنيا وخادمة لخصوصية الرسالة الرؤيوية لفكرة العمل وغايته، فيها إشراقات أدبية تسنو عند الحاجة، وساهم الخيال في النهوض بالسرد ليمكر على القارئ وليأخذ الراوي مساحته في السرد المرسل والاسترجاعي، فدخل إلى عوالم الأشخاص الضحايا وتخيل مواجهاتهم للموت أوالفرار أو التحدي، ليأتي الوصف والتصوير مكملان للمعمار الفني، ولعل دموية الأحداث ووحشية الأفعال وبشاعة المشاهد التي استحضرها الراوي من الوقائع الواقعية المكتظة بالكوارث والجرائم، كانت من الجسامة بمكان ما يجعلها تقسو على القارئ وتفتك بنياطه، فما البال بمن عايشها وذاق حرقتها.
دخل الجنود دار الكاتب بعددهم وعتادهم ..، لم يعثروا عليه ..، خابت مساعيهم بقتله ..، لم يُشف غليلهم ..، وجدوا أنفسهم وجها لوجه مع المكتبة ..، تحدتهم بصمت ..، قاومتهم بترفعها عن المنازلة غير المتكافئة ..، هازئة منهم ..، مشفقة عليهم ..، طوقوها بأسلحتهم ..، سرقوا الأثاث والعدد والأغراض ..، نهبوا ما استطاعوا ..، تفرغوا لها ..، لكدوها بحرابهم ..، أطلقت عليهم العار ..، شتموها بأقذع السباب ..، تقصدوا الطعن بشرفها والنيل من أنوثتها ..، خرج إليهم آلاف الكتّاب ..، مئات الآلاف من الأسماء والأعلام ..، ملايين الشخوص الروائية ..، ارتعبوا ..، هاجوا ..، تغيرت كفة النزال ..، لم يعد يكفي رصاصهم وبارودهم لقتل كل هؤلاء ..، فاغتصبوها حرقا وتركوها رمادا.



#عماد_يحيى_عبيد (هاشتاغ)       Imad_Yhya_Obeid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قارئةُ كفِّ الليلِ - إلى نازك الملائكة في ذكرى رحيلها
- على خطى الملاح الأشقر
- ونحن أيضا نحب أنسي الحاج
- حوار الذات ومخاطبة الشبيه
- للكأسِ ثلاثةُ أنصافٍ
- مسرحية الأمم المتحدة
- السويداء والخيارات الصعبة
- المظلومية ... ديكتاتورية المصطلح
- الدولة المستحيلة
- مرثية لغد مضى
- البرناسية، قداسة الفن
- موقف الأديب بين الانحياز والتحيز
- النصوص الدستورية وحقوق المرأة السورية
- الإعلان الدستوري السوري، خطوات إلى الوراء
- الديمقراطية وشرعنة الديكتاتورية
- العرب خيمة وسوق
- بين مدينة إفلاطون وإمارة ميكافيللي


المزيد.....




- مخرجون شباب من 9 دول بينها السعودية يجتمعون في موسكو لصناعة ...
- من كعكات القمر إلى رقصة الأسد.. كيف تحتفل آسيا بعيد منتصف ال ...
- الجزائر ترشح فيلم -رقية- للمخرج يانيس كوسيم للمنافسة على أوس ...
- رجل عصر النهضة في القرن التاسع عشر.. فلاديمير دال على طاولة ...
- تراجع غربي وصعود آسيوي في عالم الثقافة
- حسن الشافعي يفاجأ بخبر القبض عليه في قضية مخدرات.. ويكشف الت ...
- -سيحمل أسرارا لم يسمع بها أحد-.. ميلانيا ترامب تعلن عن وثائق ...
- جداريات روسيا والعالم.. فن الشارع الذي يحوّل المدن إلى متاحف ...
- بلا مجاملات.. ما قاله عمالقة الأدب الروسي عن بعضهم بعضا
- ملتقى -زمن الأبطال- للأفلام الوثائقية لأول مرة في الأردن


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد يحيى عبيد - الجنود يثأرون من المكتبة