أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حازم كويي - السياسة الواقعية الثورية في البلديات















المزيد.....

السياسة الواقعية الثورية في البلديات


حازم كويي

الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 20:24
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


لقد أصبحت القضايا الاجتماعية الكبرى تُطرح منذ وقت طويل على المستوى المحلي، من مناقشات الميزانيات ونقص الموظفين إلى سياسة المناخ وأزمة السكن. ففي مبنى البلدية ومجلس القضاء الإداري لا يتعلق الأمر فقط بتوزيع الاختصاصات، بل أيضاً بتوزيع الموارد وتشكيل الظروف الاجتماعية للحياة.

ثوربن بيترس ويانيس فيسليتشنيي(*)
ترجمة: حازم كويي

يأتي كثير من الرفاق إلى البرلمانات البلدية وهم يحملون طموح النضال من أجل تحقيق تحسينات ملموسة. لكنهم سرعان ما يصطدمون بحدود النظام: خزائن فارغة، وبيروقراطية، وما يُفترض أنها ضرورات تفرضها الظروف. ففي الوقت الذي تتوفر فيه مليارات اليوروات لإعادة التسلح، تفتقر البلديات إلى الأموال اللازمة للتعليم والشؤون الاجتماعية والثقافة وحماية المناخ. وهكذا تتحول الإدارة الذاتية للبلديات إلى مجرد إدارة للنقص.
ولذلك تسود في كثير من المجالس ثقافة التكيف. ويتم تجنب الصراعات، وتُعتبر الانتقادات غير واقعية، وغالباً ما يجد السياسيون اليساريون في البلديات أنفسهم في دور توفير الأصوات اللازمة للأغلبيات وهم معزولون، أو في موقع المعارضين غير المرغوب فيهم. لكن المهمة الحقيقية للسياسة البلدية اليسارية تبدأ هنا تحديداً: الجمع بين السياسة الواقعية ذات الطموح الثوري. فالمطلوب هو تحسين الحياة اليومية بصورة ملموسة، وخلق الأمل، وفي الوقت نفسه إظهار حدود الواقع القائم.
وقد صاغت روزا لوكسمبورغ لهذا الغرض مفهوم السياسة الواقعية الثورية. فهي لم تنظر إلى الإصلاحات باعتبارها بديلاً عن التغيير، بل باعتبارها خطوات من شأنها أن تعمّق الوعي، وتغيّر موازين القوى، وتمكّن الناس من ممارسة الفعل السياسي بأنفسهم. ومن هنا يطرح السؤال المركزي نفسه: كيف يمكن ممارسة سياسة على المستوى البلدي تكون واقعية في وسائلها، وثورية في منظورها في الوقت نفسه؟

