أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهند كاظم محمد - سلسلة أشياء لم ننتبه إليها.... الحلقة الثالثة عشر














المزيد.....

سلسلة أشياء لم ننتبه إليها.... الحلقة الثالثة عشر


مهند كاظم محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 14:55
المحور: قضايا ثقافية
    


الحقيبة… التي تكبر معنا

منذ أن يأتي الإنسان إلى هذه الدنيا، تبدأ حكايته مع الحقيبة قبل أن يعرف حتى كيف ينطق اسمها. حقيبة صغيرة تُجهَّز له بعناية، توضع فيها ملابسه الأولى، وبعض الأشياء التي يظن أهله أنه سيحتاجها في أيامه الأولى، وكأن الحياة تقول له منذ البداية: أنت قادم إلى رحلة طويلة، وهذه أول حقيبة في رحلتك. لا يعرف الطفل شيئًا عن الدنيا، ولا يعرف إلى أين سيذهب، ولا ماذا ينتظره، لكنه يصل إليها ومعه حقيبة أعدها له من يحبونه.
ثم يكبر قليلًا، وتأتي الحقيبة الثانية… حقيبة المدرسة. تلك الحقيبة التي كنا نحملها على ظهورنا كل صباح، فنشعر أحيانًا أنها أثقل من أجسادنا الصغيرة. نحمل فيها الكتب والدفاتر والأقلام، ونركض بها في الطريق، ونضعها جانبًا عندما نلعب، ثم نعود إليها عندما يحين وقت الدرس. كنا نظن أن الحقيبة تحمل كتبنا فقط، ولم نكن نعرف أنها كانت تحمل أول أحلامنا أيضًا. داخلها كانت هناك درجات ننتظرها، وواجبات نخاف نسيانها، وامتحانات نترقبها، وأحلام صغيرة عن المهنة التي سنصبح عليها عندما نكبر.
تمر السنوات، وتكبر الحقيبة معنا. تتغير الكتب، وتتغير الأشياء التي نضعها فيها، وتتغير معها نظرتنا للحياة. تصبح حقيبة الجامعة مختلفة، ثم حقيبة العمل أكثر جدية، ولم نعد نحمل فيها كتب المدرسة فقط، بل أوراقًا، وأجهزة، ومواعيد، ومهامًا تنتظر الإنجاز. شيئًا فشيئًا، لم تعد الحقيبة مجرد شيء نحمله، بل أصبحت جزءًا من يومنا، ترافقنا في الطريق، وتنتظر معنا عند أبواب العمل، وتعود معنا إلى البيت.
ثم تأتي مرحلة لا ننتبه إلى بدايتها… مرحلة يصبح فيها الإنسان مسؤولًا عن أشياء أكبر من نفسه. يبدأ التفكير في المستقبل، في العمل، في البيت، في الاستقرار، في الأسرة التي يريد أن يبنيها، وفي احتياجات من أصبحوا يعتمدون عليه. هنا تظهر حقيبة جديدة، لكنها لا تُرى. حقيبة لا نضعها على أكتافنا، إنما نحملها في داخلنا. نضع فيها طموحاتنا، وقلقنا، وخوفنا من التقصير، ومسؤولياتنا، والأشياء التي نريد تحقيقها قبل أن يمضي العمر.
في تلك المرحلة، تصبح الحقيبة أثقل من أي وقت مضى. فالإنسان لم يعد يحمل أشياء تخصه وحده؛ أصبح يحمل أحلامًا لآخرين، ومستقبل عائلة، وقلقًا على الأبناء، ومسؤولية بيت، ووعودًا قطعها على نفسه، وأهدافًا يريد أن يصل إليها حتى يشعر أنه أدى ما عليه. وربما يبتسم أمام الآخرين وهو يحمل هذه الحقيبة الثقيلة، لأننا تعودنا أن نخفي تعبنا كما نخفي الأشياء في جيوب حقائبنا.
المفارقة أن الإنسان طوال حياته يحاول أن يجعل حقيبته أخف، لكنه في الحقيقة يضيف إليها شيئًا جديدًا في كل مرحلة. عندما كان طفلًا، كانت حقيبته تحمل احتياجاته. وعندما أصبح طالبًا، حملت كتبه. وعندما أصبح شابًا، حملت أدوات مستقبله. وعندما أصبح رب أسرة، حملت مسؤولياته. وفي كل مرة كان يظن أنه وصل إلى مرحلة الاستقرار، كانت الحياة تفتح له جيبًا جديدًا وتقول له: ما زال هناك شيء آخر عليك أن تحمله.
لكن الحقيبة لا تحمل الأشياء الجميلة فقط. أحيانًا نضع فيها أشياء كان يجب أن نتركها خارجها. موقفًا قديمًا، كلمة جارحة، خيبة، فشلًا، أو خوفًا من تجربة جديدة. نحملها معنا سنوات طويلة، حتى تصبح أثقل من الأشياء التي نحتاجها فعلًا. وربما لا نحتاج في بعض مراحل العمر إلى حقيبة أكبر، بل إلى شجاعة أكبر لنفرغها من الأشياء التي انتهى وقتها.
عندما يصل الإنسان إلى مرحلة متقدمة من العمر، يبدأ بالنظر إلى حقائبه بطريقة مختلفة. يكتشف أن الأشياء التي ظن يومًا أنها أهم ما يحمله لم تكن كذلك. وأن أجمل ما بقي معه لم يكن كتابًا ولا ورقة ولا مالًا، وإنما وجوه أحبها، ومواقف عاشها، وأشخاصًا تركوا في قلبه أثرًا، وأيامًا كان يتمنى لو يستطيع إعادتها ولو لدقائق.
هكذا نمضي في الحياة من حقيبة إلى حقيبة، من يد تحمل حقيبة طفل، إلى كتف يحمل حقيبة المدرسة، إلى يد تحمل حقيبة العمل، ثم إلى قلب يحمل حقيبة لا يراها أحد. وفي كل مرحلة نعتقد أننا نحن من نحمل الحقيبة، بينما الحقيقة أن الحقيبة أيضًا تحمل جزءًا منا؛ تحمل أعمارنا، وذكرياتنا، ومسؤولياتنا، والأشياء التي كنا نحلم بها ذات يوم.
ربما أجمل ما يمكن أن نتعلمه من الحقيبة هو أن الحياة لا تطلب منا أن نحمل كل شيء حتى النهاية. هناك أشياء يجب أن نحتفظ بها، أشياء يجب أن نتركها وأشياء كان علينا منذ البداية ألا نضعها في حقيبتنا.
فليست الحكمة أن تكون حقيبتك ممتلئة، ولا أن تكون خالية، وإنما أن تعرف ماذا يستحق أن تحمله معك في الطريق.
فالإنسان يولد بحقيبة صغيرة، ويكبر بحقيبة أكبر، ثم يكتشف في نهاية الطريق أن أثمن ما حمله طوال حياته لم يكن شيئًا يمكن وضعه داخل حقيبة… بل كان أثرًا تركه في قلوب من مروا معه في الطريق.



