أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حيدر حسين سويري - سوق المشاعر الهشة: الإنسان الحديث وتاريخ صلاحية العلاقات














المزيد.....

سوق المشاعر الهشة: الإنسان الحديث وتاريخ صلاحية العلاقات


حيدر حسين سويري

الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 00:33
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تجلس النظريات النفسية والاجتماعية على رفوف المكتبات لتقنعنا بأن الإنسان كائنٌ يسعى بطبعه للحب، والانتماء، والأمان الروحي. لكن يكفي أن تنزل إلى الشارع، وتبتعد قليلاً عن عاطفتك، لتراقب البشر بعينٍ مجردة وباردة؛ حينها ستدرك أن الجوهر الحقيقي للغالبية قد انحرف نحو نموذجٍ آخر: نحن كائنات "استهلاكية" تبحث في المقام الأول عن سد النقص وتغطية الثقوب الداخلية.

من "الغاية" إلى "الوسيلة": اتساع رقعة التسليع العاطفي
لم يعد التبادل البشري في عصرنا الحاضر قائماً على فكرة التكامل الاجتماعي أو التعاطف المبدئي الذي نصت عليه الأدبيات الكلاسيكية، بل تحول القرب والابتعاد إلى حركات ميكانيكية تُدار بمبدأ العرض والطلب. لقد أثرت ثقافة الرأسمالية والسرعة الفائقة على أعمق دواخل النفس البشرية، حتى غدا الآخر في عين الفرد ليس ذاتاً مستقلة لها قدسيتها، بل "أداة" تُقاس جودتها بمدى نفعها ووظيفتها.
لقد تحولت العلاقات في عصرنا إلى ما يشبه الأسواق السوداء؛ يُباع فيها ويُشترى بكل شيء: بالمواقف، وبالاهتمام، وحتى بالوعود البرّاقة. تفرض عليك فلسفة البقاء في هذا الزمن أن تتقبل حقيقة قاسية ومجردة: لن يتقرب منك أحدٌ إلا إذا كان هناك فراغٌ خاص داخل روحه يريد سدّه من خلالك. وما إن تنتهي الحاجة أو يمتلئ ذلك الفراغ، حتى ينسحب ببرود، وكأنك لم تكن يوماً مركز كونه أو سر أمانه.

زمن "السيولة البشرية" وتاريخ الصلاحية:
في هذا الفضاء الإنساني المضطرب، لم تعد الروابط تنمو كالأشجار لتتحدى العواصف، بل أصبحت تتشكل كالماء في القوالب المؤقتة، تتغير بتغير المصلحة وتتلاشى بزوال السبب. فالإنسان الحديث لم يعد يبحث عن سكنٍ لروحه بقدر ما يبحث عن "مستودع" يسد فيه جوعه العاطفي والوجودي، ليتحول الآخر في عينه من "غاية" تُحترم لذاتها إلى مجرد "وسيلة" تُستهلك وتُستبدل.
إننا نعيش في عصر "السيولة البشرية"، حيث أصبحت المشاعر مجرد عملة رخيصة في سوق المقايضات اليومية، تُنفق بحذر وتُسحب بانتظام فور جفاف المصلحة وتلاشي الاحتياج. وتتجسد هذه الظاهرة في التبدل السريع للأصدقاء، والشركاء، وحتى المعارف العابرين، حيث يمتلك كل رصيد عاطفي "تاريخ صلاحية" مدوناً بخط خفي منذ اللحظة الأولى للقاء. فالوعود البريقة التي تُقطع في لحظات الاحتياج الشديد تبدأ بالتحلل التدريجي بمجرد الاستغناء، ليتكشف المنظر عن واقع نفعي بحت لا مكان فيه للمثاليات المنمقة.

