أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - بين الشراكة والإصلاح… المساءلة أولًا















المزيد.....

بين الشراكة والإصلاح… المساءلة أولًا


عائد زقوت

الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 10:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ أن أُعلِن عن موعد إجراء انتخابات المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية في نوفمبر القادم، والتي على الأرجح ألّا تُجرى في موعدها لأسباب إجرائية وسياسية، وبعد موافقة حماس على الخطة التنفيذية لرؤية مجلس السلام للدخول في المرحلة الثانية لوقف إطلاق النار، كَثُر الحديث عن الشراكة وإصلاح النظام السياسي، وذهبت بعض الفصائل والكتل الفلسطينية إلى طرح رؤى وبرامج ترى فيها طريقًا للخلاص، وتدعو الفصائل الأخرى إلى الحوار حولها، وكأنها تملك صكّ الحرمان والعفو، متجاهلة أنّ الحوار الفلسطيني طوال عشرين عامًا لم يعد يتجاوز كونه مماطلة سياسية بين أطرافه، ومتناسية أنها جزء أصيل مما حلّ بالشعب الفلسطيني وقضيته من تآكل سياسي وتخريب مستمر.

فكيف يمكن أن تبدأ شراكة جديدة من دون أن يُطرح أولًا سؤال المسؤولية عمّا سبق؟ ومن منح هذه الفصائل حق توزيع صكوك الشرعية، أو تحديد من يشارك ومن يُستبعد، وهي جزء من الأزمة التي تدعو اليوم إلى تجاوزها؟

من يدعو إلى الإصلاح والشراكة يجب أن يدرك أنّ هناك شعبًا تغيّر وعيه بعد ثلاث سنوات من الحرب والدمار والانقسام والضغط الاقتصادي والسياسي، وفقد ثقته بالنظام السياسي. وبحسب استطلاع أجراه مركز القدس للإعلام والاتصال (JMCC)، ونُشرت نتائجه في الثامن من سبتمبر 2026، فإنّ المشهد يستوجب التوقف أمامه. فالرسالة الأهم ليست مَن يتقدم على مَن، بل أنّ هناك أزمة ثقة عميقة في الأدوات والقيادات والمؤسسات القائمة.

وهنا لا تكمن أهمية الأرقام في أنها تقيس فرص هذا الفصيل أو ذاك، بل في أنها تكشف حجم الفجوة بين النظام السياسي ومجتمعه. فهناك أكثر من 40.2% يقولون إنهم لن يصوتوا، وترتفع النسبة في الضفة الغربية إلى 49.9%. لكن الصورة الأهم تظهر عندما يقول 55% إنهم لا يثقون بأي فصيل سياسي، و58.6% إنهم لا يثقون بأي شخصية سياسية. هذه ليست كتلة هامشية؛ إنها كتلة الصامتين والمترددين وفاقدي الثقة، بل ربما تكون اليوم أكبر كتلة سياسية فلسطينية.

ومن هنا، فإنّ الحديث عن الانتخابات لا يمكن أن يكون شعارًا، ولا جسرًا للالتفاف على المساءلة. فالانتخابات حق، لكنها ليست علاجًا بذاتها؛ إذ تحتاج إلى ظروف وظهير وطني ومرجعية حقيقية. والمطلوب قبل ذلك أن نتفق على قواعد اللعبة: مَن يقرر؟ مَن يملك حق الفيتو؟ مَن أعطى نفسه حق تقرير مصير الشعب الفلسطيني؟ عشرون عامًا من الانقسام جعلت كل فصيل يتصرف باسم الشعب الفلسطيني دون الرجوع إليه، بحجة غياب التوافق والمرجعية. وهذه هي الكارثة.

الشراكة والإصلاح، بمفهومهما الوطني لا الحزبي، لا يمكن أن يبدآ قبل الإجابة عن الأسئلة التي تشكل نقطة ارتكاز لأي إصلاح أو مشروع وحدوي: مَن صنع الانقسام؟ ومَن حماه؟ ومَن نَظَّر له؟ ومَن موّله؟ ومَن استفاد منه؟ ومَن يتحمل مسؤولية ما آلت إليه الحالة الفلسطينية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا؟

وهنا تتسع دائرة المسؤولية؛ فهي لا تنحصر في الفصائل وحدها. فالانقسام لم يُصنع في غرفة مغلقة، بل تغذّى على شبكات مصالح، ومنافع شخصية وفئوية، واستغلال للسلطة، وصمت جماعي. ومن استفاد منه ليس فقط من حمل السلاح، بل أيضًا من تاجر بالمعابر، ومن احتكر السوق، ومن باع الوهم، ومن صمت خوفًا أو مصلحة.

فالمساءلة تبدأ من الاعتراف بأنّ المسؤولية أوسع من الفصائل، وأنّ المجتمع نفسه ليس بريئًا تمامًا مما آل إليه حاله، من دون أن يعني ذلك مساواة مسؤولية المواطن العادي بمسؤولية من امتلك السلاح والقرار والسلطة والمال.

