عماد يحيى عبيد
محام ، كاتب وناشط حقوقي وسياسي مستقل
(Imad Yhya Obeid)
الحوار المتمدن-العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 02:56
المحور:
الادب والفن
قراءة في رواية (أحببت أنسي الحاج) للأديبة السورية نهلة كامل.
كلما قرأت رواية تحضرني دعابة المفكر والروائي الإيطالي (إومبرتو إكو) القائلة: (على الشعراء أن يتوقفوا عن كتابة الشعر بعد سن الثلاثين، وعلى الروائيين ألا يكتبوا روايتهم قبل سن الستين)، غير أن ما وراء هذه المقولة لا يجعلها مجرد دعابة، بل هي رؤية ساهمة مستولدة من وعي ناضج يدرك دور الأدب وجماليته وسموه، فالإنسان بعد أن يتجاوز متاهات المنتصف من العمر يبدأ بجردة حساب لغابرات الأيام، يجني ما خمرته الفصول وصقلته التجارب، يمزج بين ميعة الصبا ووقار الفضة، يقول مقاله كما يتوجب المقام.
مع رواية (أحببت أنسي الحاج) للأديبة الصديقة (نهلة كامل) تذكرت مقولة (إكو) تلك وقفزتُ بذاكرتي أيضا إلى كتاب الكاتب الأمريكي (تود هنري) الذي يحمل عنوان (مت فارغا)، حيث يطلب (هنري) من البشر أن يفرغوا حمولتهم من الأفكار والمعارف والتجارب والأدب قبل أن يداهمهم جرس الرحيل.
في هذه الرواية، المختلفة نهجا وأسلوبا ولغة ومتنا، تأخذنا الكاتبة إلى عوالمها الشخصية، وكأننا برواية سيرية تحكي فيها تجربتها وعراكها مع الأيام برطبها ويباسها، لكن حين ننتهي من القراءة سنعرف أن الرواية بأحداثها وانعطافاتها ومعمارها أبعد من أن تكون مجرد رواية سيرة ذاتية، فالخاص فيها متداخل مع العام، والذاتي مع الآخر، لكن الهم الوجداني الإنساني والأسئلة الوجودية القلقة هما الثيمة الأبرز للرواية، وهنا أيضا تحفزنا هذه الرواية لنستذكر رواية الأديبة (غادة السمان)، (الرواية المستحيلة – فسيفساء دمشقية) التي تسرّب فيها غادة جزءا من سيرة حياتها بطريقة توظيفية لخدمة مقولات الأفكار السامية، وكأني بالكاتبتين تتكئان على سيرتيهما لتكتبان الواقع بما كان وما يجب أن يكون، فضلا عن إعادة إنتاج الأفكار والمعارف ونسجها في المتن الحكائي لإضفاء قيم فوقية، وهذا من أهم رؤى الكتابة الروائية.
استخدمت الكاتبة في هذه الرواية أسلوبية مغايرة للمألوف في الكتابة الرواية المعتادة، أسلوبية الحيلة والمكر الروائي، بدءا من عتبة العنوان (أحببت أنسي الحاج) مرورا بالوقفات الموجهة للقارئ وتسميتها للرواية (اللامنشور) و(الرواية القاتلة)، /هنا نلحظ التشابه في مرامي التسمية بين رواية غادة السمان (الرواية المستحيلة) ورواية نهلة كامل (الرواية القاتلة)/ والاستدراكات التضليلية في خلط أسماء الشخوص، فضلا عن إشراك القارئ بالتفكير معها حين تخاطبه بـ (شريكي القارئ) وتعريجها على مقولات المفكرين والأدباء خدمة لأحداث روايتها، وليس انتهاء بالخاتمة المفتوحة دون حتميات أو نتائج مقفلة.
لئن كان أنسي الحاج الحاضر المعلن في سرديات الرواية، لكنه لم يكن الأوحد، فالساردة تعرفه وتحبه قبل أن تلتقيه، أحبته من كتاباته ومن (رسولته بشعرها الطويل) وكأنه كتبها لها، أحبته بعد أن أهداها حبيبها (نبيل) كتب أنسي الحاج، وارتفع منسوب الحب بعد مراسلتها له ثم لقاءاتها به، أحبته بعد الحوارات الثرية والدخول إلى عوالمه الرصينة ورؤيته للحياة المتجاوزة لنمطيات الإيديولوجيا والفكر المعلب.
