أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر حسين سويري - فواتير العتمة... ونشيد المنفى














المزيد.....

فواتير العتمة... ونشيد المنفى


حيدر حسين سويري

الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 18:27
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة:

في مملكة "العتمة السرمدية"، حيث يتنافس المواطنون على شراء شمعة ضئيلة تُضيء عجزهم، رنّ الهاتف الثابتُ في بيتي، مخرجًا صوتًا أشبه بأزيز المولدات التالفة.
كان الصديق "ضياء" على الطرف الآخر، بصوتٍ يملؤه الظمأ الضوئي:
— "يا صديق العتمة، هل تقرضني شيئًا من النقود لأدفع فاتورة الكهرباء التي لا تأتي؟"
ابتسمتُ ابتسامةً أثقلها الظلام وقلت:
— "يا رفيقي، متى ما وجدتَ ذلك الكائن الأسطوري الذي يملك مالًا كي يقرضك، فلا تنسَ أن تزودني باسمه وعنوانه فورًا، لأهجم على بيته في الصباح الباكر وأستدين منه أنا أيضًا!"
صمتَ ضياء لبرهة، ثم أطلق تنهيدةً بعمق السنين وقال:
— "يا رجل... ما أشدّ غفلتي وأجحشني!"
قلت له ضاحكًا بتهكمٍ يداري الغصة:
— "وهل حقًا لم تكتشف هذه الحقيقة الإلهامية إلا الآن؟"
اختلطت ضحكاتنا الساخرة بصدى الفراغ، فسألته:
— "ولكن ما الذي فجّر في رأسك هذا الكشف المفاجئ؟"
قال والندم يأكل حروفه:
— "لأني لم أمتلك بعد النظر يوم كانت الحدود نحو بلاد الراين مفتوحةً للأقدام والأحلام.. يوم كانت الخطوات نحو اليونان وتركيا وسيلةً للخلاص، لا مجرد خطوط على خريطة منسية."
قلتُ له والأسى يعصر الفؤاد:
— "لاتَ ساعةَ مندم يا صاحبي.. لستَ وحدك في هذه الحلبة؛ فغالبية أبناء هذا الشعب العظيم يقتتلون اليوم مع أطياف ندمهم."
استقرت في ذهني تلك الصور القديمة؛ صور الحكماء "بعيدي النظر" الذين أدركوا مبكرًا أن الجدران لا تُطعم خبزًا، فباعوا العقارات والأرض والذكريات، وركبوا أهوال البحار. واليوم، بعد كَرّ السنين وفرّها، صاروا أبناءً بررة لـ "ألمانيا"، حاملي جوازاتها الزمردية، يطلون علينا عبر "فيسبوك" بابتسامات عريضة ومنشورات تفيض بالبشر: "باركوا لي... لقد أصبحتُ مواطنًا!"
فيما نجسد نحن - المعلقين في طابور الصمود والتصدي- حالةً فريدة من "الفقع" الكوني، ينهمر من أعيادهم الغيظ والحسد والغيرة الشريفة وغير الشريفة!
وعلى سيرة الهجرة وجنسيات الأسياد، تنامي إلى مسامعي ما يرويه الرواة في أزقة المنفى — وعلى ذمتهم والعهدة على الراوي، ولعله شطحٌ من شطحات الخيال المائل:
يُحكى أن المدارس العربية السورية هناك، تحت السماء الألمانية الباردة، تخلت عن أشكال الاصطفاف القديمة، وصار التلاميذ يقفون كل صباح بحماسٍ يزلزل البلاط، ليرددوا نشيدًا يعيد ترسيم أركان الهوية الجديدة، فتهتف حنجرتهم:
أَلْمَانِيَا يَا حَبِيبَتِي
أَعَدْتِ لِي كَرَامَتِي
أَعَدْتِ لِي شَخْصِيَّتِي
بِالسَّيْرِ فِي أَوْجَاعِهِ
وَالْمَشْيِ فِي أَهْوَالِهِ
لَيْلاً وَمَعْ إِشْرَاقِهِ
وَالبَحْرُ فِي إِعْصَارِهِ
وَصَلْتُ يَا حَبِيبَتِي
يَا... يَا... يَا حَبِيبَتِي

