أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر حسين سويري - عرائشُ النَّخِيلِ وَرِيشَةُ الفَجِيعَة














المزيد.....

عرائشُ النَّخِيلِ وَرِيشَةُ الفَجِيعَة


حيدر حسين سويري

الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 17:56
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة:

على ضفاف الفرات، حيث تلتقي زرقة الماء بأجنحة النخيل الباسقة في أرض المسيب، تقف النسمات خاشعةً كأنها تعتذر عن أريج البساتين الذي يمر فوق مرقدٍ ثكلته السماء قبل الأرض. هناك، بين ظلال السعف وخرير الناديين، لا يملك الغريب إلا أن يترجل عن صهوة دنيائه، ليطأ أرضاً عجنت بدموع الصبا ووحشية البشر.
ولجتُ المقام الشريف، فإذا بهيبةٍ غريبة تخترق شغاف القلوب، وإحساسٍ عجيب لا تترجمه اللغات؛ لم يكن المكان مجرد أحجارٍ وقباب، بل كان كلياً ينبض بطفولةٍ لا تموت. شعرتُ حينها، بيقينٍ أصفى من عين الماء، بكفين صغيرتين تمتدان لتستقبلا الخطوات المتعبة، وبضحكةٍ ملائكية مبحوحة ترطب الجفاف الروحي، وكأن الصبيين محمد وإبراهيم، بطيب أصلهما ونداوة أرواحهما، يستقبلان الزائر، يرحبان به، ويزيحان عن كاهله غبار السفر. في تلك اللحظة بالذات، انحلّت عقدة الصبر، وانفجرت من عينَيّ ينابيع الدمع سخيةً حارقة؛ كيف أمكن لهذا الثرى الناعم أن يحتضن زهرتين قُطِفَتا قبل الأوان؟ أي ذنبٍ اقتضى أن يُذبح هذا الجمال، سوى أنهما غصنان من شجرة النبوة، وأبناء أخت الحسين، وولدَا مسلمٍ بن عقيل، ذلك السفير النبيل الذي تركته الكوفة الخائنة وحيداً في ساعة العسرة والخذلان؟
وعلى أحد جدران الضريح الشريف، وقفتُ أمام لوحةٍ تُجسّد الحادثة الأليمة. أطلتُ التأمل في خطوطها وألوانها، لكنني أدركتُ أن ريشة الرسام، مهما أوتيت من إبداع، قد وقفت عاجزةً قاصرة. لقد كان الفنان رقيق الحس، رهيف الوجدان، فلم تستطع ألوانه الزيتية وقماشه الصامت أن يحكيا حجم البشاعة؛ إن الذي رسم اللوحة إنسان، والإنسان الرقيق يعجز عن تخيل القعر السحيق الذي قد يتردى فيه مسخٌ بزيّ بشر. إن الفجيعة أكبر من أن تتسع لها إطارات الفن، والمأساة أعمق من أن تعبر عنها درجة في جدول الألوان.
إن الضواري في الغاب، على ضراوتها، لا تفترس إلا لتدفع الجوع، ولا تجرح إلا بدافع الغريزة؛ أما الوحش الحقيقي فهو ذلك الإنسان الذي تجرد من إنسانيته، فصار أشدّ كُفراً بالرحمة من كل سباع الأرض. وما مشهد الصبيين محمد وإبراهيم، بأجسادهما الغضّة التي روّعها الخوف في البساتين قبل أن تُقطع أعناقهما بدمٍ بارد، إلا حلقةٌ في سلسلةٍ ممتدة من الوحشية البشرية التي لا شبع لها.
كم تكرر هذا المشهد المأساوي في سفَر التاريخ المكتوب بالدم؟ كم صبيٍ كإبراهيم، وكم طفلٍ كمحمد، ذُبحوا على مذبح الغدر والبطش في فلسطين المحاصرة، وفي أزقة العراق الكليمة، وفي جبال اليمن الصابرة، وفي مشارق الأرض ومغاربها؟
أقف بين يدي هذا المقام، وأسأل هذا الفرات الذي شهد الجريمة ولا يزال يجري: إلى متى؟ إلى متى يستمر هذا الكائن الذي كُرّم بالعقل في استمراء العبودية لغرائزه الشيطانية؟ متى يعود الإنسان إلى إنسانيته، ويغسل يديه من دماء أبناء جنسه؟ ولماذا كل هذا البطش والتنكيل بمن لا يملكون حيلة ولا سلاحاً سوى براءة الطفولة؟
خرجتُ من الضريح وندى البساتين يبلل وجهي، لكن الحرقة في صدري لم تطفئها مياه المسيب، بل زادها يقيناً بأن دماء الصبيين ستظل حجةً قائمة على ضمير الإنسانية الميت، تدعوه في كل لحظة: أن استفق.. فقد فاقت وحشيتُك كواسرَ الفضاء.



#حيدر_حسين_سويري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فواتير العتمة... ونشيد المنفى
- ملخص كتاب (نظام التفاهة)
- مواطن تحت الصفر.. وتتدلل الحكومة!
- قصيدة - كلبٌ وحمارْ -
- صَيْحَةٌ فِي وَجْهِ الخَائِنِ
- سكيوه
- أجنحة الشوق في سماء كربلاء
- قصيدة (استنكار)
- موعد مع وحدة الهدف: العراق هَمُّنا
- -منريد الخبز والماي ... بس سالم ابو عداي-
- بغضُ مِنْ ذكرى ٣ آب (أغسطس) ٢٠٢£ ...
- أزمة السيولة وتأخير الرواتب في العراق: بين الواقع والحلول ال ...
- اغتيال الخوف
- صرخة نحو المفارقة: عندما يفرّ الإنسان من -الوطن- بحثاً عن -ا ...
- صوتٌ لا يُقبر: عندما يُقلق الضريحُ عرشَ الطغاة
- انتبه... أنا هنا
- اعترافات ساحر: مرآة الوجوه المظلمة
- أنوار العشق الإلهي: حين يكون الحبُّ طريقاً للخلود
- المارد الصبور يخرج عن صمته: هل انتهى عصر -الضبط الاستراتيجي- ...
- صَخْرَةُ البَارّ... وَعَاصِفَةُ الجَوْر


المزيد.....




- 16 رواية في القائمة الطويلة لجائزة غونكور 2026
- فنان مصري شهير يتعرض لحادث مروع
- لا حفلات قريبة لجورج وسوف في سوريا.. ومصادر تنفي ما يتداول ب ...
- -طائرة الجدة وأحلام النزع الأخير-.. قصص إنسانية خلف التوابيت ...
- سفارة موسكو بالجزائر تحيي يوم السينما
- تونس: السلطات توقف الصحافي البارز محمد اليوسفي الصوت الناقد ...
- اشتباك فكري حول -مستقبل صناعة النشر في عصر الذكاء الاصطناعي- ...
- كوميدي تركي يواجه السجن لأكثر من 9 سنوات بتهمة -إهانة- أردوغ ...
- مناقشة رسالة ماجستير عن -مذكرات رضيعة- لسناء الشّعلان في جا ...
- استعمار الخرائط.. أفريقيا تطالب العالم برؤية حجمها الحقيقي


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر حسين سويري - عرائشُ النَّخِيلِ وَرِيشَةُ الفَجِيعَة