لكن قبل أنسي الحاج هناك نبيل الحبيب الأزلي الذي لا ينسى والشخصية المرموقة في الوسط الأدبي والمعرفي السوري والعربي، وإن موهت الكاتبة الاسم فالقارئ سيعرف أي حبيب أسطوري هذا النبيل.
ولئن أعلنت الساردة عن محبتها لأنسي الحاج، فلم يكن الحبيب الوحيد، فهذه السيرة الطافحة بالأحداث والريانة بالتجارب والعاتية بالظروف والمناسبات تؤهلها للسماح لقلبها أن يجاهر بنواياه ويؤثر ويتأثر كما يليق بجمال روحها، سيما إن عرفنا أن هناك ثمة مؤامرة محمودة بين حسنها الملفت وعقلها المشرع على نوافذ الحياة، كل ذلك منحها تأشيرة بيضاء لتُحِبَّ وتُحَبَّ.
اختارت الكاتبة شخوص روايتها من النخب الواعية الناضجة، ومعظمهم صنعتهم أبطالا، بل هم بالفعل أبطال، حتى الساردة نفسها تبوأت عرش البطولة ووزعت مراتب التتويج حولها على أبطالها الإيجابيين عموما، فأنسي الحاج ونبيل غنيان عن التعريف، وسوزان تلك الصديقة المتمردة الكاسرة للقيود والمناكفة لقدرية الأهوال، وعزيز ذاك البعيد القريب الملتبس المفكر البسيط المعقد، ويوسف أيقونة البراءة والتضحية، والأستاذ الشاعر الذي لايخشى في الحق لومة لائم، وحسام الشخصية الإشكالية المواربة التي خيبت أمل حبيبته (الساردة)، أما الشخصية الأيقونية المنزهة فكان والدها، وليس أدق من لقب (النزيه الشريف) ليوصف به، كلها شخصيات مركبة وفوق وسطية، ناضجة ومؤثرة.
اعتمدت الكاتبة على بنائية الجذر والتغصين في معمار روايتها، فكانت هي الجذر الراوي المتكلم، ومنه انبثقت أغصان الشخصيات الأخرى، فجميع شخصيات الرواية (اللامنشور) تمر عبر الجذر (السارد المشارك بالحدث)، بغض النظر عن تفوق بعض الأغصان على الجذر في الحياة الواقعية، لكنهم جميعا طوع مخليتها في هذا البناء الروائي.
مع كل اليقين والإدراك بوجوب محاكمة وقراءة أي عمل ادبي بوصفه فنا متخيلا صرفا وخاصة العمل الروائي، ومع كل معرفتنا بالتشابه بين الواقع والخيال والاسقاطات من المخيال إلى المعاش، لكن القارئ القريب لايستطيع الخروج من أجواء الكتابة إلا بعد ربط المكتوب بالواقع، فيبدأ بالتكهن والاستفسار عن مجريات الأحداث وعلاقة أبطال الرواية بها ومدى تمثيلهم في الحضور الحقيقي، وهذا ما يضفي على العمل التشويق والجذب، وبعد أن نعرفهم، سنكتشف أن الكاتبة وإن أغفلت أسماءهم الحقيقية لكنها عوضت عن ذلك بأسماء دلالية يتطابق فيها المعنى مع قيمة الشخصية، ولم يأت ذلك اعتباطيا، فشخصية نبيل من النبل وهو ما أرادت أن تصف به الكاتبة حبيبها المائز، وعزيز هو الشخص الأقرب لها، ويوسف المقتول بأيدي أخوة التراب كيوسف بت يعقوب الذي رموه أخوته في الجب، والأستاذ هو القدوة والمعلم،
لجأت الكاتبة إلى السارد المشارك في رواية أحداث روايتها، مزجت من خلاله بين السرد الاسترجاعي / الذي سيطر على معظم مفاصل الرواية/ والسرد المرسل والمتقطع / أشبه بالمنولوج الدرامي/ وتقنية الغرف المغلقة، حيث ينوجب على القارئ أن يبقى مشدود الحواس، ليتمكن من الربط والتقصي والاستنتاج.
لغة الرواية لغة حداثية وغير مستهلكة بالمفردات ومتمردة على طريقة القص الحكائي الكلاسيكي، انتهجت نهج التداعيات في معظم مفاصل الرواية، وجاءت عبر سرد متقطع غير مترابط يتشابه مع أسلوبية تيار الوعي في الانسيابات المتدفقة من الرأس بلا ضوابط منطقية، تارة تكتب باللغة التقريرية في توصيفها للحدث، وتارة تنتقل إلى اللغة اليقينية حين تستعين بمقولات المفكرين والفلاسفة والأدباء والمواقف الجازمة للشخصيات. وأخرى تفك لجام مخليتها لترمح في طراد بلا أمداء.