ولا ينبغي، تحت ذريعة المسؤولية المجتمعية، التقليل من حقيقة أنّ المسؤولية الأكبر تقع على من امتلك السلاح والقرار والسلطة والمال. لكن الاعتراف بالمسؤولية لا يكفي؛ فالمساءلة تحتاج إلى قرار وطني يبدأ من منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها المرجعية الوطنية الشرعية والوحيدة، وآلية مستقلة لا تخضع لمن ستطالهم المساءلة.

ومن هنا، ينبغي أن تُنشأ، تحت مظلتها، جهة وطنية مستقلة تُختار وفق معايير معلنة للكفاءة والنزاهة والاستقلال، لا على أساس التمثيل الفصائلي، وتكون مهمتها كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات، وإحالة ما يستوجب إجراءً قانونيًا إلى القضاء الفلسطيني المختص. وتكون نتائجها ملزمة للجميع؛ فلا حصانة لفصيل أو قائد أو مسؤول، ولا تتحول المساءلة في المقابل إلى أداة للانتقام السياسي. فالمطلوب ليس لجنة جديدة تتقاسمها القوى، بل آلية مستقلة تستمد شرعيتها من المرجعية الوطنية، ولا يستمد تشكيلها من أطراف المساءلة نفسها.

وفي حال عطّلت الفصائل أو القوى النافذة هذا القرار، فإنّ الإرادة الشعبية، عبر الحراك المدني والسياسي السلمي، تملك حق ممارسة الضغط من أجل إنفاذه ورفض تعطيله أو مصادرته؛ فالمرجعية لا تستمد قوتها من الفصائل التي تتصدرها، بل من الشعب الذي تمثله.

ومن هنا تحديدًا، لا يمكن أن نطالب بشراكة وطنية ونحن نتجاوز عن الماضي. فالشراكة الحقيقية لا تعني تبييض التاريخ، ولا حصانة للأحزاب والفصائل والقوى الوطنية حتى تنبري لتصدّر مشهد الخلاص الوطني، ولا أن يصبح كل من يملك المال والعلاقات الخارجية هو المنقذ.

فالمساءلة هنا ليست شرطًا أخلاقيًا لتجميل الشراكة، بل شرط سياسي لصحة تمثيلها؛ إذ لا يمكن لمن ساهم في إنتاج الأزمة أن يقدّم نفسه بوصفه جزءًا من الحل، قبل أن يجيب عن مسؤوليته فيها. فالانتقال من الانقسام إلى الشراكة لا يعني انتقال المسؤولين عن الانقسام إلى مواقع جديدة داخل الشراكة.

الشراكة تعني أن تتخلى تلك الفصائل عن حالة الاستلاب الجمعي للشعب، عبر شعارات باتت كأعجاز نخل خاوية؛ وأن يكون الجميع تحت القانون؛ وأن يخضع المسؤول، مهما علا شأنه، للمساءلة؛ وأن يكون السلاح تحت قرار وطني واحد؛ وأن تُدار المؤسسات وَفق مبدأَي الشفافية والعدالة؛ وأن يكون المال العام تحت رقابة صارمة.

وفي هذه النقطة تحديدًا يبرز سؤال آخر: إذا كان القادم فعلًا زمن الشراكة، وإذا جلست فتح وحماس والجهاد وبقية الفصائل والمستقلون حول طاولة واحدة، وإذا أُعيد بناء مظلة فلسطينية تتسع للجميع، فهل يمكن أن يبدأ فصل جديد دون مراجعة حقيقية لما سبق؟

أليس من الغريب أن تدعو بعض الفصائل، عبر رؤاها للخروج من الأزمة، إلى الشراكة والإصلاح، دون أن تُعرِّج على أنّ الاعتراف الجمعي بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني هو شرط تأسيسي لأي حوار جاد؟ وأي مؤسسة انتقالية مقترحة، مهما كانت طبيعتها أو مسماها، لا بد أن تخرج من تحت مظلة منظمة التحرير، لا أن تُنشأ خارجها أو بديلًا عنها. والكفّ عن التلاعب بالمصطلحات وتكرار الحديث عن إطار جامع، دون تثبيت موقع منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها المرجعية الوطنية الشرعية والوحيدة، ليس تفصيلًا لغويًا؛ بل هو جوهر الخلاف على المرجعية ذاتها.

