أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر حسين سويري - قراءة في الفيلم المصري (البريء)














المزيد.....

قراءة في الفيلم المصري (البريء)


حيدر حسين سويري

الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 00:15
المحور: الادب والفن
    


في تاريخ السينما العربية، تقف بعض أعمال الشاشة، كوثيقة إنسانية وسياسية تُعرّي المسكوت عنه، وتصدم الوعي الفردي والجمعي. يأتي فيلم "البريء" (إنتاج 1986، سيناريو وحيد حامد، وإخراج عاطف الطيب) في مقدمة هذه الأعمال الخالدة؛ حيث لم يكن مجرد فيلم سينمائي، بل كان صرخة مدوية في وجه قمع الحريات واستغلال البساطة والجهل لتمرير أسطورة "حماية الوطن".
نتج الفيلم عن حادثة حقيقية وقعت مع كاتب السيناريو (وحيد حامد)، حينما قامت ما تعرف بثورة (الخبز)، التي قامت على إثر اتخاذ السادات قرار زيادة أسعار الوقود والمواد الغذائية، وصادف وجود الكاتب في المظاهرات، وحين أمسك به العسكري ورفع الهراوة لضربه، أنتبه فقال (الله! الاستاذ وحيد حامد؟ هو أنت من أعداء الوطن برضو (أيضاً)؟!
يعالج الفيلم إشكالية خطيرة تتعلق بتزييف الوعي وتحويل الإنسان إلى آلة مبرمجة في يد السلطة. تُجسّد هذه المأساة في شخصية "أحمد سبع الليل" (التي أبدع في أدائها الفنان الراحل أحمد زكي)، الشاب الفلاح الفقير والأمي الذي يمتلئ قلبه بالنقاء والوطنية الفطرية. تتفتّح بصيرة أحمد على يد "حسين وهدان"، الشاب الجامعي المثقف الذي ينشر في قرية سبع الليل معاني الوطنية الحقيقية والكرامة، ويشجعه على أداء الخدمة العسكرية.
تتحول مأساة "سبع الليل" عندما يتم فرزه للحراسة في أحد معتقلات السجناء السياسيين. هناك، يخضع لعملية غسيل مخ ممنهجة ومحكمة، على أيدي القيادات العسكرية؛ يُقنعونه بأن هؤلاء المعتقلين ليسوا سوى "أعداء للوطن" يسعون لخرابه وضياعه. يُعطى أحمد تعليمات صارمة بالطاعة العمياء، فيتحول ذلك الفلاح الرقيق إلى أداة بطش قاسية تحرس السجن وتجلد المعتقلين بحماسٍ أعمى، ظنًا منه أنه يقدم أسمى صور التضحية والوفاء لوطنه.
تصل الدراما إلى قمتها عندما يُساق صديقه وملهمه الأول "حسين وهدان" إلى المعتقل نفسه كزنديق وسياسي مُعارض. في تلك اللحظة الفارقة، يصطدم الوهم بالحقيقة، وتتساقط الأقنعة الزائفة التي برمجته عليها السلطة. يكتشف "سبع الليل" أن من يُطلق عليهم "أعداء الوطن" هم في الحقيقة أنبل أبناء هذا الوطن والمطالبون بحريته، ليبدأ صراعه المرير بين الطاعة العمياء للتعليمات وبين صحوة الضمير الإنساني والوطنية الصادقة.
يتجاوز الفيلم قصة "أحمد سبع الليل" ليعالج مفهوم (الحرية) بمعناها الشامل، ملقيًا الضوء على مظاهر الفساد السياسي والاجتماعي في مصر عقب سياسة الانفتاح، وتحديدًا في أعقاب أحداث انتفاضة 17 و18 يناير 1977.
يلخص العديد من النقاد فلسفة العمل في عبارة دقيقة:
"قمع الحرية بجهل الأبرياء".
وقد عبّر السيناريست وحيد حامد عن هذه القيمة الجوهرية بوضوح في إهدائه الشهير للسيناريو:
"إلى عشاق الحرية والعدالة في كل زمان ومكان أهدي هذا الجهد المتواضع".
بالرغم من الإشادة النقدية والجماهيرية الواسعة بعبقرية التمثيل والموسيقى التصويرية، وجه بعض النقاد عتابًا لنهاية الفيلم، معتبرين إياها تكرارًا للنمط الشرقي القديم في البحث عن "الحلول الفردية" التي تعتمد على التصفيات الجسدية والعنف، بدلاً من التغيير الهيكلي والمؤسسي.
عاش الفيلم أزمة رقابية تاريخية؛ ففي عام 1986، تشكلت لجنة وزارية تضم وزراء الدفاع (المشير عبد الحليم أبو غزالة)، والداخلية (أحمد رشدي)، والثقافة (أحمد عبد المقصود هيكل)، وقررت فرض قيود صارمة على الفيلم وحذف مشهده النهائي وحظر بعض الجمل الحوارية بحجة عدم ملاءمة الظروف السياسية. وظل الفيلم يُعرض مبتورًا لمدة 19 عامًا، حتى جاء عام 2005 ليوافق وزير الثقافة فاروق حسني على عرض النسخة الكاملة بدون أي حذف لأول مرة في مهرجان السينما القومي تكريماً لروح أحمد زكي، في انتصار تاريخي لحرية التعبير.
مما زاد العمل عمقًا وشجنًا، تلك الموسيقى والأغاني التي صدح بها الموسيقار (عمار الشريعي) بأسلوبه الشجي، ومن كلمات الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي. وأرى أن الأغاني والرتم الموسيقي جاءت مستوحاة من طابع اللطميات والمراثي الحسينية المعروفة في جنوب العراق، مما أضفى بُعدًا تراثيًا حزينًا يُلامس أعمق مشاعر التضحية والألم، وشكّل أحد أهم أركان البناء الفني للفيلم.
بقي شيء...
إن فيلم "البريء" ليس مجرد حكاية سينمائية قيلت وانتهت، بل هو درس إنساني بليغ وإهداء لكل عسكري على وجه الأرض:
"إن الوطنية الحقيقية لا تعني إلغاء العقل أو ممارسة البطش باسم الأوامر، بل تعني حماية الإنسان وحرية الوطن وأبنائه".



