أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سنية عبد عون رشو - الطائر الجريح














المزيد.....

الطائر الجريح


سنية عبد عون رشو

الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 02:55
المحور: الادب والفن
    


وقفت بثوبها الأبيض كأنها تشيع أحلامها الى مثواها الأخير بينما يؤدي الجميع رقصة شعبية . كانت تريد ان تصرخ لكن صوتها أختنق بين الخوف والخذلان .
تتوجع ألما وحسرة حين دخلت قاعة الاحتفال خجلة ، لم ترفع رأسها بوجوه الحاضرين ، تمنت بداخلها ان يحدث أمر ما ، ليفشل هذا الزواج الذي خنق انفاسها وجعلها تفكر بالهرب . فهل يمكنها ان تهرب من ليلة زفافها بفستانها الأبيض . ؟؟
اجتمع الأهل والأقارب . وهي تحسبهم صنف من البرابرة أو آكلة لحوم البشر .
زُفتْ عروس لابن عمها الذي يكبرها بسنوات عديدة . اقتلعها الكبار من عالم طفولتها ، وألبسوها فستان الزفاف الذي أثقل جسدها النحيف . تاركة خلفها دميتها وأحلامها وشهادة درجاتها المدرسية .
ما تزال تجمع احلامها الصغيرة بين دفاتر المدرسة ، وتشجيع مدرساتها وصديقاتها عند وقوفها على خشبة المسرح المدرسي وهي تؤدي دورا فكاهيا أثار أعجاب الحاضرين فقررت ادارة المدرسة ان تمنحها كأس التمييز والأبداع . لكن أسرتها . من الناحية الأخرى قرروا ان يختاروا لها طريقا آخر لم تختره هي . فقد أجبروها على الزواج من ابن عمها ، لتكون الزوجة الثانية ، فزوجه الأولى لم يحالفها الحظ بالإنجاب. اذن ستكون هي الوعاء الجديد للتجربة ، وهي تعرف تماما ان ذلك لم يكن سوى القتل المتعمد لطفولتها ومستقبلها ، لكنه لا يعني شيئا بالنسبة لهم . كانت تبث همومها لشريط أسود ملصق فوق صورة أمها فقد كانت سندها والجدار الذي يحميها من قسوة والدها وتسلطه ، والذي يعتبرها كأنها حمل ثقيل عليه .
بكتْ كثيرا ، وتوسلتْ ، وأخبرتْ الجميع انها لا تريد هذا الزواج ، لكن صوتها كان أضعف من التقاليد والأعراف التي أحاطت بها كالجدران الصلدة الصامتة التي لا تسمح لصوت الأنثى ان يُسمع ، ولا تسمح لها ان تقول لا . .
وحين اقترب موعد زفافها شعرتْ ان الأيام تضيق حول عنقها ، كأنها حبل المشنقة
الذي تراءى لها في كوابيسها منذ بدأ الحكاية .
سارت وروحها تئن بين الخوف والخذلان ..
اذن عليها ان تهرب ، ولكن الأمر مستحيل فالمكان محاط بالناس من كل جانب . وربما يمسكها والدها القاسي ، أو أحد اخوانها الذكور فهم جميعا قد استلموا الثمن الباهض الذي دفعه أبن عمها ذلك العجوز البليد المتصابي . .
كانت تتظاهر بالسعادة ، لكنها تضمر خطة للهرب . خطة بسيطة تشبه براءة أحلامها ، لذلك أطاعتهم وتزينت بينما كانت الأفكار تضج في رأسها الصغير ، وهي تتذكر أسنانه السود المتقدمة للأمام فتكاد ان تتقيأ . اذن عليها ان تهرب حالا .
.كانت تبتسم للناس مجبرة لكن عينيها ترويان قصة طفلة سُرقت منها أيامها
انتظرت حتى ضجت الاصوات في القاعة وانشغل الجميع بالتحضيرات ، وقرع الطبول . جمعت شجاعتها المبعثرة ، وتسللت بخطوات مرتجفة ، كطائر جريح يبحث عن نافذة مفتوحة . كانت تهرب من حياة هي ليست عالمها . وبراءتها ترفض هذه القيود . عبرت الأزقة المظلمة ، وقلبها يخفق بقوة ، وكل خطوة كانت عبارة عن صرخة صامتة تقول : أريد ان أعيش كما أريد ، لا كما تريد العشيرة وتقاليدها ، لتجعلها تحمل مسؤولية أكبر من عمرها .
لكن القانون هو المشرع الحقيقي . لهذه المعضلة . بمن تستنجد ..؟؟ فهل ينجدها القانون . ؟؟
لا تعرف الى أين ستصل ، لكنها كانت تعرف شيئا واحدا فقط : ان البقاء يعني ان تفقد نفسها الى الأبد . .
هربت باحثة عن ملاذ يحمي حلمها البسيط لإكمال دراستها . .
اختبأت في بيت أحدى صديقاتها ، لا تحمل معها سوى خوفها وأملها بالنجاة . لكن الشائعات كانت أسرع منها ؛ فلفق بعضهم قصة أنها هربت مع شاب كانت قد اتفقت معه . .
وفي مجتمع يصدق الظنون والأكاذيب أكثر مما يسمع الحقائق ، تحولت الطفلة الى متهمة دون محاكمة . وان مجرد هروبها يعد وصمة عار لسمعة أسرتها . وهذا ما ادّعاه أبن عمها الذي صرف أموالا طائلة وهذا جلّ اهتمامه ومما جعله يستشيط غضبا . .
لم يفهموا ان القلوب الغضة لا تُجبر على الحب ، وان الزواج بالإكراه لا يولد سوى العذاب والحقد بين الطرفين والى الأبد . .
لم يسألها أحد : لماذا هربتْ . ؟ ولم يمنحها أحد فرصة لتروي وجعها . فكانت جريمتها الوحيدة أنها رفضت أن تساق الى رجل عافته نفسها .وانها حياة الجحيم معه في نظرها . .
وبين لحظات غضب والدها وكلمات أبن عمها وتجريحه لهم وطعنه لشرفهم ،
أُطفئت روحها البريئة .!!!
قبل أوانها حاملة معها أحلاما لم تكتمل وقبل ان تعرف معنى الحياة .



