أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فؤاد أحمد عايش - الأردن: حكاية حضارة وهوية تسكن الذاكرة














المزيد.....

الأردن: حكاية حضارة وهوية تسكن الذاكرة


فؤاد أحمد عايش
رئيس مبادرة الجسر الثقافي العالمي _ GCB

(Fouad Ahmed Ayesh)


الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 09:08
المحور: قضايا ثقافية
    


هناك أوطان نعيش فيها، وهناك أوطان تعيش فينا. والأردن بالنسبة لأبنائه ليس مجرد مساحة على الخريطة، ولا مجرد حدود جغرافية تفصل بين دول، بل حكاية طويلة من الحضارة والإنسان والذاكرة، تشكلت عبر آلاف السنين وما زالت تُكتب كل يوم. في الأردن، تبدو الحضارة وكأنها جزء من تفاصيل الحياة اليومية. فحين نمر بالقرب من مدينة البترا، لا نرى حجارة منحوتة في الصخر فحسب، بل نقرأ قصة الإنسان الذي استطاع أن يجعل من الصخر بيتًا للحياة، ومن الصحراء طريقًا للتجارة والتواصل بين الشعوب. وحين نقف في جرش، نستعيد صفحات من تاريخ مدينة كانت ملتقى للحضارات والثقافات، وحين نتأمل أم قيس أو مادبا أو السلط، ندرك أن الأردن يحمل في أرضه طبقات متراكمة من التاريخ والثقافة.

كان الأردن عبر تاريخه منطقة عبور والتقاء. مرت من أرضه طرق التجارة القديمة، والتقت فيه شعوب وثقافات متعددة، وترك كل عصر شيئًا من ذاكرته في المكان. ولعل هذه الخاصية هي إحدى أجمل سمات الثقافة الأردنية؛ فهي ثقافة لم تتشكل بمعزل عن العالم، بل نشأت من التواصل والتفاعل والتبادل. ولذلك يمكن النظر إلى الأردن باعتباره مساحة تاريخية للحوار بين الحضارات، حيث لم تكن الحدود الثقافية مغلقة، بل كانت الطرق مفتوحة أمام الإنسان والأفكار والتجارة واللغة والعادات.

إن قراءة تاريخ الأردن تعني في جانب منها قراءة تاريخ المنطقة بأكملها، لأن هذه الأرض كانت دائمًا جزءًا من حركة أكبر صنعت المشرق العربي.

لكن الحضارة ليست حجارة وآثارًا فقط. الحضارة الحقيقية تسكن الإنسان، وفي الأردن تظهر هذه الحقيقة في تفاصيل كثيرة: في الكرم، وفي الضيافة، وفي احترام الكبير، وفي قوة الروابط الاجتماعية، وفي العادات التي تنتقل من جيل إلى آخر. في البيت الأردني، ما زالت القهوة العربية تحمل معنى يتجاوز كونها مشروبًا؛ فهي جزء من تقاليد الاستقبال والاحترام. وفي المجالس، تستمر الحكايات الشعبية والأمثال والقصص في نقل الذاكرة من الآباء إلى الأبناء. ومن هنا، فإن الحفاظ على التراث لا يعني فقط حماية المواقع الأثرية، وإنما حماية الذاكرة الإنسانية التي تعطي لهذه المواقع معناها.

من شمال الأردن إلى جنوبه، ومن المدن إلى البادية والريف، تتعدد اللهجات والعادات والأزياء والأطعمة والحكايات الشعبية. وهذا التنوع ليس تناقضًا، بل ثراءً. فالهوية الأردنية استطاعت أن تجمع بين مكونات متعددة ضمن مساحة وطنية واحدة، فأصبح الاختلاف جزءًا من الصورة الكاملة للمجتمع.

وتظهر هذه الخصوصية في المطبخ الأردني أيضًا؛ فالمنسف، مثلًا، ليس مجرد طبق تقليدي، بل جزء من الثقافة الاجتماعية، يرتبط بالمناسبات والضيافة واللقاء، ويحمل في تفاصيله ذاكرة المجتمع. ربما تكون الثقافة من أجمل الطرق التي يمكن من خلالها تقديم الأردن إلى العالم. فالسائح الذي يزور البترا لا يكتشف موقعًا أثريًا فقط، بل يكتشف قصة حضارة. ومن يزور جرش يلتقي بصفحة من تاريخ المدن القديمة، ومن يتجول في السلط يكتشف العمارة والذاكرة الاجتماعية، ومن يجلس مع الأردنيين يكتشف جانبًا إنسانيًا لا يمكن أن تنقله الصور وحدها.

ولهذا فإن التعريف بالأردن ثقافيًا يجب ألا يقتصر على المعالم السياحية، بل ينبغي أن يقدم الإنسان الأردني وثقافته ولغته وعاداته وأدبه وفنونه وموسيقاه وتراثه الشعبي.