فكرة لوكسمبورغ عن السياسة الواقعية الثورية
طورت روزا لوكسمبورغ مفهومها للسياسة الواقعية الثورية، في سياق فترة لم تكن خالية من التغيرات، بل كانت تشهد تحولات سياسية عميقة. فقد نشأ الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني في عهد الإمبراطورية الألمانية من حركة تعرضت لسنوات طويلة للملاحقة والحظر والإقصاء الاجتماعي.
وبين عامي 1878 و1890، خضعت المنظمات الاشتراكية لما سمي بقوانين الاشتراكيين. وتم تفكيك هياكل الحزب، وحُظرت الصحف، وخضع الناشطون للمراقبة أو أُجبروا على اللجوء إلى المنفى. وكانت السياسة بالنسبة إلى الاشتراكيين الديمقراطيين في تلك الفترة تعني العمل السري والقمع والوصم الاجتماعي.
ولم يتمكن الحزب من إعادة تنظيم صفوفه بصورة علنية إلا بعد إلغاء هذه القوانين. وفي العقود التالية، شهد الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني صعوداً سريعاً. فقد أصبح أكبر حزب للطبقة العاملة في أوروبا، ثم أصبح في نهاية المطاف أقوى كتلة برلمانية في الرايشستاغ.
وكان ملايين الناس يربطون بالحزب الأمل في تحسين أوضاعهم الاجتماعية والمشاركة السياسية. إلا أن هذا النجاح جلب معه تحديات جديدة. فلم يعد على الحزب أن يناضل في الخفاء، بل أصبح عليه أن يثبت وجوده في الحياة البرلمانية، وأن يحظى بالاعتراف، وأن يدافع عن شرعيته السياسية.
لقد غيّرت عملية الاندماج هذه تحديداً الممارسة السياسية. فقد بدأت المشاركة في البرلمان تظهر بصورة متزايدة باعتبارها نجاحاً وضماناً للاستقرار. وأدى الخوف من عودة القمع، والرغبة في الحصول على الاعتراف السياسي، والمسؤولية تجاه قاعدة انتخابية آخذة في الاتساع، إلى خوض الصراعات بحذر أكبر. وانتقل الصراع الطبقي بصورة متزايدة إلى المسارات المنظمة للعمل البرلماني، في حين تراجعت أهمية المواجهات خارج البرلمان.
وفي الوقت نفسه، اكتسب تيار فكري داخل الحزب نفوذاً متزايداً، وكان يؤيد هذا التطور صراحة. فقد رأى إدوارد برنشتاين أن بالإمكان تجاوز الرأسمالية تدريجياً من خلال الإصلاحات. وبالنسبة إليه، كانت مهمة الاشتراكية الديمقراطية تتمثل في استخدام المؤسسات القائمة من أجل تحقيق تحسينات اجتماعية. ومن هذا المنظور، فقدت الثورة طابعها بوصفها قطيعة أساسية، وحل محلها مسار إصلاحي مستمر.
انتقدت روزا لوكسمبورغ هذا الموقف بشدة. وحذرت من أن السياسة التي تجعل من الإصلاحات غاية في حد ذاتها ستؤدي حتماً إلى التكيف مع الواقع القائم. فإذا اعتُبرت الرأسمالية نظاماً يمكن إصلاحه بصورة دائمة، فإن الحركة العمالية ستفقد أفقها الاستراتيجي. وكانت لوكسمبورغ ترى أن الإصلاحات ضرورية، لكنها لا يجوز أن تحل بأي حال من الأحوال محل التحول المجتمعي الأساسي.
وإلى جانب هذا التطور النظري، رصدت لوكسمبورغ عملية ثانية، كانت في نظرها أكثر خطورة، تمثلت في صعود الانتهازية البرلمانية داخل الحزب. فمع نجاح الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، نشأت أجهزة حزبية جديدة، وظهرت عضويات برلمانية ثابتة ومسارات مهنية سياسية. وأصبحت المناصب البرلمانية مواقع مرغوبة، وأصبح الحفاظ عليها يتحول بصورة متزايدة إلى مصلحة مستقلة بحد ذاتها.
ورأت لوكسمبورغ في ذلك خطراً بنيوياً. فقد بدأ الحزب يخلط بين المشاركة في السلطة والنضال من أجل السلطة. وأدت الممارسة البرلمانية الروتينية، وضرورة تقديم التنازلات، والحاجة إلى الاعتراف السياسي، إلى تخفيف حدة الصراعات وإخفاء التناقضات المجتمعية. وهكذا كان يتهدد الحركةَ التي تهدف إلى تغيير الظروف القائمة خطرُ التحول إلى منظمة تعمل على تثبيت هذه الظروف.
وفي الوقت نفسه، عارضت لوكسمبورغ تصوراً معاكساً داخل الحركة العمالية، وهو التصور اللينيني، الذي كان يريد تحقيق التغيير بالدرجة الأولى من خلال قيادة مركزية وتنظيم منضبط من أعلى إلى أسفل. وبالنسبة إليها، كان كلا الطريقين يؤدي إلى طريق مسدود. فالإصلاحية كانت تهدد بالاستقرار داخل الواقع القائم، بينما كانت النماذج السلطوية تقوّض قدرة الناس على المبادرة والفعل بأنفسهم.
كان رد لوكسمبورغ على هذه المعضلة الاستراتيجية هو فكرة السياسة الواقعية الثورية. فلم يكن ينبغي النظر إلى الإصلاحات باعتبارها بديلاً عن التغييرات الأساسية، بل باعتبارها خطوات ضرورية على الطريق إليها. وكتبت: «هناك علاقة لا تنفصم بين الإصلاح الاجتماعي والثورة: فالإصلاح الاجتماعي هو الوسيلة، والثورة الاجتماعية هي الهدف».
وكان الدور الذي تلعبه الخبرة الجماعية حاسماً بالنسبة إلى لوكسمبورغ. فمن وجهة نظرها، لا يمكن فرض التغيير المجتمعي بأوامر من المسؤولين، بل يجب أن ينشأ من نضالات الناس أنفسهم. وقد صاغت ذلك بالقول: «إن التنظيم ينشأ من النضال، وليس العكس». فالوعي الطبقي لا ينمو من خلال التلقين، وإنما من خلال العمل المشترك، والصراعات، والهزائم، والانتصارات.
ولذلك لم تكن مهمة الحزب بالنسبة إلى لوكسمبورغ أن يحل محل الحركة، بل أن يعززها. وكان ينبغي له أن يجمع الخبرات، ويوفر التوجيه، ويفتح المجال أمام النقاش الديمقراطي، مع الحفاظ دائماً على تواصل وثيق مع النضالات الاجتماعية. وبهذه الطريقة وحدها يمكنه أن يحول دون تحوله هو نفسه إلى جهاز بيروقراطي لإدارة الواقع القائم.
ومن ثم، فإن السياسة الواقعية الثورية بالنسبة إلى لوكسمبورغ لم تكن تعني البحث عن طريق وسط بين الإصلاح والثورة، بل كانت تعني الجمع بينهما: النضال من أجل تحقيق تحسينات ملموسة، وفي الوقت نفسه إظهار التناقضات المجتمعية التي تتجاوز حدود الإصلاحات الفردية.

