أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ماجد مطرود - رحلةٌ إلى بلادِ أنتيخون














المزيد.....

رحلةٌ إلى بلادِ أنتيخون


ماجد مطرود

الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 18:39
المحور: الادب والفن
    


متى يتركني هذا المضطهدُ الموشومُ على ظهري كحمارِ الحريّةِ الوحشيّ؟
إليهِ رميتُ أيّامي، وبفصولهِ استبدلتُ أشجاري.
نسيتُ أوراقي تتساقطُ حين جاء موعدي، وكنتُ وحدي، منعزلاً، شاردًا، أُكلّمُ ما تركه الجدارُ في ظلّي.

قلتُ: "أترغبُ حقًا بما خزّنه الرمادُ في قلبي؟"
قال: "بلى... لا تتركِ الغبارَ كثيفًا تحتَ لسانكَ حين تعوي، ولا تُحِطْ أصابعَكَ بإشاراتٍ لا تُؤدّي إلى شيء! سمّني ما شئتَ واكتبْ ما تراه، وبأنفِكَ المعقوفِ شُمَّ عطري وعفونةَ ما كان".

هؤلاءِ أبنائي؛ قرضوا السنينَ بأسنانِهم وغلبوا الترابَ بسحناتِهم وكانوا واضحين، أمّا آبائي فكانوا غامضينَ في حياتِهم؛ لم يُعلّموني القفزَ كالنّسناس، وحتى حين سألتُهم عن الأعراقِ لم يكشفوا لي عورتَهم، واكتفوا بشقراءَ صافيةٍ كالزجاج، تمسحُ بالمنديلِ عتمتي دونَ أن تمنحَني البياض.

وهكذا، وهبتُ للطرقاتِ أقدامي، وصرتُ غامضًا، مكروهًا، مطرودًا، تركتُ أثري للمدنِ المُشيّدةِ فوقَ الموج.

وفجأةً، وبلا سابقِ إنذار، رأيتُ الساحلَ أمامي يلمْلمُ ثيابَ الناسِ والأسواق.
وبعفويّةٍ سألتُ: "كيفَ لي أن أشهقَ المصير؟ تُرى، من أعطى الحقَّ لبائعٍ متجوّلٍ أن يبيعَ طيرَ الحبّ معلّبًا وملفوفًا بالسيلوفان؟"

ومن خلالِ هذا السؤال، عرفتُ بالهمسِ المقصودِ أنّكَ بلا قلب، وأنّكَ تقايضُني بأعضائي، وبفطرتي تيقّنتُ أنّه حتى صديقتي العنصريّةُ لا تكذبُ حين أخبرتْني أنَّ تجّارَ الذهبِ لا يبرقون!

في الحقيقة، لم يُفاجئني هذا الرأيُ ولم يُحيّرني، الذي فاجأني فعلاً هو انقلابي على نفسي؛
هنا، الجميع فلامان؛ منتجون ومستهلكون يُلغِطون بلغةٍ سوداء.
عن الربح السريع، عن التوابلِ المُهرّبة في الأحذية، عن البطاطا المقلية، والقواقع الغارقة في النبيذ!
بينما تلمع نجمة داوود في الأزقة القديمة... بلا رقيب: بيضاءَ، صفراءَ، حمراء.

أنا لم أبعْ قميصي لهم، ولم أكنْ يومًا عاريًا؛ اكتفيتُ بذاتي، وبالبئرِ والإخوان، بينما تلك الشقراء تُلقي على طاولة المزادات عبداً
ابن عتّالي خط الاستواء الذين ماتوا جوعًا!

هل هذه صورةٌ حقيقيّةٌ أم مجرّدُ هلوسة؟ كيفَ لي أن أُبرّرَ علاقتي بالهذيان، وكيفَ أُشرحُ نظريّةَ التفوّقِ لأولادي؟

نحنُ لم نكن سوى نحن، وهم لم يكونوا سوى هم؛ فمَن يستحقُّ الوهجَ وحمرتَه؟ ومَن يا تُرى يستحقُّ الجهات؟

صبّاغون نحنُ بالفطرة؛ نرتدي جلودًا غيرَ جلودِنا، ونرسمُ على الحيطانِ أصابعَنا المبتورة، نشتري برغبتِنا الذهبَ المغشوش، ونبيعُ الدمَ والضميرَ للحيتان. هكذا نعزفُ، كالمحترفين، على أوتارِ الضغينة.