شجاعة العطاء فوق أرض صلبة:
هذا الوعي قد يبدو للوهلة الأولى مرعباً؛ أن تعطي وتتفاعل وأنت تدرك سلفاً أن لكل علاقة "تاريخ صلاحية" محدد. غير أن هذا الوعي ليس سوداوية ولا تشاؤماً في الرؤية، بل هو الحقيقة العارية بعد أن انقشع عنها وهم المثالية الفلسفية. إن إدراك قواعد اللعبة لا يعني الانسحاب منها ولا يعني التحول إلى كائن جاف ومتبلد، بل يعني إعادة تعريف آليات الحماية الذاتية ومنح العطاء حجمه الطبيعي دون الانهيار عند نقطة النهاية المتوقعة.
إن معرفتك المسبقة بتاريخ صلاحية الوعود وخلفياتها النفعية ليست خذلاناً يسقطك في الفجيعة، بل هي ذروة النضج والاستنارة. فالأقوياء وحدهم هم من يملكون شجاعة العطاء والتعامل في سوقٍ يعلمون سلفاً أن كل بضائعها العاطفية معروضة للبيع، وأن المشهد الأخير في مسرحية العلاقات قد كُتبت خطوطه الأولى منذ اللحظة التي دُقّت فيها طبول الحاجة.
بقي شيء...
ينقلنا هذا الفهم من خانة "الضحية المنكسرة" إلى خانة "المراقب الواعي". فعندما نتقبل حقيقة أن الاستهلاك أصبح جزءاً من نسيج العلاقات الحديثة، نتحرر من صدمة الفقد، ونستطيع تقديم الحب والدعم بذواتنا ولأجل قيمة العطاء ذاتها، لا انتصاراً لرهان الأبدية الزائف، بل استمتاعاً باللحظة الحاضرة مع إبقاء أقدامنا ثابتة على أرض الواقع الصلبة.



#حيدر_حسين_سويري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أدب الحذر: حين تكون الثقة مسؤولية قبل أن تكون منحاً
- المملكة بين ضغوط الجغرافيا السياسية وتحديات التحول الداخلي
- قراءة في الفيلم المصري (البريء)
- عرائشُ النَّخِيلِ وَرِيشَةُ الفَجِيعَة
- فواتير العتمة... ونشيد المنفى
- ملخص كتاب (نظام التفاهة)
- مواطن تحت الصفر.. وتتدلل الحكومة!
- قصيدة - كلبٌ وحمارْ -
- صَيْحَةٌ فِي وَجْهِ الخَائِنِ
- سكيوه
- أجنحة الشوق في سماء كربلاء
- قصيدة (استنكار)
- موعد مع وحدة الهدف: العراق هَمُّنا
- -منريد الخبز والماي ... بس سالم ابو عداي-
- بغضُ مِنْ ذكرى ٣ آب (أغسطس) ٢٠٢£ ...
- أزمة السيولة وتأخير الرواتب في العراق: بين الواقع والحلول ال ...
- اغتيال الخوف
- صرخة نحو المفارقة: عندما يفرّ الإنسان من -الوطن- بحثاً عن -ا ...
- صوتٌ لا يُقبر: عندما يُقلق الضريحُ عرشَ الطغاة
- انتبه... أنا هنا


المزيد.....




- أضحك الحضور.. شاهد رئيس وزراء كندا يحاكي حركات ترامب خلال خط ...
- إدارة ترامب تعلن -وفاة الصحافة الأمريكية-!
- ترامب والحوثيون.. تفاوض بأبعاد إقليمية
- نعيم قاسم: المقاومة هي السبيل الوحيد لتحرير الأرض وكل الطرق ...
- فيدان: إسرائيل تُشكّل تهديدا ليس للمنطقة فحسب بل للعالم أجمع ...
- مقاتلة من طراز -إف-16- تعترض طائرة مدنية صغيرة قرب منتجع كام ...
- تحقيق يكشف تزييف مقاطع فيديو عن حرائق وصواريخ منسوبة لهجمات ...
- رئيس مجلس النواب الأمريكي يكشف رؤية إدارة ترامب للصراع مع إي ...
- فيدان يطلق تصريحات عن كيفية تدخل -تحالف مكة- في المواجهة الح ...
- ترامب يتهم المحكمة العليا بالإضرار بالولايات المتحدة في ملفي ...


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حيدر حسين سويري - سوق المشاعر الهشة: الإنسان الحديث وتاريخ صلاحية العلاقات