تحديات السياسة البلدية الثورية
تشير انتقادات روزا لوكسمبورغ للنظام البرلماني مباشرة إلى الصعوبات التي يواجهها اليسار السياسي اليوم أيضاً، ولا سيما على المستوى البلدي. فالمؤسسات مصممة لتهدئة الصراعات وإبقائها تحت السيطرة السياسية. ولذلك لا تطرح السياسة الواقعية الثورية سؤال ما الذي تريده السياسة فحسب، بل أيضاً السؤال عن الظروف التي تجري في ظلها السياسة أصلاً. ويمكن وصف هذه التحديات على ثلاثة مستويات مترابطة: المستوى المؤسسي، والمستوى البنيوي، والمستوى الثقافي.

التحديات المؤسسية: السياسة في إطار العمل الروتيني
تجري السياسة البلدية داخل مؤسسات شديدة التنظيم وبشكل مرسوم. وتتبع البرلمانات واللجان قواعد إجرائية واضحة، تركز بالدرجة الأولى على النظام وإمكانية التنبؤ وسير العمل الروتيني. وغالباً ما يحدد الشكلُ المضمونَ.
وعادة لا تُرتب المقترحات بحسب أولوياتها السياسية، بل تتم معالجتها وفقاً للنظام الداخلي. وتجري المناقشات وفق أوقات محددة للكلام وإجراءات صارمة، بينما لا تكاد تكون هناك مساحة لمداخلات عفوية من المواطنين في المناقشات البرلمانية.
وينتقل جزء كبير من العمل إلى اللجان المتخصصة، حيث يمكن أن تتحول المواجهات السياسية بسهولة إلى أعمال تفصيلية فنية ومتخصصة. وهكذا يتهددنا خطر فقدان الرؤية للصراعات المجتمعية الأساسية.
وفي الوقت نفسه، تفرض الحياة البرلمانية اليومية منطق الخطوات الصغيرة والمتدرجة. فالتركيز على التحسينات الآنية، رغم أهميتها، يمكن أن يؤدي إلى غياب التغييرات المجتمعية الأكبر عن الأنظار. ويضاف إلى ذلك ضغط متزايد للظهور أمام الجمهور، إذ أصبح العمل السياسي يستند بصورة متزايدة إلى الطريقة التي يُنظر بها إلى أصحاب المناصب السياسية، بدلاً من أن يستند إلى موازين القوى المجتمعية التي ينبغي تغييرها.

