|
|
قراءة في قصيدة «هي الحرب» للشاعر سليمان جوادي
محمد بسام العمري
الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 10:02
المحور:
الادب والفن
حين نقرأ قصيدة «هي الحرب» للشاعر سليمان جوادي، المنشورة في سياق سنة 1982، ينبغي أولًا أن نتحرر من الحكم السريع الذي يجعل الشعر مساويًا لمقدار ما يحتويه من صور مبتكرة، أو يجعل القصيدة السياسية أدنى مرتبة من القصيدة الوجدانية. فالقصيدة لا تُقرأ خارج زمنها، ولا خارج الوعي الجمعي الذي أنتجها، ولا خارج التحولات التي كانت تعصف بالعالم العربي وفلسطين في تلك المرحلة. ومن هنا فإن القراءة النقدية الجادة لا تبدأ بالسؤال: «هل أعجبتني القصيدة؟»، وإنما تبدأ بالسؤال: «ما الذي تقوله القصيدة؟ وكيف تقوله؟ ولماذا قالتْه بهذه الطريقة؟ وما الذي تكشفه بنيتها اللغوية والجمالية والفكرية عن عصرها وعن ذات شاعرها؟». والنص يقول: «أيا أمة العرب غنيت دهرا فما طاب لي في حماك الغناء أأشدو وفي القلب فتح جرح وعشش حزن وأورق داء أأشدو وهذي فلسطين تسبى ويصلب في مقلتيها الرجاء وأمتنا العربية جسم يمزقه الجبن والارتخاء وأمتنا العربية نفط وفير ونحن بها الفقراء أيا أمة العرب ماذا أغني وماذا عساه يفيد الغناء هي النار والبندقية أجدى هو الانتصار وإما الفناء» إذا بدأنا من المقاربة التاريخية والاجتماعية، فإن القصيدة تبدو ابنة لحظة عربية مأزومة أكثر مما تبدو تمرينًا لغويًا مجردًا. فالشاعر لا يتحدث عن فلسطين باعتبارها موضوعًا خارجيًا، وإنما يجعلها مركزًا لاختبار الضمير العربي. ولهذا يتكرر النداء «أيا أمة العرب»، وهو نداء يتجاوز المخاطبة البلاغية إلى استدعاء جماعة متخيلة يشترك أفرادها في الألم والمسؤولية. هنا يصبح الشعر، في التصور الجوادِي، فعل شهادة واحتجاج، وليس مجرد لعبة جمالية. ومن هذه الزاوية، فإن عبارة «وأمتنا العربية نفط / وفير ونحن بها الفقراء» لا ينبغي إسقاطها ببساطة باعتبارها «معلومة اقتصادية» لا شعر فيها. نعم، من الناحية الفنية المجردة هي عبارة تقريرية، لكنها من الناحية التاريخية تحمل مفارقة مركزية في الوعي العربي الحديث: وفرة الثروة في مقابل الفقر، وامتلاك المورد مقابل فقدان القدرة على تحويله إلى قوة سياسية وإنسانية. إن الشاعر لا يبحث هنا عن اكتشاف اقتصادي؛ بل عن تكثيف مفارقة حضارية. ويمكن أن نقول إن قوة البيت ليست في جدة الفكرة، وإنما في وضعها داخل سياق فلسطين والخذلان العربي. أما القراءة الأسلوبية فتقودنا إلى ملاحظة أن القصيدة مبنية على مجموعة من الأفعال الحركية: «فتح»، «عشش»، «أورق»، «تسبى»، «يصلب»، «يمزقه». وهذه الأفعال ليست متجاورة اعتباطًا؛ إنها تنقل الألم من حالة ساكنة إلى حالة متنامية. فالجرح لا يكون موجودًا فحسب، وإنما «يُفتح»، والحزن لا يحضر فقط بل «يعشش»، والداء لا يلازم الجسد وإنما «يُورق». ومن منظور الأسلوبية، يمكن اعتبار هذا التتابع محاولة لتحويل الألم النفسي إلى كائن حي يتكاثر وينمو. وهنا تحديدًا ينبغي أن نختلف مع القراءة التي تصف هذه المجازات بأنها مجرد «قاموس بلاغة». فالمجاز المألوف قد يكون ضعيفًا إذا كان مستعملًا بلا وظيفة، لكنه لا يصبح ضعيفًا لمجرد أنه مألوف. النقد الأسلوبي لا يسأل فقط: هل الصورة جديدة؟ وإنما يسأل أيضًا: ما موقعها في شبكة النص؟ وما علاقتها بما قبلها وما بعدها؟ في هذا النص، تتجاور ألفاظ الجسد والمرض والنبات والحرب: «القلب»، «جرح»، «حزن»، «داء»، «مقلتيها»، «جسم»، «يمزقه»، ثم «النار والبندقية». وكأن القصيدة تبني انتقالًا من مرض داخلي إلى انفجار خارجي؛ من جرح في القلب إلى حرب في الواقع. لكن هذا لا يمنع تسجيل ملاحظة نقدية مهمة: كثير من الصور بالفعل مألوف، ولا يصل دائمًا إلى درجة الابتكار الشعري. «فلسطين تسبى» صورة قوية في شحنتها الرمزية، لكنها تستمد جزءًا كبيرًا من قوتها من التاريخ والذاكرة الثقافية لا من المفاجأة الفنية وحدها. وكذلك «يصلب في مقلتيها الرجاء» صورة ذات حمولة عالية، لكنها تعتمد على استدعاء صورة الصلب بما فيها من دلالات التضحية والعذاب والموت. ولذلك فالقيمة هنا ليست في غرابة الصورة، بل في كثافة الرمز الذي تستحضره. ومن هنا نصل إلى التناص، وهو من أكثر المداخل التي تكشف ثراء النص. فقول الشاعر «فلسطين تسبى» يستدعي بصورة غير مباشرة الذاكرة العربية القديمة التي ارتبطت بفكرة السبي، وبمفهوم الأرض المغلوبة والإنسان المسلوب الإرادة. وفي «يصلب في مقلتيها الرجاء» يحضر تناص ديني واضح مع معجم الصلب والتضحية والفداء، وهو معجم يتجاوز حدود الدلالة الحرفية إلى فضاء حضاري واسع. كما أن صيغة النداء «أيا أمة العرب» تستعيد تقاليد الخطاب الشعري العربي الذي كان يجعل الشاعر لسان الجماعة، من شعر الفخر والحماسة والرثاء إلى شعر النهضة والمقاومة. ويمكن كذلك أن نضع القصيدة في حوار مع التراث الشعري العربي الذي جعل من الشعر موقفًا من الجماعة. فالشاعر القديم لم يكن دائمًا شاعر ذات منفصلة عن القبيلة؛ كان في لحظات كثيرة شاعر الجماعة، والمدافع عن ذاكرتها وكرامتها. ولذلك فإن «أنا» الشاعر في قصيدة جوادي تكاد تختفي لصالح «نحن»: «أمتنا العربية»، «نحن بها الفقراء». وهذه النقلة من «أنا» إلى «نحن» ذات دلالة فلسفية؛ إذ تتحول الذات من تجربة فردية إلى ضمير جمعي. ومن منظور البنيوية، تقوم القصيدة على ثنائيات واضحة: الغناء/البندقية، الحزن/الرجاء، النار/الفناء، الوفرة/الفقر، الأمة/الضعف، فلسطين/العجز العربي. وهذه الثنائيات هي التي تمنح النص بنيته العميقة. وإذا أخذنا بثنائية «الغناء/البندقية» تحديدًا، سنكتشف أن القصيدة ليست مجرد خطاب سياسي، وإنما تحتوي على سؤال ميتاشعري: ما وظيفة الشعر أمام الكارثة؟ «أيا أمة العرب ماذا أغني وماذا عساه يفيد الغناء» هذه ليست عبارة هامشية، بل هي قلب القصيدة الفكري. الشاعر يشكك في قدرة الغناء على تغيير الواقع، ثم يطرح النار والبندقية باعتبارهما «أجدى». وهنا تكمن مفارقة يمكن للقراءة السطحية أن تحولها إلى سخرية: إذا كان الغناء لا يفيد، فلماذا يغني الشاعر؟ لكن القراءة البنيوية والفلسفية الأعمق تقول إن هذا التناقض هو نفسه موضوع القصيدة. الشاعر يمارس الشعر وهو يشك في قدرة الشعر. إنه يكتب قصيدة عن عجز القصيدة. وهذا يضع النص، ولو بصورة غير مكتملة، في قلب سؤال فلسفي قديم وحديث: ما وظيفة الفن أمام العنف والتاريخ؟ هل يستطيع الشعر أن يوقف الحرب؟ هل يستطيع الجمال أن يحرر أرضًا؟ أم أن الشعر لا يملك إلا أن يشهد على العجز؟ إن القصيدة لا تقدم جوابًا فلسفيًا متكاملًا، لكنها تضع يدها على السؤال. ومن منظور سوسيولوجيا الأدب، تبدو القصيدة أكثر نجاحًا. فهي تعبر عن وعي جماعي عربي كان يرى في فلسطين اختبارًا للهوية والكرامة. وعبارة «أمتنا العربية جسم / يمزقه الجبن والارتخاء» تكشف تصورًا عضويًا للمجتمع؛ الأمة جسد واحد، وما يحدث لفلسطين يحدث لهذا الجسد كله. وقد تبدو كلمة «الارتخاء» أقل إحكامًا من «التمزيق» من الناحية التصويرية، وهذه ملاحظة فنية مشروعة، لكن لا ينبغي أن تقودنا إلى إلغاء الدلالة الاجتماعية للكلمة؛ فالارتخاء هنا أقرب إلى الخمول والوهن والاستسلام، أي إن الجسد العربي ليس ممزقًا فقط، بل فاقد لقدرته على المقاومة. ومع ذلك، فإن هذه المنطقة هي من أبرز مواطن الضعف الفني في النص. فالشاعر يصرح كثيرًا بما كان يمكن أن يوحي به. «الجبن»، «الفقر»، «الفناء»، «الانتصار»، «البندقية» مفردات ذات دلالة مباشرة، وتترك مساحة محدودة أمام القارئ للمشاركة في إنتاج المعنى. ومن هنا تصح جزئيًا ملاحظة أن القصيدة تميل إلى الخطابة. فالشاعر لا يبني دائمًا مشهدًا يجعلنا نكتشف المأساة؛ بل يخبرنا بالمأساة ويطلب منا اتخاذ موقف منها. وهذه نقطة مهمة في النقد الحديث: الشعر لا يقاس فقط بصدق القضية، وإنما بالمسافة التي يخلقها بين التجربة والتعبير. يمكن أن تكون القضية عادلة وعظيمة، لكن الطريقة الفنية في التعبير عنها قد تكون عادية. وهذا أحد أهم الدروس التي ينبغي أن نستخلصها من القصيدة: القيمة الأخلاقية للموقف لا تضمن تلقائيًا القيمة الجمالية للنص. غير أن القراءة التي تذهب إلى أن القصيدة «بيان سياسي مقفّى» فقط تقع هي الأخرى في اختزال شديد. فالقصيدة موزونة ومقفاة، والإيقاع فيها ليس مجرد إطار خارجي، بل هو جزء من طبيعة خطابها. تكرار «الغناء»، «الرجاء»، «الفقراء»، «الفناء» يجعل القافية أشبه بمطرقة صوتية تضغط على المعنى وتؤكد حالة الانغلاق. والقصيدة تبدأ بالغناء وتنتهي بالفناء؛ وهذا التقارب الصوتي بين الكلمتين ليس بلا دلالة. فالغناء الذي بدأ بوصفه فعلًا جماليًا ينتهي إلى الفناء بوصفه نتيجة تاريخية محتملة. وبينهما تتشكل رحلة النص. أما تكرار الاستفهام: «أأشدو؟»، «ماذا أغني؟»