قد يلحظ القارئ أن هناك إطناب وتطويل في السرد، بل سنجد تكرارا لبعض الأحداث والأفكار، كأن الكاتبة تستعرضها على أنها من الأهمية بمكان مما يستوجب التركيز عليها، وأحيانا تسلك مسلك التهويمات في انشطاحات سردية لايبرر لها إلا تماهي القارئ (الشريك) أن يغفر لها هذا الانسياب السردي.
وسيتوقف القارئ في محطات كثيرة في رحلته مع هذه الرواية مع الاستشهادات بمقولات الأدباء والفلاسفة والمفكرين، تسعى الكاتبة في توظيفها لخدمة العمل الروائي لتبلور رؤاهم المعرفية ومقولاتهم الرسالية، وفقت في الكثير منها لكن القليل جاء بما يشبه الاستعراض المعرفي والتكلف المُثْقِل للنص السردي.
أكثر ما لفتني في هذه الرواية هو تمردها، حيث يبدأ التمرد من عتبة العنوان ويمضي مع أسلوبية السرد المختلفة المفارقة للمألوف، ويتألق في صدقية الأحداث وصراحتها وجرأتها وشفافية البوح، ويحلق مع لواعج أبطالها وسمو أفكارهم وجلالة رسائلهم وقلقهم المضني واضطراباتهم الحائرة، فالكاتبة اختارت أبطالها من النخب الواعية المكنوزة بالعلم والمعرفة، وأدخلتنا إلى مجاهليهم، سقتنا من خمرة جرارهم ما يسكر ولا يشوش، لكنها بالوقت نفسه أخبرتنا أنهم أناس من لحم ودم، فمعظمهم يعاني من ثقل الحياة وانكسارات الآمال والأحلام، ومدى القروح التي فتكت بهؤلاء النخب أصحاب المشاعر الحساسة والأخيلة الموؤدة.
في هذه الرواية سنرى أيضا خليطا عجيبا من الأفكار والتحليلات، منها ما هو تلخيص لنتاجات فكرية اشتغلت الكاتبة على توظيفها في خدمة عملها هذا، ومنها ما هو واقعي عند سردها لمشاهد لم تمر على معمل التخييل، ومنها ما هو منولوجات داخلية تهذي بسرائر أغوار نفسها بصدق وشفافية، وسنجد الاستعانة بالشعر والفلسفة مع المزامنة التاريخية للأحداث، فالكاتبة لديها مخزون متراكم من البوح والكلام والتجارب وتبحث عن فضاء لتطلق غزلانها المحبوسة، ففعلتها في هذا العمل الأدبي المتمرد، كأنها تطبق نظرية (هيرمان بروخ) القائلة : (إن السبب الوحيد لوجود الرواية هو أن تقول شيئا لا يمكن أن تقوله سوى الرواية).
في النهاية سأتوجه إلى القارئ كما كانت تفعل الكاتبة في وقفاتها السردية لأقول: عزيزي القارئ: هذه الرواية موجهة إلى أبناء الزمن الجميل، هذا المصطلح الذي نبذه البعض لكنه أثبت أنه الباقي طالما الزمن الرديء ما زال ممعنا في غلوه واستكباره و رذائله، فالكاتبة تستعرض تلك الحقبة التي تألق فيها الفكر والفن، يوم كان الحب مجازفة والكتابة احتراقا و الجمال تحديا والفرح سرقة مشروعة، وكانت العلاقات الإنسانية تسمو فوق كل تفاهات الفتنة والانعزال، استطاعت فيها أسماء لامعة منها أبطال هذه الرواية أن تترك بصماتها المرقوشة على جدران كعبة الإبداع الإنساني، زمن جميل عايشته كاتبة الرواية، ولحقنا به نحن جيل الستينات ثم أنفلت رسن القافلة بين ما قبله وما بعده.
الرواية تستحق قراءة مطولة وجامعة أكثر مما يسمح به هذا المقال، والكاتبة تستحق الثناء والشكر لجراة الأسلوب وشجاعة الصدق وسمو الأفكار.
في الخاتمة أقول: عزيزي القارئ، إذا كنت لا تعرف أنسي الحاج فستحبه من خلال هذه الرواية، أما إذا كنت تعرفه فستحبه أكثر.
#عماد_يحيى_عبيد (هاشتاغ)
Imad_Yhya_Obeid#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