|
|
النفاق بين براغماتية رأس المال دوغمائية المصالح - المنافقون
طلعت خيري
الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 11:49
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لم يظهر النفاق الديني كفكر سياسي في فترة الحقب التاريخية الخمسة ما قبل الحضارات القديمة ، ولا في كتاب موسى ولا التوراة ولا الإنجيل والسبب ؟ لان المجتمعات كانت تتعامل مع دعوات الأنبياء والرسل والكتب المنزلة بشكل حدي ، إما إيمان وإما كفر ، بينما ظهور النفاق الديني كفكر سياسي في القرن السادس الميلادي بعد الهجرة الى المدينة ، ساهم في إنتاجه الدين السياسي لأهل الكتاب والمنافقين من الأعراب والمنافقين من وأهل المدينة للمناورة به بين الكفر والإيمان ، فالنفاق تطور فكري وثقافي متقدم يعكس قدرة الفرد على المناورة السياسية بين الاعتقادات الوثنية والكونية والدين السياسي والكتب المنزلة التي جاء بها القران ، ونظرا لمخاطر النفاق الأمنية والعقائدية على المجتمع ، فضح الله الأفكار السرية للمنافقين الذين حاولوا كسب ثقة الرسول بشهادة سياسية مزيفة ، متجاهلين العلمية الغيبية لعالم الغيب والشهادة ، فالنفاق هو سر من أسرار السياسية الدينية العميقة ظاهرها الحق وباطنها الباطل ، قال الله في سورة المنافقون إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله والله يعلم انك لرسوله والله يشهد ان المنافقين لكاذبون ، بمعنى شهادة كاذبة ظاهرها الحق وباطنها الباطل
إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ{1}
لم يظهر النفاق الديني كفكر سياسي في المدينة إلا بعد التطورات الميدانية المتسارعة ، فبعض الزعماء والرأسماليين والأسياد اعتقدوا ان الدين مجرد إيمان بالله واليوم الأخر وانتهى الأمر ، فلما دعاهم التنزيل الى القتال والإنفاق في سبيل الله بات إيمانهم جنة ، وجنة تعني تغطية الكفر بالإيمان للتخلص من انتقادات القران للمشركين من أهل المدينة والمشركين من أهل الكتاب ، أو بمعنى آخر إيمان شكلي لساني لا يستوفي المعاير الإيمانية والتحديات الأمنية ، قال الله اتخذوا إيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله أنهم ساء ما كانوا يعملون ، ذلك بأنهم امنوا بداية الأمر ، ثم كفوا بعد التطورات الميدانية كالقتال والإنفاق ، فطبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون ،لا يفقهون تعني ان القوى العقلية للمنافقين لا تؤدي دورها بشكل ايجابي لان وعيهم لا يتجاوز دوغمائية رأس المال والمصالح
اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{2} ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ{3}
حلل التنزيل شخصية المنافقين ومظهرهم الخارجي الأنيق وقوام أجسامهم التي تزينها الملابس الفاخرة ، قائلا وإذا رايتهم تعجبك أجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم ، فالمنافق نابغة في التعبير عن رغبته المبيتة من خلال المراوغة والمناورة السياسية ما بين الدين والمصالح ، فتراهم يشاركون النبي في بعض المقترحات الميدانية والاقتصادية والأمنية ، مبدين اهتمامهم به ، قال الله وان يقولوا تسمع لقولهم ورغم قوام أجسامهم وقولهم المتزن إلا ان عقولهم لا تؤدي دورها بشكل ايجابي ، كأنهم خشب مسندة ،خشب مفردها خشبه وهو ما غلظ وتصلب من الخشب يستخدم كمساند للسقوف أو دعائم للبيوت المصنوعة من الخشب ، والمقصود هنا ان قلوب المنافقين غليظة وقاسية وجافية ، ورغم قوام أجسامهم ومرونة ألسنتهم إلا أنهم شخصيات مهزوزة فاقدة للرصانة العقلية والفكرية يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون ، يؤفكون أي ان المنافقين يستجيبون لأكاذيب جهات سرية تستغل دوغمائية النفاق الديني لتنفيذ أجندة سياسية غير مدركين مخاطرها العقائدية على المدى البعيد وهذا أشبه بما يمليه الغرب الامبريالي على حكام العرب ورجال دينهم وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ{4}
حديث المنافق في المستجدات الفكرية والميدانية يعكس ازدواجيته العقلية والقولية ، ليس عنده تركيز فيما يقول سرعا نما ينقضه بعد قليل ، فتلك السيكولوجية اعتاد عليها من خلال نشاطه المالي والتجاري في السوق ، أسوء وصف ، وصف الله به المنافقين هو والفسوق ، فالمنافق لا يضع لنفسه حدود مع المحرمات والنواهي مصلحته فوق القيم والأخلاق والدين ، فان وجد في مصلحته مخالفة الله ورسوله سعى إليها دون رادع ولا خوف من الله ، قرئنا في بداية سورة المنافقون ، إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله فتلك الشهادة السياسية قلبت مصداقيتهم ، فلما دعاهم الرسول ليستغفر لهم الله لووا رؤؤسهم تعبيرا على الإعراض والاستكبار ، قال الله وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم الرسول لووا رؤوسهم ورايتهم يصدون وهم مستكبرون ، يا محمد سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ان الله لا يهدي القوم الفاسقين
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ{5} سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{6}