، «ماذا عساه يفيد الغناء؟» فهو من الناحية الإيقاعية والنفسية يصنع حركة ترددية. الشاعر لا يمضي في خط مستقيم؛ إنه يتردد، يسأل، ثم يصل إلى الحسم: «هي النار والبندقية أجدى». وهذا الانتقال من السؤال إلى القرار يمثل تحولًا دراميًا في موقف المتكلم، وإن كان تحولًا مباشرًا ولم يستثمره الشاعر بأقصى طاقته الفنية. ومن منظور التداولية، فإن القصيدة ليست مجرد كلام عن فلسطين، وإنما فعل كلامي موجه إلى أمة كاملة. النداء «أيا أمة العرب» يؤدي وظيفة استدعائية؛ إنه يحاول تحويل المتلقي من قارئ إلى مخاطَب، ومن متفرج إلى مسؤول. أما «ماذا أغني؟» فليست استفهامًا حقيقيًا ينتظر جوابًا، وإنما استفهام إنكاري يكشف الأزمة. ومن ثم فإن القصيدة تريد إحداث أثر في المتلقي، لا مجرد وصف الواقع. أما من منظور التلقي، فإن النص قد يعمل بصورة مختلفة بين قارئ سنة 1982 وقارئ سنة 2026. القارئ الذي عاش أجواء تلك المرحلة قد يسمع في «فلسطين»، «النفط»، «البندقية» ما لا يسمعه قارئ معاصر يقرأ الكلمات بعد تغيرات سياسية وثقافية هائلة. ولذلك فإن بعض ما يبدو لنا اليوم شعاراتيًا كان يمكن أن يكون في لحظته التاريخية خطابًا شديد الحضور والتأثير. وهذه مسألة أساسية في النقد: لا يجوز أن نحاكم نصًا تاريخيًا بالكامل بذائقة زمنية لاحقة. ومن الناحية الفلسفية، فإن جوهر القصيدة هو الصراع بين الكلمة والفعل. الشاعر يسأل: هل يستطيع الغناء أن يواجه النار؟ وهل يستطيع الشعر أن يقاوم التاريخ؟ وهذا السؤال يجعل «هي الحرب» أقرب إلى قصيدة عن حدود الشعر، لا عن الحرب وحدها. الحرب هنا ليست فقط حدثًا عسكريًا؛ إنها اختبار لجدوى اللغة نفسها. وعندما يقول الشاعر «النار والبندقية أجدى»، فهو يضع الشعر أمام امتحان قاسٍ: ماذا تستطيع الكلمة عندما تصبح القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الواقع؟ لكن القصيدة لا تبلغ تمامًا العمق الفلسفي الذي يتيحه هذا السؤال. فهي تطرحه ثم تحسمه بسرعة لصالح البندقية. وكان يمكن أن تكون أكثر قوة لو تركت التوتر بين الشعر والسلاح مفتوحًا، أو لو جعلت من عجز الشاعر نفسه مأساة فنية. ومع ذلك، فإن مجرد وجود هذا السؤال يمنح القصيدة بعدًا يتجاوز المباشرة السياسية. ومن هنا نستطيع أن نلخص إيجابيات النص في قدرته على بناء خطاب جمعي واضح، وفي صدق انفعاله، وفي وحدة موضوعه، وفي التوتر بين الغناء والفعل، وفي اعتماده على بنية إيقاعية متماسكة، وفي قدرته على تكثيف عدد من القضايا العربية الكبرى داخل مساحة شعرية قصيرة. كما أن بعض الصور، وإن لم تكن جديدة تمامًا، تمتلك قوة رمزية بسبب اتصالها بذاكرة ثقافية عميقة، خصوصًا «فلسطين تسبى» و«يصلب في مقلتيها الرجاء». أما سلبياته، فأبرزها المباشرة، وغلبة الخطابة على الإيحاء في بعض المواضع، وتكرار المعجم السياسي المألوف، وضعف بعض العلاقات المجازية، ولا سيما «يمزقه الجبن والارتخاء»، فضلًا عن أن التوتر الفلسفي بين الغناء والبندقية لا يستثمر حتى نهايته الفنية. كما أن النبرة الانفعالية تكاد تكون ثابتة؛ فالقصيدة تبدأ عالية الصوت وتستمر عالية الصوت، بينما كان التنويع بين الصراخ والهمس، وبين