#سنية_عبد_عون_رشو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ابتسامة جذلة
- همس النخيل
- واجب العزاء
- نافذة وفنجان
- كبرياء فوز المتأخر
- الفتى اليساري
- أريد ان أنسى
- اللوحة
- البكاءخلسة
- حبة قمح
- الساعة الخامسة
- العربة
- صمت القديسين
- رمزية شاعرة .. ولكن
- تسرق الريح أغانيها
- القمر والبحر
- الصوت
- أصغر سيدة
- خوذة مرقطة
- كيف ترحل


المزيد.....




- أقدم مسجد في فرنسا.. حفريات جزيرة -مايوت- تعيد كتابة تاريخ د ...
- -نازا- في سان سيباستيان.. مهرجان السينما يجدد موقفه من حرب غ ...
- فيلم -نازا- الوثائقي في قلب عاصفة سياسية في إسرائيل
- تراث متجذر في حياة السودانيين.. زراعة الحناء تصارع الجفاف وت ...
- وفاة صاحب أغنية -Barely Breathing- الشهيرة عن عمر ناهز 56 عا ...
- جدران مدن الأردن.. من كتل صامتة إلى صفحات مفتوحة للذاكرة
- رغم الغضب الإسرائيلي.. فيلم -نازا- يصل إلى دور العرض الأمريك ...
- مصر ترشح -القصص- لخوض سباق الأوسكار 2027
- -لكل كتاب حكايتان.. حكاية النص وحكاية المنع-.. مصائر كتب أُر ...
- بعد دخوله العناية المركزة.. سامح حسين يوجه رسالة لجمهوره ويط ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سنية عبد عون رشو - الطائر الجريح