رحيم فرحان صدام
الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 09:51
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
المقدمة
كان للإسناد مكانة متميزة في علوم الحديث الشريف؛ ولذلك حظي باهتمام المستشرقين الذين حاولوا تتبع نشأته وتاريخه، ومن أبرزهم المستشرق البريطاني هـ. أ. ر. جب الذي ذكر في كتابه (علم التاريخ) أن بداية النشاط الإسنادي كانت تقترن باسم الشعبي أشهر محدثي الكوفة، ونفى وجود أي تأثير خارجي في هذا العلم.
وتكمن إشكالية هذا البحث في الاسئلة الاتية : إلى أي مدى أصاب جب في ربط الإسناد بالشعبي؟ وما مدى صحة رواية الشعبي أصلاً؟
وسيحاول الباحث الإجابة من خلال عرض قول جب ثم تحليله ونقده بأقوال أئمة هذا الشأن.
1. نص كلام جب
قال المستشرق هـ. أ. ر. جب H.A.R. Gibb في كتابه (علم التاريخ): "أنه مما لا يجب اغفاله أن تلك المجاميع تتصل بعلم الحديث من ناحية الشكل ومن ناحية المحافظة الدقيقة على مبدأ الاسناد وبداية هذا النشاط كانت تقترن باسم الشعبي أشهر محدثي الكوفة المتوفى سنة (110ه / 728 م)، وليس فيها ما يدل على أثر مؤثر خارجي لا شكلا ولا موضوعا"(1) .
2. تحليل الرأي ونقده
نتفق معه في قوله: " ليس فيها ما يدل على أثر مؤثر خارجي لا شكلا ولا موضوعا"
وهذا صحيح. فإن علم الحديث نشأ نشأة إسلامية خالصة لضبط السنة، ولم يتأثر بالقوانين الرومانية أو اليهودية. والدليل:
1- مبدأ الجرح والتعديل لا مثيل له في الحضارات الأخرى.
2- التشدد في السماع والمعاصرة أمر إسلامي بحت.
ب. ما أخطأ فيه جب: قال: "المحافظة الدقيقة على مبدأ الاسناد وبداية هذا النشاط كانت تقترن باسم الشعبي".
الحقيقة لا يمكن قبول هذا الرأي لسببين: ضعف رواية الشعبي للإسناد اذ أغلب رواياته في الحديث النبوي مراسيل تتسم بـ:
عدم الاسناد الكامل: كثيراً ما يقول "قال النبي" بدون سند.(2)
عدم صيغة التحديث: يقل عنده "حدثني" و "سمعت".
الاعتماد على العنعنة: اتفق علماء الجرح والتعديل على ان الشعبي لم يسمع من الامام علي(3)
فروايته مرسلة وإن ثبتت رؤيته للإمام علي ، وهو من الرواة المكثرين عنه، إلا أنه لا ينتقي في حديثه عن علي، فهو يروي عن بعض الضعفاء عنه، فلزم التوقف في روايته وعدم قبولها، ما لم تحتف بها قرائن يغلب على الظن معها الصحة.
وقَدْ طَعَنَ بَعْض العلماء بمرويات الشعبي عن الامام علي كَالْحَازِمِيّ(4) ؛ لأنه لَمْ يَسْمَع مِنه ، وكذلك الدار قطني. (5)
واختلف في سماع الشعبي من عليٍّ، وقال الدار قطني: لم يسمع منه إلا حرفًا ما سمع غيره ، وعامر الشعبي وإن ثبتت رؤيته لعلي ، وهو من الرواة المكثرين عنه، إلا أنه لا ينتقي في حديثه عن علي، فهو يروي عن بعض الضعفاء عنه، فلزم التوقف في روايته وعدم قبولها، ما لم تحتف بها قرائن يغلب على الظن معها الصحة . (6) ورواية الشَّعْبِيُّ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلٌة إِنَّمَا يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ. (7)
وهو لم يسمع من الخليفة عُمَرَ(8) ، ولا من عبد الله بن مسعود انما رآه رؤية(9) ، ولا سمع من سَمُرَةَ بن جندب(10) ، وَلا مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ(11) ومع ذلك ادعى الشَّعْبِيِّ أَنَّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ هَلْ أَدْرَكَ الشَّعْبِيُّ أُسَامَةَ قَالَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الشَّعْبِيُّ سَمِعَ مِنْ أُسَامَةَ هَذَا وَلَا أَدْرَكَ الشَّعْبِيُّ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ(12) وكذلك لم يسمع من الصحابي مُعَاذٍ بن جبل(13).
وتعزى هذه القلة في الاسناد الى ان الشعبي كان رأس السند كونه معاصراً لأكثر الاحداث التي رواها .
3- الشعبي ليس أول من أسس علم الإسناد:
السند : هو سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث النبوي الشريف واحداً عن آخر حتى يبلغوا به إلى قائله صلى الله عليه واله وسلم. (14)
اما الجرح والتعديل هو علم يبحث فيه عن جرح الرواة وتعديلهم بألفاظ مخصوصة وهذا العلم من فروع علوم الحديث(15).
والكلام في الرجال جرحاً وتعديلاً ثابت عن الرسول ﷺ ثم عن كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الصحابة:
كان الإمام علي رضي الله عنه أول من سئل رواة الحديث، ومن الصحابة أيضاً: عبد الله بن عباس عُرف بعلمه برواة الحديث، ومن التابعين اشتهر محمد بن سيرين والحسن البصري بنقد رجال الحديث(16) .
كما عُرف الشعبي بعلمه برواة الحديث النبوي من حيث التوثيق والحفظ والجرح.