#مهند_كاظم_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها.... الحلقة الثانية عشر
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها……. الحلقة الحادية عشر
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة العاشرة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة التاسعة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة الثامنة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ...الحلقة السابعة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة السادسة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها ... الحلقة الخامسة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها.... الحلقة الرابعة
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها / الحلقة الثالثة
- سلسلة اشياء لم ننتبه اليها
- سلسلة أشياء لم ننتبه إليها
- التحول الرقمي وأثره في تحسين كفاءة الخدمات الحكومية دراسة تح ...
- الخسارات التي لا تعزى
- النوم والدماغ والسهر
- عقل الصف وذكاء التقنية
- أبطال بلا تصفيق
- حين يصبح المريض رقما!!!
- تقنية النانو تكنولوجي
- التقاعد الوظيفي


المزيد.....




- رغم أمر قضائي بإعادة تصاريحهم.. منع بعض موظفي CNN من دخول ال ...
- السعودية.. الدفاع المدني يعلن انتهاء -إنذار الطوارئ- في مكة ...
- بوتين يبحث مع مجلس الأمن الروسي تدابير إضافية لتعزيز أمن الب ...
- واشنطن تبعث طائرات عمرها 80 سنة من -قبورها- لتعويض خسائرها ف ...
- قتلى بغارات جوية باكستانية على أفغانستان.. وطالبان تتوعّد با ...
- من بينها المبادرة المصرية: 38 منظمة حول العالم تنضم للدعوى ...
- -الرئيس الصيني لم يظهر رغبة للضغط على إيران لإنهاء الحرب- - ...
- تبادل رسائل بين طهران وواشنطن.. وتطورات متسارعة في لبنان وغز ...
- بعد قرار ترامب.. قاضٍ يأمر بإعادة السماح لـ-سي إن إن- و-بولي ...
- حشود تحتفل باليوم الوطني السعودي بالأعلام والعروض ومسيرة عسك ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مهند كاظم محمد - سلسلة أشياء لم ننتبه إليها.... الحلقة الثالثة عشر