التصريح والصمت، يمكن أن يمنحها عمقًا جماليًا أكبر. لكن من الخطأ، نقديًا، أن تتحول هذه الملاحظات إلى حكم إعدامي على الشاعر نفسه. فالقول «سليمان جوادي، أنت لن تكون شاعرًا» يصلح باعتباره مفارقة ساخرة أو استفزازًا نقديًا، لكنه لا يصلح حكمًا علميًا على تجربة شاعر كاملة انطلاقًا من نص واحد. النقد الأكاديمي يفرّق بين «النص» و«الشاعر»، وبين «ضعف موضع» و«سقوط التجربة كلها». ومن غير المنهجي أن نحاكم شاعرًا بكامله من خلال قصيدة واحدة، كما أنه من غير المنهجي أن نرفع قصيدة واحدة إلى مرتبة التحفة لمجرد أن موضوعها فلسطين. إن أفضل ما يمكن قوله عن «هي الحرب» أنها قصيدة تنتمي بوضوح إلى شعر الالتزام والمقاومة والخطاب القومي، وتنجح في نقل حرارة الموقف أكثر مما تنجح دائمًا في صناعة الدهشة الشعرية. إنها أقرب إلى شعر الحماسة السياسية منه إلى الشعر الذي يقوم على المغامرة اللغوية والتجربة المركبة. لكنها ليست خالية من الشعر، كما أن وجود المباشرة لا يعني انعدام القيمة. ولذلك فإن العبارة النقدية الأدق ليست: «هذه ليست قصيدة»، وإنما: «هذه قصيدة تغلب فيها قوة الموقف على قوة الابتكار الفني». وهذا حكم أكثر عدلًا وأقرب إلى المنهج النقدي. والدرس الأعمق الذي تمنحنا إياه هذه القصيدة هو أن الشعر السياسي يواجه خطرين متعاكسين: خطر أن يتحول إلى نشرة أخبار موزونة، وخطر أن يهرب من الواقع إلى زخرفة لغوية باردة. والشاعر الكبير هو من يستطيع أن يحول الحدث السياسي إلى تجربة إنسانية، والموقف إلى سؤال، والشعار إلى رمز، والغضب إلى جمال، والتاريخ إلى اكتشاف. ولعل المفارقة الأخيرة في «هي الحرب» أن الشاعر، وهو يعلن أن «البندقية أجدى» من الغناء، يثبت بصورة غير مباشرة أن الغناء لم يكن عديم الجدوى؛ لأنه بعد عقود من كتابة القصيدة ما زلنا نقرأ كلماته ونجادل حولها. البندقية قد تصنع حدثًا في لحظتها، أما القصيدة فتدخل في صراع أطول مع الذاكرة. ومن هنا فإن السؤال الذي تركه جوادي دون جواب قد يكون أهم من الجواب الذي قدمه: ماذا يستطيع الشعر أمام الحرب؟ قد لا يستطيع الشعر أن يوقف دبابة، لكنه يستطيع أن يمنع الذاكرة من الاستسلام. وقد لا يحرر أرضًا، لكنه يستطيع أن يحفظ اسمها من المحو. وقد لا تكون القصيدة بندقية، لكنها أحيانًا تكون الشاهد الذي يبقى بعد أن تصمت البنادق. وهنا تحديدًا تصبح «هي الحرب» أكثر من مجرد قصيدة تقول إن الحرب قادمة أو إن البندقية أجدى؛ إنها وثيقة شعرية عن لحظة عربية شعرت بأن الكلمات فقدت قدرتها على الفعل. وإذا كانت القصيدة لا تحقق دائمًا شرط الإدهاش والابتكار، فإنها تحقق شيئًا آخر لا ينبغي للنقد أن يتجاهله: إنها تحفظ انفعال جيل كامل وهو يرى فلسطين تتحول من قضية سياسية إلى جرح في الضمير العربي. وعليه، فإن القراءة الأكاديمية المنصفة لا تُسقط النص باسم الحداثة، ولا تقدسه باسم الوطنية. إنها تضعه بين قوتين: قوة التاريخ الذي منحه حرارة وشرعية، وقوة الفن التي