الخلاصة
وبعد العرض والتحليل نخلص إلى:
اننا نتفق مع جب في أصالة علم الحديث ونشأته نشأة إسلامية خالصة بلا تأثير خارجي، ونخالفه في جعله الشعبي مؤسس الإسناد اذ ان أغلب رواياته في الحديث النبوي تتسم بعدم الاسناد وصيغة التحديث والمشافهة بل تعتمد العنعنة في الرواية مما يضعف روايته الحديثية .
وخالفناه في جعل الشعبي بداية الإسناد، فالشعبي كثير الإرسال ولم يسمع من أغلب الصحابة، والبداية كانت مع الامام علي عليه السلام وغيره.
الحقيقة: الإسناد آلية إسلامية لحفظ الدين، والشعبي راوٍ لكنه ليس مؤسساً.
التوصيات
1- ضرورة الرجوع للمصادر الحديثية الأصلية عند مناقشة آراء المستشرقين.
2- التفريق بين "الإكثار من الرواية" و "تأسيس العلم".
3- العناية بدراسة المراسيل وأثرها في الحكم على الرواة.
الهوامش
(1) H.A.R. Gibb, Studies on the Civilization of Islam, p. 50.
جب: هامِلْتُون ألكسندر روسكن (ت 1971م):علم التاريخ ، ترجمة لجنة دائرة المعارف الاسلامية : ابراهيم ثابت ، د. عبد الحميد يونس ، حسن عثمان ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت -1981م . ص 61 .
(2) ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع الزهري مولاهم (ت 230هـ/837م): الطبقات الكبرى، تحقيق : إحسان عباس، دار صادر، (بيروت ـ د.ت). (4/ 40)؛ الحميدي، أبو بكر عبد الله بن الزبير، (ت 219هـ/825 م): مسند الحميدي، حقق أصوله: أ. حبيب رحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، (بيروت ـ 1988). (2/ 353).
(3) العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، (ت 852هـ/1459م): فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، (بيروت - 1379ه ). (19/ 234).
(4) محمد بن موسى بن عثمان ابن حازم، أبو بكر، زين الدين، المعروف بالحازمي، من رجال الحديث. أصله من همذان، ووفاته ببغداد سنة (584 هـ / 1188م). له كتاب(الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ من الآثار) في الحديث، و (عجالة المبتدي وفضالة المنتهي) في النسب و (شروط الأئمة الخمسة) في مصطلح الحديث، وغير ذلك . للمزيد يراجع عنه ابن خلكان، شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد البرمكي (ت 681هـ/ 1287هـ): وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، ط4، (بيروت ـ 2005).1: 488.
(5) ابن حجر: فتح الباري (19/ 234).
(6) ابن معين: يحيى بن معين بن عون بن زياد المري بالولاء (ت 233 هـ/ 848 م): تاريخ ابن معين- رواية الدوري ، تحقيق: د. أحمد محمد نور سيف ، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، الطبعة الأولى،(مكة المكرمة-1399هـ/ 1979م). (2 / 286)؛ الدار قطني ، علي بن عمر بن أحمد أبو الحسن الشافعي ( ت 385 ه/ 995م): العلل الواردة في الأحاديث النبوية، تحقيق وتخريج : محفوظ الرحمن زين الله السلفي، الناشر: دار طيبة، الطبعة الاولى ، (الرياض-1405هـ / 1985م). (4/ 97).
(7) ابن أبي حاتم: عبد الرحمن بن محمد بن إدريس التميمي الرازي (ت327هـ/938م): المراسيل، تحقيق: شكر الله نعمة الله قوجاني، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الأولى، 1397ه. (ص: 160).
(8) ابن أبي حاتم : علل الحديث ، تحقيق: فريق من الباحثين بإشراف وعناية د. سعد بن عبد الله الحميد و د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي ، الناشر: مطابع الحميضي ، الطبعة: الأولى، ( بيروت- 1427 هـ / 2006 م) .(2/ 505).
(9) الحاكم النيسابوري ، أبو عبد الله محمد بن عبد الله الضبي المعروف بابن البيع ، (ت 505هـ/1058م): سؤالات مسعود بن علي السجزي (مع أسئلة البغداديين عن أحوال الرواة للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري) ، تحقيق : موفق بن عبد الله بن عبد القادر ، دار النشر: دار الغرب الإسلامي ، الطبعة: الأولى،( بيروت - 1408هـ/ 1988م). (ص: 149).
(10) ابن أبي حاتم : علل الحديث.(2/ 505).
(11) الداني: أبو عمرو، عثمان بن سعيد (ت440هـ / 1048م): كتاب في علم الحديث ، تحقيق: علي بن أحمد الكندي المرر ، الناشر: مؤسسة بينونة للنشر والتوزيع – أبوظبي ، الطبعة: الأولى ، 1427هـ / 2006م. (ص: 61) ؛ السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال (ت911هـ/1505م): طبقات الحفاظ (القاهرة، 1973)، ص184.
(12) ابن أبي حاتم: المراسيل. (ص: 159).
(13) ابن أبي حاتم : علل الحديث.(2/ 505).
(14) السيوطي: تدريب الراوي شرح تقريب النواوي ، حققه: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، الناشر: دار طيبة. (1/ 27).
(15) العقيلي ، ابو جعفر محمد بن عمرو بن موسى المكيّ (ت 322هـ / 934 م) ، الضعفاء الكبير ، تحقيق عبد المعطي امين قلعجي دار الكتب العلمية ط1 ،( بيروت – 1984). ينظر المقدمة جـ1 ، ص11.
(16) العقيلي : الضعفاء الكبير ، جـ1 ، ص:12 .
#رحيم_فرحان_صدام (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