فالمسألة، إذن، ليست فقط: كيف نصل إلى شراكة؟ بل: مَن يملك حق تعريف الشراكة؟ وهل تكون الشراكة اتفاقًا بين قوى تتقاسم النفوذ، أم إعادة تأسيس لعلاقة السلطة بالمجتمع على قاعدة أنّ الشعب هو مصدر الشرعية، وأنّ منظمة التحرير هي الإطار الوطني الذي تتجسد فيه هذه الشرعية؟

أم أنّ هذه الأطروحات تمهّد لخلق بيئة سياسية حاضنة تسمح بميلاد نظام سياسي يتجاوز منظمة التحرير، وهو ما عجز الانقسام، طوال عشرين عامًا، عن تحقيقه؟ فالخطر لا يكمن في أن تختلف الفصائل على شكل النظام السياسي المقبل؛ بل في أن تتفق، مرة أخرى، على أن تتولى هي وحدها تحديد شكله ومستقبله، بعيدًا عن صاحب الحق الأصلي: الشعب الفلسطيني.

ومع بقاء الاحتلال لاعبًا رئيسًا ومؤثرًا في المشهد الفلسطيني، وما ارتبط به من تداخلات إقليمية ودولية، بأجنداتها ومصالحها المتقاطعة، لا ينبغي أن نجعل من ذلك ذريعة لتعليق كل ما وصلنا إليه على تلك التداخلات والأجندات، أو أن نعفي أنفسنا من مسؤولية هذا الإسفاف السياسي؛ فهذه التداخلات، بما فيها من استثمار للانقسام وتغذية له، لم تكن بعيدة عن تعميق الأزمة وإطالة أمدها.

كل هذه الأسئلة لا يمكن أن تُحسم دون مراجعة حقيقية، ودون أن تأوي الهيئات القيادية الحالية لتلك الفصائل، التي تغولت على إرادة الشعب، إلى كهف تلبث فيه أمدًا بعيدًا، وأن تكف الفصائل والقوى المختلفة عن الاستئثار بالقرار الفلسطيني، واغتصاب الإرادة السياسية للشعب. فهل نحن أمام شراكة تعيد بناء النظام السياسي، أم أمام إعادة توزيع لمواقع القوى داخله؟ فالفرق بين الاثنين هو الفرق بين إصلاح النظام وإعادة إنتاجه.

فلا شراكة بلا مساءلة، ولا إصلاح بلا مرجعية، ولا نظام سياسي جديد بلا إعادة القرار إلى أصحابه. فالشراكة ليست صفقة لتقاسم ما تبقى، والإصلاح ليس إعادة تدوير للوجوه ذاتها؛ وكلاهما يبدأ من حيث تبدأ السياسة المسؤولة: المساءلة أولًا.



#عائد_زقوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مَن صنع الكارثة؟ الحلقة الثانية: مَن يصنع ما بعد الكارثة؟
- مَن صنع الكارثة؟ الحلقة الأولى: المعرفة التي سبقت الانفجار
- التفاوض استراتيجية وجود
- هُويّة الأزمة
- نظام التفاهة: لماذا لا يكفي الإصلاح؟ الجزء الثاني
- نظام التفاهة: لماذا لا يكفي الإصلاح؟ - الجزء الأول
- مكر التضحية: من شرعية المقاومة إلى احتكار البطولة ومأزق السل ...
- الواحِديّة: من السياسة إلى احتكار الحقيقة
- الممكن السياسي: استعمار المعنى وأدْلَنَة الصراع
- فلسطين والقلم وما يَسْطُرُون
- تناطُح عنزان على حدِّ السكين
- الأوكتاجون.. لحظة مصرية
- 30 يونيو: ثورة الشعب وإحياء الدولة
- مِن الغباء أنْ تستمر غبيًّا
- الانتخابات وسؤال المرجعية
- حين تفشل الهزيمة في صناعة النصر
- منقار البط... كائنات خارج التصنيف
- مُفاعِل الوكلاء
- نحو لحظة عربية فاصلة (5)
- نحو لحظة عربية فاصلة (4)


المزيد.....




- قيس الشيخ نجيب: لكل طفل الحق في أن يتعلم.. وملايين الأطفال ف ...
- نتنياهو وكاتس: استهدفنا قائد لواء رفح في كتائب القسام و-لا إ ...
- تحذير غير مسبوق.. النظام التجاري العالمي يمرّ بـ-نقطة تحوّل ...
- حرب إيران كلفت واشنطن 38 مليار دولار.. وتزيد 3 مليارات شهريا ...
- مواجهة حامية بين مدير الـFBI والديمقراطيين في مجلس الشيوخ.. ...
- الديمقراطيون بمجلس الشيوخ يعرقلون مشروع قانون لتنظيم العملات ...
- سفير إسرائيلي يرجح انضمام دولة خليجية جديدة إلى اتفاقات أبرا ...
- تغير إيجابي في سياسة الحكومة البريطانية نحو فلسطين
- معادلة ماتي 75/25.. كيف غير عقد مع إيران معنى الشراكة النفطي ...
- -ما وراء الخبر- يتناول ارتفاع كلفة حرب إيران وتراجع مخزون ال ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عائد زقوت - بين الشراكة والإصلاح… المساءلة أولًا