أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - حيدر حسين سويري - أدب الحذر: حين تكون الثقة مسؤولية قبل أن تكون منحاً














المزيد.....

أدب الحذر: حين تكون الثقة مسؤولية قبل أن تكون منحاً


حيدر حسين سويري

الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 20:36
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


تتردد على ألسنتنا وفي مأثوراتنا الأخلاقية حكمةٌ جامعة تُعرّي النفوس وتضع للبشر مقياساً دقيقاً في التعامل؛ مقولة تسرد خصالاً شتّى تُجمع على حقيقة واحدة: "متقلب الود لا يؤتمن، وفاضح السر لا يؤتمن، وناكر الجميل لا يؤتمن، وكاسر الخواطر لا يؤتمن، ومن يأتيك وقت فراغه لا يؤتمن، وإن لم تتخذ الحذر مما سبق، فأنت على نفسك لا تؤتمن". إنها ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي دستور لحماية الذات ورسم حدود العلاقات الإنسانية.
تبدأ المقولة بالتحذير من متقلب الود، ذلك الذي تتغير مشاعره بتغير الأحوال والمصالح، فلا تجد منه أمناً ولا ثباتاً؛ إذ إن الثقة تتطلب رصيداً من الاستقرار لا يتوفر في قلبٍ تتنازعه الأهواء. وتنتقل إلى فاضح السر، وهو من خرق أقدس عهود الصحبة، فمن لم يستطع صيانة كلمتك في الغيب، كيف يُؤتمن على حياتك ومستقبلك؟
ثم تأتي حقيقة ناكر الجميل، الذي يمحو بأنيته سنواتٍ من الإحسان، وكاسر الخواطر، الذي تجرد من الرحمة ولم يعبأ بآلام الآخرين ومشاعرهم. فالأول جحودٌ يقطع سبل المعروف، والثاني قسوةُ قلبٍ تدمّر السكينة. ولا تقل عنهم خفةً فئة من يأتيك وقت فراغه؛ ذاك الذي يجعل وجودك في حياته مجرد هامشٍ لملء الوقت، لا قدر قيمةٍ ورغبةٍ صادقة في القرب.
غير أن الذروة الحقيقية والختام الحاسم في هذه الحكم يكمن في الشطر الأخير: "وإن لم تتخذ الحذر مما سبق، فأنت على نفسك لا تؤتمن".
إن هذا الجزء يذلّل الفكرة الأساسية؛ فالمشكلة لا تكمن دائماً في أخطاء الآخرين وتقلباتهم، بل تكمن في تهاوننا نحن في حماية أرواحنا وقلوبنا. حين تتغاضى عن الإشارات الواضحة وتمنح ثقتك المطلقة لمن أثبت أنه ليس أهلاً لها، تكون قد فرطت في حق نفسك، وألقيت بها في مهالك الخيبة. إن الحذر هنا ليس دعوةً للسوداوية أو سوء الظن الدائم، بل هو وعيٌ وأمانة تحملها تجاه سلامتك النفسية.
العلاقات الإنسانية سكنٌ وأمان، وما لم تكن قائمة على الثبات، والكتمان، والوفاء، واللين، والإقبال الصادق، فإنها تتحول إلى عبءٍ يُنهك الروح. فكن حريصاً على من تدخله دائرة أمانك، ولا تفرط في أمانة نفسك فتصبح أول الخائنين لها.
إن صيانة النفس ليست رفاهيةً ولا خياراً ثانوياً في مسيرة الحياة، بل هي مسؤوليةٌ أخلاقية وواجبٌ إنسانيّ يُلزم المرء بحماية كرامته وسلامه الداخلي. وحين نسبر غور هذه المقولة الشاملة، نجد أن كل خصلةٍ من الخصال المذكورة ترسم خطاً أصفراً يفرز السلوكيات السوية عن تلك التي تتغذى على طاقة الإنسان وتستنزف وجوده.

تفكيك أنماط العلاقات الزائفة
يتطلب التعامل مع البشر فهماً عميقاً للدوافع؛ فالودّ المشروط والمتقلب يمثل أحد أشد أشكال الخداع العاطفي، إذ يترك المرء في حالة ترقب دائم وتوجس لا ينتهي. وبالمثل، فإن إفشاء السر يتجاوز مجرد الحديث العابر؛ إنه اعتداء صريح على الخصوصية ونكث بعهد غير مكتوب يربط بين القلوب. أما الجحود وكسر الخواطر، فهما جرحان ينكآن الروح؛ فالأول يطفئ شعلة العطاء في القلوب الطيبة، والثاني يحطم كبرياء الإنسان ويتجاهل إنسانيته في لحظات ضعفه أو حاجته.
ولا يقل خطراً عن ذلك من يتخذ العلاقات مجرد سدٍّ للفراغ. إن حضور الآخرين في حياتنا يجب أن يكون قابلاً للتقدير والاهتمام المتبادل، أما التحول إلى ملجأ مؤقت يرتاده العابرون في أوقات مللهم، فيسلب الإنسان قيمته ويضعه في موقع هامشي لا يليق بمنزلته البشرية.