موسيقيون نحن؛ في الأرض والسماء.
نتخاصم ليلاً على العشّاق كعصافير الدوري،
وفي النهار ننام تحت آلاتنا المستعارة، لنستجدي أحلامًا فائضة!

نعزفُ الجازَ فوقَ البنايات؛ فمَن يستطيعُ أن يضبطَ ساعتَه؟ ومَن يستطيعُ أن يُهرّبَ الوقتَ بأوراقٍ مزوّرة؟

القرنُ كلّهُ يرقصُ متبخترًا بأكتافِهِ المُكتنزة، متناسيًا سرعةَ الرميِ وأهدافَ الشظايا، متناسيًا كلَّ الحروب! فالحروبُ هنا لم تأخذْ نصيبَها من التلميعِ بما يكفي.
لهذا، ولأسبابٍ أخرى، كثيرًا ما أتذكّرُ بلادي...

بلادي لم تكنْ فُقاعةً من رغوةِ صابون، لكنّ الدكّةَ التي غسّلوا الموتى عليها صارَت هي بلادي. بلادي صابونةٌ تتزحلقُ في حمّامٍ عموميّ!
وأنا وحدي لم أتنفّسِ الهيليومَ في حياتي ولم أطِرْ؛
بقيتُ أَنقُدُ العراقيين لدفنهم الأحلام في أجسادهم،
وفي السرّ تكويني حسرة العراقيات...
لماذا يغصّ حلقي كلّما مرّ بي عطرهنّ في الطريق؟

يا أيّها الموشومُ على ظهري كحمارِ الحريّةِ الوحشيّ: متى تُعيدُ لي عقلي؟ وتُرجِعُ لي كفّي؟
يا أيّها الوحشيُّ الجميل، متى تُعيدُ لي قدمي؟

مرارًا وتكرارًا حاولتُ أن أكونَ بيضةً في حوضِ ماء، لكنّ الشهيقَ كان غبيًّا في مسامّاتي؛ تشنّجَ الهواءُ في رئتَيَّ وتجمّدَ السحابُ في عينيّ. لم تكنْ ذاكرتي شحيحةً، لكنّ حكمتي عاقبتْني بإفراط؛ علّمتْني أنّ الانحسارَ شوكةٌ في الحلق، وأنّ الفُقاعةَ في الدمِ لن تكونَ غيمة.
—-
ماجد مطرود/ بلجيكا



#ماجد_مطرود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انقضّت غيمة على غيمة
- الحياة موسيقى
- للذئبِ حكمتهُ
- الالهة المدوّرة
- رحلة إلى بلاد انتيخون
- تحت إبطيك براكين
- الموسيقيون يريدون اسقاطَ النجوم
- المتمرد
- لا يعيشون بطريقة عادلة
- النيران
- دقّ منبّهُ المحمول
- اغلق فمك بكمامة
- كلمة
- عن الفوضوية البدينة
- تركتني الجهات
- ان تخالط الاسماء بالافعال
- عندما تؤسس القصيدة نظرية للتلقي
- وقفتُ منتصبا
- وقفت على الاشلاء يا غزة
- زوجتي تسكن في وادي البياض


المزيد.....




- كاريس بشار تكشف سرا عن ابنها وتعلق على مقارنتها بسلافة معمار ...
- “الزراعة” تُطلق برنامجاً توعوياً مكثفاً لنشر ثقافة “الزراعة ...
- -مسألة حياة أو موت- السعودي مرشح للأوسكار
- الروس يختارون فيلمهم المفضل لعام 2026
- الباليه الروسي.. من أحلام الطفولة إلى سنوات التدريب الشاق
- -معركة المحركات- يتجاوز المليار روبل في شباك التذاكر الروسي ...
- ريان جونسون يروّج لتطبيق «كروماغراف» لتصوير آيفون بمعالجة سي ...
- صفاء سلطان في ورطة بسبب العلم السوري القديم
- أمل عرفة تخوض أولى تجاربها في الدراما السعودية عبر -ليل خرمس ...
- بعد العوضي.. محمد رمضان يثير الجدل برسالة إلى أحمد فلوكس


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ماجد مطرود - رحلةٌ إلى بلادِ أنتيخون