التحديات البنيوية: السياسة في ظل الضرورات المفروضة
إلى جانب الظروف المؤسسية، تحدد الأطر البنيوية إمكانيات العمل المتاحة للسياسة البلدية. فالمدن والبلديات تقع في نهاية سلسلة الدولة. وهي تتحمل مسؤولية البنية التحتية الاجتماعية والخدمات العامة، لكنها لا تملك سوى هامش محدود من الإمكانيات المالية والقانونية. كما أن جانب الإيرادات في ميزانيات البلديات محدد إلى حد كبير مسبقاً.
وتُتخذ القرارات الأساسية، مثل القرارات المتعلقة بالسياسة الضريبية أو تنظيم الإيجارات أو برامج الاستثمار، على المستوى الاتحادي أو على مستوى الولايات. ويتعين على البلديات تنفيذ آثار هذه القرارات من دون أن تكون قادرة على تحديدها بنفسها. ويؤدي نقص التمويل وقواعد الديون والمهام الإلزامية إلى ظهور القرارات السياسية في كثير من الأحيان وكأنها ضرورات مفروضة لا بديل عنها. وهكذا يسهل اختزال السياسة البلدية في مجرد الحد من الأضرار. وبدلاً من تشكيل التغييرات المجتمعية، تصبح مهمتها إدارة الندرة.
ولهذا تحديداً تتمثل إحدى المهام الأساسية للسياسة البلدية اليسارية في إظهار هذه الحدود البنيوية وتحويلها إلى قضية سياسية، بدلاً من تقبلها باعتبارها أمراً طبيعياً لا يمكن تغييره.

التحديات الثقافية: ضغط التكيف ونزع الطابع السياسي
إلى جانب القيود المؤسسية والبنيوية، توجد ثقافة سياسية تعمل على تهدئة الصراعات وتشجع على التكيف. وغالباً ما يُنظر إلى السياسة البلدية باعتبارها «موضوعية» و«فوق حزبية». فالانطباع بأن جميع الأطراف تعمل من أجل المصلحة المشتركة للسكان يحجب الاختلافات الفعلية في الملكية والسلطة والوضع الاجتماعي.
ومن يطرح أسئلة أساسية حول العلاقات الطبقية أو السلطة سرعان ما يُنظر إليه باعتباره غير واقعي أو مصدراً للإزعاج. وغالباً ما يُقاس «الواقعية» بما يبدو ممكن التنفيذ على المدى القصير، وليس بما قد يكون ضرورياً من تغييرات مجتمعية.
ولهذا الضغط على التكيف بُعد اجتماعي أيضاً. ففي البلدية يعرف كثير من الفاعلين بعضهم بعضاً على المستوى الشخصي، وقد يكون الخصوم السياسيون في الوقت نفسه جيراناً أو زملاء في العمل أو أعضاء في الجمعية نفسها. وهذه العلاقة القريبة تجعل الصراعات المفتوحة أكثر صعوبة، وتشجع على التوجه نحو التوافق.
وهكذا تتداخل السياسة مع العلاقات الشخصية، وتتراجع الاستعدادات لخوض مواجهات أساسية وجوهرية.

التسييس بوصفه استجابة استراتيجية
يجب أن تنطلق السياسة الواقعية الثورية من المستويات الثلاثة جميعها. فهي لا تقبل الحدود المؤسسية والبنيوية باعتبارها غير قابلة للتغيير، بل تجعل منها موضوعاً للصراع السياسي. ومن خلال التشكيك في الضرورات المفروضة، وإظهار الصراعات، وكشف المصالح الاجتماعية الكامنة وراء القرارات، يمكنها كسر روتين الإدارة. وبهذا المعنى، فإن البلدية ليست مكاناً للتكيف، بل نقطة انطلاق لتسييس الحياة اليومية. وهنا يمكن للناس أن يختبروا أن العلاقات السياسية قابلة للتغيير.

ثلاثة مبادئ للسياسة البلدية الثورية
تبدأ السياسة الواقعية الثورية على المستوى البلدي من إدراك بسيط: لا يجوز للسياسة اليسارية أن تقتصر على محاولة تحقيق أفضل ما يمكن في ظل الظروف القائمة. بل يجب عليها أن تُسيّس هذه الظروف نفسها وأن تُغيّرها. وتكون الإصلاحات ثورية عندما تحقق تحسينات حقيقية، وتُظهر علاقات القوة، وتشجع الناس على المشاركة بأنفسهم.