مِنْ تُرْكِيَا، يُونَانِنَا
مَاكْدُونِيا، وَصِرْبِيَا
هَنغَارِيا، والنَّمْسَا
وَالدَّرْبُ نَحْوَ أَلْمَانِيَا
هُنَاكَ حَلَّ الأَمَانُ
وَاللهُ هُوَ المُسْتَعَانُ
نِلْتُ بِهَا إِقَامَتِي
ثُمَّ غَدَتْ جِنْسِيَّتِي
وَبَايْ بَايْ سُورِيَّتِي
وَبَايْ بَايْ عُرُوبَتِي

لَمْ يَنْتَهِ المِشْوَارُ يَا حَبِيبَهْ
كَيْ نَسْتَكِنَّ حَيَاتنا الرَّتِيبَهْ
سَنَبْنِيَ المَعَاهِدَ الدِّينِيَّهْ
وَنَنْقَسِمْ سُنِّيَّةً وشِيعِيَّهْ
وَنَنْشُرَ الثَّقَافَةَ الجَاهِلِيَّهْ
يَا... يَا... يَا حَبِيبَتِي!

أغلقتُ الهاتف مع "أبو النور"، وجلستُ في العتمة، أتساءل: هل نحن الذين صمدنا في الوطن لنصون الضوء، أم أننا الحراس الذين نسوا أن يشعلوا الفتيل؟



#حيدر_حسين_سويري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ملخص كتاب (نظام التفاهة)
- مواطن تحت الصفر.. وتتدلل الحكومة!
- قصيدة - كلبٌ وحمارْ -
- صَيْحَةٌ فِي وَجْهِ الخَائِنِ
- سكيوه
- أجنحة الشوق في سماء كربلاء
- قصيدة (استنكار)
- موعد مع وحدة الهدف: العراق هَمُّنا
- -منريد الخبز والماي ... بس سالم ابو عداي-
- بغضُ مِنْ ذكرى ٣ آب (أغسطس) ٢٠٢£ ...
- أزمة السيولة وتأخير الرواتب في العراق: بين الواقع والحلول ال ...
- اغتيال الخوف
- صرخة نحو المفارقة: عندما يفرّ الإنسان من -الوطن- بحثاً عن -ا ...
- صوتٌ لا يُقبر: عندما يُقلق الضريحُ عرشَ الطغاة
- انتبه... أنا هنا
- اعترافات ساحر: مرآة الوجوه المظلمة
- أنوار العشق الإلهي: حين يكون الحبُّ طريقاً للخلود
- المارد الصبور يخرج عن صمته: هل انتهى عصر -الضبط الاستراتيجي- ...
- صَخْرَةُ البَارّ... وَعَاصِفَةُ الجَوْر
- بين وهم -أهل السلطة- وحقيقة المقاومة: تفكيك مغالطة إدارة الح ...


المزيد.....




- أغنية من ألبوم كاظم الساهر تختفي بعد طرحها بأيام.. ما القصة؟ ...
- الأربعاء.. ثماني جامعات فلسطينية تلتقي على خشبة القصبة في مه ...
- تالا صندوقة: فنانة مقدسية تعيد إحياء الذاكرة الفلسطينية عبر ...
- حكايات بين الصفحات.. حين تحتفظ الكتب المستعملة بآثار قرائها ...
- سوريا ضيف شرف معرض عمّان الدولي للكتاب في دورته الـ25
- بورنهام يتراجع عن دعمه إعادة منحوتات البارثينون إلى اليونان ...
- -على غفلة-.. الكهرباء تطفئ حفل مروان خوري وتضع حدا للسهرة (ف ...
- 200 فنان عالمي يطالبون مهرجان فينيسيا بوقفات جادة دعما لفلسط ...
- نجم أمريكي يتعرض لموقف محرج على المسرح (فيديو)
- فرنسا تستقبل 44 عالما وفنانا فلسطينيا من قطاع غزة


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر حسين سويري - فواتير العتمة... ونشيد المنفى