كان يمكن أن تمنحه مزيدًا من العمق والفرادة. وبين هاتين القوتين تقع القيمة الحقيقية لقصيدة «هي الحرب»: نص صادق في غضبه، واضح في موقفه، متماسك في إيقاعه، لكنه متفاوت في شعرية صوره، ومباشر في خطابه، ولم يستثمر بالكامل الإمكان الفلسفي الكامن في صراعه بين «الغناء» و«البندقية». ومن ثم فإن الناقد لا ينبغي أن يقول للشاعر: «أنت لست شاعرًا»، بل ينبغي أن يقول للنص: «هنا نجحتَ، وهنا تعثرتَ، وهنا كان يمكن أن تكون أكثر شعرية». فالنقد الذي يصفق للنص ليس نقدًا، والنقد الذي يهدم النص بالسخرية ليس نقدًا أيضًا؛ النقد الحقيقي هو الذي يستطيع أن يرى جمال القصيدة دون أن يعميه الإعجاب، وأن يرى عثراتها دون أن يحجبه الاستعلاء. وفي هذا الميزان وحده يمكن أن نقرأ سليمان جوادي لا بوصفه اسمًا يجب الدفاع عنه أو إسقاطه، وإنما بوصفه شاعرًا دخل إلى القصيدة من باب القضية، ثم ترك لنا مهمة السؤال: هل تكفي القضية لصناعة الشعر، أم أن الشعر يبدأ حين تتحول القضية إلى تجربة جمالية لا يستطيع القارئ أن ينساها؟
#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
«حين يرحل الزمن: من غنائية الحب إلى سؤال الفناء في قصيدة سار
...
-
الفلسفة في المدرسة الجزائرية: بين الدفاع عن العقل وضرورة الا
...
-
•وكيفَ للمحبِّينَ يا العارفونَ أنْ يكونوا دونَ لوعاتِهمْ وال
...
-
السلوكيات النمطية والتحديات السلوكية لدى الأطفال ذوي التوحد،
-
التواصل واللغة لدى الأطفال ذوي التوحد،
-
رسالة من هناك
-
التعليم والدمج المدرسي للأطفال ذوي التوحد،
-
أساليب التربية المناسبة لطفل التوحد
-
دور الأسرة في رعاية طفل مصاب بالتوحد
-
طرق العلاج والتدخل المبكر للتوحد.
-
أهمية التشخيص المبكر للتوحد .
-
الفرق بين التوحد والتأخر العقلي .
-
التوحد عند المراهقين والبالغين.
-
أعراض التوحد عند الأطفال
-
الطفل الذي ربَّته الهاوية
-
أنواع التوحد ومستوياته.
-
رسائل ما بعد الساعة الصفر
-
أسباب التوحد والعوامل المؤثرة فيه
-
تعريف اضطراب طيف التوحد.
-
المرأة بين التهميش والتمكين: رحلة الحضور الإنساني عبر التاري
...
المزيد.....
-
بعد استبعاد ماكلمور، انسحاب جميع الفنانين المساندين من جولة
...
-
نتنياهو يهدد بسحب الجنسية وفرض غرامات على صانعي الأفلام وسط
...
-
روسيا.. مسابقة -صور العالم- تجمع الفنانين الشباب من مختلف ال
...
-
حسين مردان.. بودلير العراق وشاعره الرجيم
-
لبنان يسلم مصر 37 قطعة أثرية مهربة
-
من احتجاز شقيقه إلى إخلاء منزل أسرته.. الفنان لجين إسماعيل ي
...
-
أصالة تعود إلى سوريا.. وصول أشعل الترند وبروفات تسبق ليلة دم
...
-
سيلين ديون تعود إلى المسرح الباريسي
-
تايلاند تهدي المكتبة الوطنية الروسية في بطرسبورغ نسخة من -تي
...
-
راستوغويف يستبعد أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الملحنين
المزيد.....
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
المزيد.....
|