المنافقون تكتل سياسي يضم الأعراب والمنافقين من أهل المدينة وأهل الكتاب ، جمعتهم المصالح السياسية والاقتصادية المشتركة ، إيمانهم يتناقض مع العمل ، يؤمنون ببراغماتية رأس المال ، فقضية تجدد مصادر الرزق عبر خزائن السماوات والأرض والمسخرات السماوية والأرضية لا تستوعبها عقولهم المتقوقعة حول الطبقية والمال والأرباح ، ولقد توعد المنافقون كلٌ من الفقراء والكادحين من المهاجرين بحرب اقتصادية لتفكيك وحدة الصف ، قرئنا أعلاه إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله ، لاحظ التناقض في شهادتهم السياسية ، قال الله هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ، ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون ، لا يفقهون تعني ان القوى العقلية للمنافقين لا تؤدي دورها بشكل ايجابي لان وعيهم لا يتجاوز دوغمائية رأس المال والمصالح
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ{7}
حراك سياسي موسع بين مكة والمدينة ، بعد اتساع عقيدة الإيمان بالله واليوم الأخر على المستويين الفكري والميداني ، يهدف الى وضع الحلول والتدابير الإستراتيجية المستعجلة للحد من تنامي نفوذ المؤمنين المتسارع ، وعلى طاولة النفاق والكفر في مكة تحاك المؤامرات ، ولقد حمَّل التحالف المكي الرأسمالي منافقو المدينة المسؤولية التاريخية لعدم تصديهم لمحمد وأتباعه ، لكون المدينة تقع ضمن قاطع مسؤوليتهم الأمنية ، ونتيجة للشحن السياسي والتائب والتوبيخ ، وعد المنافقون التحالف المكي بحملة تهجير شاملة لمحمد والذين امنوا معه بعد رجوعهم الى المدينة ، قال الله يقولون لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ، لا يعلمون بمعنى ليس لديهم وعي عقائدي كافي يدركون من خلاله حيثيات الخالق العليم بكل شيء
يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ{8}
أسوء عقلية عرفها التاريخ البشري عقلية الرأسمالي ، وهذا ما أكده القران عبر العصور والأزمنة من خلال دعوات الأنبياء والرسل للمجمعات ، ربما يكون بارعا في التعاملات المالية والاقتصادية والتجاري ، لكن ليس لديه وجهة نظر بعيدة في قراءة المستقبل القريب أو البعيد ، وعيه من قيمة ما يتعامل معه ، ففي النهار بيع وتجارة وفي الليل جمع للأموال وكنزها ، فما هو تقيمك لعقلية منهكة في روتين يومي من الصباح وحتى المساء ، خاطب الله المنافقين موضحا لهم ان التكالب اليومي على المال والإنفاق على الأولاد احد أسباب تردي مستواهم العقلي طالبا منهم الكف عن اللهو والترف والبذخ وكسر الروتين المالي بذكر الله ، لإعطاء العقل متنفس فكري يساعدهم على التفكير بالمصير الأخروي قبل خسارة الدنيا والآخرة ، قال الله يا أيها الذين امنوا لا تلهكم أموالكم ولا اولاد كم عن ذكر الله ، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ، وأنفقوا مما رزقناكم من قبل ان يأتي احكم الموت ، فيقول ربي لولا أخرتني الى اجل قريب ، فأصدق وأكن من الصالحين ،ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء اجلها والله خبير بما تعملون يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ{9} وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ{10} وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ{11}
#طلعت_خيري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الذين هادوا بين التوراة والقرآن - الجمعة
-
الامتيازات الاخروية للمؤمنين من أهل الكتاب - الصف
-
الاستحقاق المالي للمنفصلين من الأزواج - الممتحنة
-
مخاطر المودة والموالاة على الأمن القومي - الممتحنة
-
الشيطان والنفاق والدين السياسي - الحشر
-
ميدان المعركة يفضح زيف حلف المنافقين - الحشر
-
فيئ بني النضير من نصيب الفقراء - الحشر
-
جلاء بني النضير نهاية النصارى العرب - الحشر
-
دور حزب الله بمكافحة النجوى والتجسس - المجادلة
-
السيادة الامبريالية وسياسة فرق تسد - المجادلة
-
أجندة الغرب الاستعماري ضرب الإسلام بالمتأسلمين - المجادلة
-
المنافقون العرب وأجندة الغرب الاستعماري - المجادلة
-
النيوباتريمونيالية وإنتاج الطوائف الدينية - المجادلة
-
النجوى والشيطان وسرية النفاق- المجادلة
-
الظهار والمخاواة بين الوثنية والدين السياسي- المجادلة
-
النفاق الديني بين المصالح والدين السياسي- الحديد
-
تأثير أهل الكتاب والمنافقين على الإنفاق المالي- الحديد
-
دور الإيمان في بناء النخبة - الحديد
-
التأثير الديموغرافي على الإنفاق المالي - الحديد
-
الوجودية الراديكالية والاعتقاد الاسترولوجي- الواقعة
المزيد.....
-
بن لادن القادم بينما يحيي العالم الذكرى الخامسة والعشرين له
...
-
حول كذبة -سلاح العقيدة والمذهب-!
-
بين الدعم الرسمي وحملات الإلغاء السلفية: حفل أصالة في دمشق ي
...
-
-محاربونا يقاتلون ثيوقراطية إسلامية-.. هيغسيث يربط حرب إيران
...
-
قضايا الانتخابات البلدية – مع مريم سالم حزب البيئة وماجدة أي
...
-
فضيحة قبل مباراة ريال مدريد وإنتر.. هتافات عنصرية ضد الإسلام
...
-
بعد ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر، لماذا فشل مشروع أسامة بن لا
...
-
إيهود أولمرت لـCNN: ما يجري في الضفة الغربية -تطهير عرقي- وي
...
-
-الحرس الثوري- يحمل -انفصاليين- مسؤولية مقتل رجل دين كردي سن
...
-
مدير دائرة الإعلام بمحافظة القدس: موسم الأعياد اليهودية من أ
...
المزيد.....
-
الخروج من الإسلام السياسي
/ رزيقة عدناني
-
حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|