في عالم تتقارب فيه المسافات بفضل التكنولوجيا، أصبحت الثقافة واحدة من أهم الوسائل التي تساعد الشعوب على معرفة بعضها بعضًا. ومن هنا تأتي أهمية تقديم الثقافة الأردنية إلى القارئ العالمي بلغات مختلفة، ليس بهدف التعريف بالأردن فقط، وإنما من أجل فتح مساحة للحوار بين الثقافة الأردنية والثقافات الأخرى.

إن ترجمة الأدب الأردني، ونشر الدراسات حول الحضارة والتراث، وإقامة المعارض والندوات، وتشجيع التعاون بين الجامعات والمؤسسات الثقافية، كلها وسائل يمكن أن تجعل الثقافة الأردنية أكثر حضورًا في المشهد الثقافي الدولي. فالثقافة لا تحتاج إلى حدود كي تنتشر، ولا إلى جواز سفر كي تصل إلى الإنسان.

كلما ابتعد الإنسان عن وطنه، اكتشف أن الوطن ليس مكانًا فقط. إنه صوت، وذاكرة، ورائحة قهوة، ووجه أم، وحكاية أب، وشارع قديم، ولهجة نعرفها منذ الطفولة، وأسماء أماكن نحفظها حتى عندما نبتعد عنها آلاف الكيلومترات.

أراه وطنًا صغيرًا في المساحة، لكنه واسع في ذاكرته، غني في تنوعه، وعميق في حضارته. أراه وطنًا لا تختصره صورة واحدة، ولا يمكن أن تختصره الكلمات، لأن وراء كل مدينة وقرية ووادٍ وجبل حكاية، ووراء كل حكاية إنسانًا حافظ على شيء من ذاكرة هذا الوطن.

ومن خارج الأردن، أجد نفسي أكثر تعلقًا بكل ما ينتمي إليه؛ لأن المسافة تجعلنا نكتشف قيمة الأشياء التي كنا نراها يوميًا دون أن ندرك حجمها في حياتنا.

الأردن ليس مجرد وطن أنتمي إليه، بل حضارة أحمل ذاكرتها، وثقافة أعتز بها، وحكاية أريد أن تصل إلى العالم.

وإذا كانت الحضارات تُقاس بما تتركه من أثر في الإنسان، فإن أجمل ما يمكن أن يتركه الأردن هو إنسانه، وذاكرته، وثقافته، وقدرته على أن يجعل من تنوعه حكاية واحدة اسمها: الأردن.



#فؤاد_أحمد_عايش (هاشتاغ)       Fouad_Ahmed_Ayesh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجغرافيا الجديدة للقوة: عندما تتجاوز القوة حدود الخريطة
- التعاون الدولي: عندما تتحول الاختلافات إلى قوة مشتركة
- من الحوار إلى المشاريع المشتركة: نحو نموذج جديد للتعاون الثق ...
- حين تصبح المعرفة جسرًا بين الشعوب: لماذا نحتاج إلى دبلوماسية ...
- هل يمكن للثقافة أن تصنع السلام؟ عندما تصبح الحضارات جسورًا ل ...
- دور الشباب ومنظمات المجتمع المدني في صون التراث الثقافي
- التعاون الدولي.. نحو عالم أكثر تفاهمًا واستقرارًا
- مجلة الجسر الثقافي العالمي _ الإصدار السنوي الثاني 2026
- الفرصة القادمة: السعي نحو السلام
- حوار الحضارات بين أوروبا وأمريكا اللاتينية
- الثقافات العربية في القرن الحادي والعشرين: بين الأصالة والتح ...
- الثقافة العربية عند الغرب
- مفهوم الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين
- تأثير التكنولوجيا على الكتابة والأدب
- الترجمة ودورها الثقافي
- تحديات اللغة العربية في العصر الرقمي
- اللغة العربية
- الحوار بين الحضارات
- الفصحى والعامية _ جدل مستمر
- الدبلوماسية العربية من أجل السلام


المزيد.....




- من جدل الاعتراف بالحب إلى الأزياء.. إطلالتا يارا السكري وأحم ...
- متحدثة ترامب السابقة تدافع عنه: الأسهل وصولاً وأكثر الرؤساء ...
- رفع صور الحرم المكي باحتجاجات دعا لها عبدالملك الحوثي ردا عل ...
- قبيل زيارة شي.. وفد تجاري صيني رفيع يصل واشنطن
- مطار لوكسمبورغ يستأنف عمله بعد توقف مؤقت بسبب طائرة مسيرة
- نجاح أول عملية تقويم أسنان لباندا في الصين
- كوريا الشمالية: وضعنا النووي لا رجعة فيه ومدعوم بقدراتنا الر ...
- السعودية تعلن زوال الخطر بعد تحذيرات طالت الرياض ومحافظات أخ ...
- مراهق يطلق النار داخل مدرسة بالفلبين ويقتل طالبين ثم ينتحر
- مواجهة بين ترامب وصحفيين.. كيف برر عزمه حظر CNN ووسائل إعلام ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فؤاد أحمد عايش - الأردن: حكاية حضارة وهوية تسكن الذاكرة