#حيدر_حسين_سويري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عرائشُ النَّخِيلِ وَرِيشَةُ الفَجِيعَة
- فواتير العتمة... ونشيد المنفى
- ملخص كتاب (نظام التفاهة)
- مواطن تحت الصفر.. وتتدلل الحكومة!
- قصيدة - كلبٌ وحمارْ -
- صَيْحَةٌ فِي وَجْهِ الخَائِنِ
- سكيوه
- أجنحة الشوق في سماء كربلاء
- قصيدة (استنكار)
- موعد مع وحدة الهدف: العراق هَمُّنا
- -منريد الخبز والماي ... بس سالم ابو عداي-
- بغضُ مِنْ ذكرى ٣ آب (أغسطس) ٢٠٢£ ...
- أزمة السيولة وتأخير الرواتب في العراق: بين الواقع والحلول ال ...
- اغتيال الخوف
- صرخة نحو المفارقة: عندما يفرّ الإنسان من -الوطن- بحثاً عن -ا ...
- صوتٌ لا يُقبر: عندما يُقلق الضريحُ عرشَ الطغاة
- انتبه... أنا هنا
- اعترافات ساحر: مرآة الوجوه المظلمة
- أنوار العشق الإلهي: حين يكون الحبُّ طريقاً للخلود
- المارد الصبور يخرج عن صمته: هل انتهى عصر -الضبط الاستراتيجي- ...


المزيد.....




- -موريكس دور 2026-.. بيروت تحتفي بنجوم الفن العربي في ليلة حا ...
- -وفاة مشبوهة-.. العثور على الممثل التركي سرحات كليتش ميتا في ...
- نقل الفنان بهاء سلطان إلى المستشفى إثر انقلاب سيارته
- أسعار تذاكر حفل أصالة نصري تحلق في دمشق.. و-VVIP- خارج الحجز ...
- -رمسيس الثاني هو فرعون موسى-.. وزير آثار مصر الأسبق يتحدث عن ...
- باسم ياخور -تحت الضغط-.. سامر المصري لم يتخطه وباسل خياط -ور ...
- -العمر رقم-.. هذا ما تمنته الفنانة منة فضالي في عيد ميلادها ...
- رواية التوابيت لا تكفي
- -RT- تعرض النسخة الروسية من فيلم -أرض اللبان- في قازان
- “الزراعة” تنظم برنامجاً مكثفاً بسوهاج لنشر ثقافة “الزراعة ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر حسين سويري - قراءة في الفيلم المصري (البريء)