تحسينات اجتماعية حقيقية
تبدأ السياسة الواقعية الثورية من الحياة اليومية. فعلى السياسة البلدية اليسارية أن تفرض تحسينات ملموسة في مجالات السكن، وإمدادات الطاقة، والرعاية، أو النقل العام. وتُعد هذه النجاحات شرطاً للمصداقية السياسية. فمن لا يلمس أي تغيير في حياته الخاصة، لن يعتقد أيضاً أن التغييرات الأكبر ممكنة.
لكن الإصلاحات لا يجوز أن تتحول إلى غاية في حد ذاتها. فإعادة الخدمات إلى إدارة البلديات، وبطاقات النقل الاجتماعي، أو الاستثمارات في البنية التحتية العامة ليست مجرد تخفيف عملي للأعباء، بل تطرح أيضاً السؤال حول من يملك المدينة ومواردها. وتصبح الإصلاحات ثورية عندما تجعل البدائل واضحة وتوسع هامش القدرة على الفعل.

طرح المسألة الطبقية
السياسة البلدية ليست محايدة أبداً. فكل قرار يتعلق بالميزانية، وكل مخطط عمراني، وكل عملية إسناد أو تخصيص، يمس الملكية والتوزيع وعلاقات القوة. وتسمي السياسة الواقعية الثورية هذه المصالح بوضوح، وتتساءل: من المستفيد، ومن يتحمل الأعباء؟ ويربط هذا المنظور القرارات البلدية بالنضالات الاجتماعية، بدءاً من حركات المستأجرين، مروراً بالنضالات العمالية، وصولاً إلى الصراعات حول البنية التحتية العامة. وهو يُظهر أن البلدية ليست مجالاً هامشياً للسياسة، بل ميداناً مركزياً للصراعات المجتمعية .

تعزيز التسييس والتنظيم الذاتي
تعتمد السياسة الواقعية الثورية على أن يصبح الناس فاعلين بأنفسهم. فالديمقراطية لا تنشأ في المجالس البلدية وحدها، بل أيضاً في مبادرات الأحياء، وجمعيات المواطنين، والحركات الاجتماعية. ويمكن للسياسة البلدية اليسارية أن تدعم هذه العمليات من خلال الشفافية، وإتاحة فرص المشاركة، وتعزيز الهياكل القائمة على التنظيم الذاتي. وعندما يختبر الناس أن مشاركتهم تحدث أثراً فعلياً، يتغير تصورهم لأنفسهم بوصفهم فاعلين سياسيين، وتصبح الديمقراطية حية.

البلدية بوصفها مجالاً للسياسة الواقعية الثورية
البلدية ليست مجالاً إدارياً محايداً، بل ميداناً مركزياً للصراعات المجتمعية. ففيها يُقرر كيف تُوزع الموارد، وكيف تُنظم السلع العامة، وكيف تُفرض المصالح الاجتماعية. ومن يملك الأرض أو السكن أو الطاقة أو البنية التحتية يمارس السلطة، وهذا السؤال المتعلق بالسلطة يقف وراء كل قرار في السياسة البلدية، حتى عندما يبدو القرار مجرد ضرورة فنية مفروضة.
وصف كارل ماركس الدولة في البيان الشيوعي (1848) بأنها «لجنة تدير الشؤون المشتركة للبرجوازية». ويظهر ذلك بصورة خاصة على المستوى البلدي. فعندما تهيمن الخصخصة أو الانضباط المالي أو مصالح المستثمرين، تبدو السياسة وكأنها مجرد إدارة للشؤون، رغم أنها تخدم مصالح طبقية محددة. ولهذا تحديداً تنطوي البلدية على إمكانات خاصة للسياسة الواقعية الثورية. ففي أي مجال سياسي آخر لا تكون التناقضات المجتمعية قابلة للاختبار المباشر، وفي الوقت نفسه قابلة للتغيير بصورة ملموسة، كما هي في البلدية.
كانت روزا لوكسمبورغ تنظر إلى الوعي الطبقي باعتباره نتيجة للتجارب المشتركة في النضالات الفعلية. والبلدية هي أحد هذه الأماكن التي يتعلم فيها الناس من تجاربهم. فعندما ينظم المستأجرون أنفسهم لمواجهة التهجير، أو يناضل العاملون من أجل ظروف عملهم، أو يدافع المواطنون عن السلع العامة، يتحول الشعور الفردي بالتضرر إلى قدرة جماعية على الفعل. وتنظر السياسة الواقعية الثورية إلى البلدية باعتبارها مجالاً للتسييس والتمكين الذاتي. فهي تجعل الصراعات مرئية، وتربط النضالات الاجتماعية ببعضها، وتوسع هامش القدرة الديمقراطية على الفعل.
وتتضح الأهمية السياسية للبلدية بصورة خاصة في أوقات تصاعد التسلح. ففي الوقت الذي تتدفق فيه الموارد الحكومية إلى المشاريع العسكرية، تكافح المدن والبلديات من أجل تمويل المدارس والبنية التحتية الاجتماعية والخدمات العامة الأساسية. ومن ثم فإن مسألة السلام هي مسألة اجتماعية ملموسة: فهي تحدد ما إذا كانت الموارد ستُستثمر في القوة العسكرية أم في الظروف المجتمعية للحياة.
وبهذا المعنى، فإن البلدية هي أحد الأماكن المركزية للتمكين الذاتي الديمقراطي. وهنا يمكن أن تنشأ البدائل عملياً، وأن تصبح علاقات القوة المجتمعية واضحة. ولذلك تعني السياسة الواقعية الثورية استخدام هذا المجال بوعي باعتباره ميداناً للصراع الطبقي، بصورة ملموسة ويومية، وبهدف بناء مجتمع تضامني وسلمي.