المعايير الأساسية لبناء بيئة آمنة للعلاقات
-----------------------------------------
1. الثبات والاستقرار: الود الصادق لا يتأثر بالظروف.
2. الأمانة والكتمان: حفظ السر أساس المودة والديمومة.
3. العرفان والإحسان: التقدير المتبادل وحفظ الجميل.
4. اللين والرحمة: مراعاة مشاعر الآخرين وجبر خواطرهم.
5. التواجد الصادق: الحضور القائم على القيمة لا الفراغ.
-----------------------------------------
الأمانة الكبرى: حماية الذات
تتحول الحكمة في مقطعها الأخير من تشخيص الآخرين إلى وضع آليات المساءلة الذاتية؛ فالإنسان الذي يستمر في منح الفرص المتكررة لمن يكرر الخذلان، يسهم بطريقة مباشرة في إيذاء نفسه. إن التغاضي عن علامات التنبيه المبكرة، ليس من باب التسامح في كل الأحيان، بل قد يكون شكلاً من أشكال التفريط والهروب من مواجهة الحقيقة.
لتجنب الوقوع في هذه الفخاخ السلوكية، يمكن إتباع خطوات عملية تضمن التوازن بين حسن الظن والحذر المشروع:
تحديد الحدود الشخصية: وضع قواعد واضحة ومباشرة لما هو مقبول وما هو غير مقبول في المعاملات اليومية.
التدرج في منح الثقة: أن تكون الثقة بناءً تراكمياً يُشيّد بالأفعال والمواقف، لا بالكلمات والوعود البراقة.
الملاحظة الواعية: الانتباه لردود أفعال الآخرين في أوقات الخلاف أو عند انتفاء المصالح المباشرة.
الموازنة بين العطاء والأخذ: ضمان أن العلاقة تقوم على التبادل المتكافئ والدعم المتبادل، وليس الاستنزاف من طرف واحد.
الاعتراف بالاستحقاق: الإيمان الكامل بأهمية السلام النفسي ورفض البقاء في علاقات قائمة على القلق والدونيات.
بقي شيء...
إن الوعي بهذه الحقيقة لا يدعو إلى الانعزال أو قطيعة البشر، بل يدعو إلى انتقاء الدائرة المقربة بعناية فائقة. فالحياة أقصر من أن تضيع في موازنة تقلبات الآخرين أو معالجة آثار ندوبهم، وسلامة الروح تبدأ من القدرة على القول: "هنا تنتهي حدود الثقة". متى ما استوعب المرء أن حماية نفسه هي أمانته الأولى، استطاع أن يبني علاقات راسخة قائمة على الاحترام، الصدق، والأمان الحقيقي الذي يدوم.



#حيدر_حسين_سويري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المملكة بين ضغوط الجغرافيا السياسية وتحديات التحول الداخلي
- قراءة في الفيلم المصري (البريء)
- عرائشُ النَّخِيلِ وَرِيشَةُ الفَجِيعَة
- فواتير العتمة... ونشيد المنفى
- ملخص كتاب (نظام التفاهة)
- مواطن تحت الصفر.. وتتدلل الحكومة!
- قصيدة - كلبٌ وحمارْ -
- صَيْحَةٌ فِي وَجْهِ الخَائِنِ
- سكيوه
- أجنحة الشوق في سماء كربلاء
- قصيدة (استنكار)
- موعد مع وحدة الهدف: العراق هَمُّنا
- -منريد الخبز والماي ... بس سالم ابو عداي-
- بغضُ مِنْ ذكرى ٣ آب (أغسطس) ٢٠٢£ ...
- أزمة السيولة وتأخير الرواتب في العراق: بين الواقع والحلول ال ...
- اغتيال الخوف
- صرخة نحو المفارقة: عندما يفرّ الإنسان من -الوطن- بحثاً عن -ا ...
- صوتٌ لا يُقبر: عندما يُقلق الضريحُ عرشَ الطغاة
- انتبه... أنا هنا
- اعترافات ساحر: مرآة الوجوه المظلمة


المزيد.....




- ديمي مور بإطلالة -كروشيه- شفّافة في أسبوع الموضة بنيويورك
- -على غرار السلاح النووي-.. صحفية أمريكية تدعو لتنظيم الذكاء ...
- مهمّة بريطانية بامتياز لإنقاذ كشك الهاتف الأحمر في المملكة ا ...
- ترامب يتحدث عن اتفاق روسي أوكراني لوقف ضربات منشآت الطاقة.. ...
- كيف ظهرت الأميرتان ليونور وصوفيا في سباق الفورمولا 1 بإسباني ...
- -ضربته وشتمته لرفضه تناولها الكحول في سيارته-.. وزارة الداخل ...
- بمشاركة مصر و4 دول أوروبية.. انطلاق المناورات العسكرية الضخم ...
- -أيديكم ملطخة بدماء أطفالنا-
- كيف ستتأثر قناة السويس باضطراب الملاحة عبر مضيق باب المندب؟ ...
- طلاب الجامعات يطلقون -قائمة الطلاب- لإحداث تغيير في انتخابات ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - حيدر حسين سويري - أدب الحذر: حين تكون الثقة مسؤولية قبل أن تكون منحاً