ثوربن بيترس(*): هو رئيس حزب اليسار في ولاية سكسونيا السفلى.
يانيس فيسليتشني(*): عضو في مجلس إدارة مؤسسة روزا لوكسمبورغ في ولاية سكسونيا السفلى.



#حازم_كويي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشعبويون لا يصنعون أغلبية
- الاشتراكية الديمقراطية أم إدارة النقص
- كيف يستمر الحكم الاستعماري حتى يومنا هذا
- طفرة الذكاء الاصطناعي لم يطلبها أحد: من يدفع ثمن عواقبها؟
- مؤشر مبكر على العواصف السياسية
- لماذا تُعد أطروحة الإقطاع التكنولوجي ماركسية؟
- أكثر من مجرد مقرّ حزبي – لماذا ينبغي لنا أن نفكر إلى ما هو أ ...
- ترامب يستخدم البيروقراطية لمصلحة الأثرياء، وممداني يسعى لتخف ...
- خمسة أوهام تُبقينا أسرى الرأسمالية
- استعمار التكنوقراط
- من هم -حزب الصراصير- الشعبي في الهند، ولماذا يُنظم الاحتجاجا ...
- كيف نظهر الرقي في طريقة تواصلنا؟
- من يتقدم؟الولايات المتحدة أم الصين
- سردية العِرق والطبقة في حوارات طرق الأبواب
- بناء حزب اليسار، تنظيم الأمل والنضال.الجزء الثاني
- بناء حزب اليسار، تنظيم الأمل والنضال
- حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) – هل يستحق الحظر؟
- التحول الداخلي في ألمانيا: صعود أيديولوجيا التسلح والحرب
- نحو رؤية يسارية للذكاء الاصطناعي
- تأريخ المنصة الألكترونية وتطور أشكال عملها


المزيد.....




- جهة أوروبا للنهج الديمقراطي العمالي تدين القمع والتضييق ألذي ...
- Between the Usa-State Inc. and China’s Party-State: AI as a ...
- Is Europe Restraining Israel—or Merely Protecting the Two-St ...
- Gendering the World-System: Women, Class, and the Global Div ...
- Fed Rate Hikes, US Treasury Market & Crisis of Empire
- النهج الديمقراطي العمالي يدين تصعيد مسار التطبيع مع الكيان ا ...
- قبل انتخابات مكلنبورغ-فوربومرن.. الاشتراكي الديمقراطي يتقدم ...
- الرهان الخاسر على دونالد ترامب
- اليسار يعود إلى السلطة في السويد.. أندرسون تتعهد بتوحيد البل ...
- تصاعد الاحتجاجات الشعبية في تونس وسط أزمة اقتصادية خانقة وات ...


المزيد.....

- الأمل الثوريّ – ظهور إمكانيّات جديدة لثورة تحريريّة في خضمّ ... / شادي الشماوي
- القنبلة الصامتة، الذكاء الاصطناعي وتفكيك العقل البشري / رزكار عقراوي
- بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال ... / الأممية الرابعة
- التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم ... / شادي الشماوي
- الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي ... / شادي الشماوي
- عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال / المناضل-ة
- كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف ... / عبدالرؤوف بطيخ
- نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية / رزكار عقراوي
- كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حازم كويي - السياسة الواقعية الثورية في البلديات