أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فارس خاشو - أصالة في «رجعالفرح»: حين تُزهر مقاميّة الصّوت في مداه الرّنّان














المزيد.....

أصالة في «رجعالفرح»: حين تُزهر مقاميّة الصّوت في مداه الرّنّان


فارس خاشو

الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 01:59
المحور: الادب والفن
    


بالتزامن مع رجعة أصالة إلى سوريا، نقف عند إبداعها في واحدة من شاميّاتها: في «رجع الفرح» (2017)، من كلمات سهام الشعشاع وألحان خالد البكري، نتسمّع واحدةً من أغزر ما غنّت أصالة مقاميّةً بالشامية، وجُلّها في المنطقة الرنّانة من صوتها.
تمتد المساحة المغنّاة فعليًا من قرار الفا3 إلى الري5، مع تلميس خاطف للمي3 وللري دييز5، لكن جلّ الأغنية يُزهر في مداى صوت أصالة الرنّان، من نحو فا3 إلى صول4 أو صول دييز4. هنا يكون الصوت في أكثر مناطقه امتلاءً ومرونة: متن حاضر، وتآلفات رنينية غنية، من غير شدّ في الأعالي يربك التعبير أو حسن عفق المقامات والنقلات. الأغنية شديدة التطلّب، غير أن صعوبتها موضوعة في منطقة تحاور خامة أصالة بدل أن تتحدّاها.
لم يترك المبدع الرّاحل خالد البكري أذن وحنجرة أصالة تستريحان في لون واحد. يبدأ اللحن من مقام البيات، وتشدوه أصالة بشجن، على الرغم من أن العبارة تقول: «رجع الفرح، ما عاد للحزن مطرح» كأنها تحكي حال من اكتفت جراحًا، فتنهدت واختارت ألّا تترك للحزن شهقة نفس أخرى في صدرها. وما أنسب هذا المعنى لتغنيه اليوم برجعتها.
ومن لطائف اللحن أنه عند «ما عاد عندي للحزن مطرح» يضيق إلى الكرد، وكأن مساحة الصوت نفسها تضيق إشارةً إلى أنه لم يعد للحزن مطرح فيه. ثم يطل البيات من جديد في جملة عابرة، قبل أن تعود «جاي عبالي أضحك وأفرح» إلى الكرد؛ فالفرح هنا ما يزال رغبة تقولها امرأة خرجت للتو من الحزن، لا حالة استقرّت فيها بعد. وتطرّز أصالة ذلك بألوان من الترعيد والفايبرتو.
وفي «يا ريت فيّي غازل الأيام / وع ضهر غيمة بالفضا اسبح» تشدو مجددًا البيات، فتتسع الجملة ويخفّ انقباض الكرد. وعفق الدرجة الثانية عند أصالة، تارةً مسيّكةً في البيات وتارةً مخفوضةً في الكرد، يحكي الكثير عن لياقة صوتها وقدرته على استنطاق الفرق التعبيري بين المسافتين؛ بضعة عشرات من السنتات تكفي كي تتنفّس الجملة ويتبدّل لونها.
ثم تأخذنا في «عيوني خلص ما ضل فيها دموع» إلى شجن النهاوند وتؤدّي حلية تحاكي البكاء في قفلة دموع، قبل أن يطل البيات ثانيةً للحظة، وتأتي بعده واحدة من أشجن نقلات الأغنية في «قديش عضّ القلب ع جروحو / تا ما حدا يعرف إذا موجوع»: هنا تبلغ بنا أصالة الصبا.
وتعفق أصالة الصبا بأستاذية، لكن من غير أن تسمح لضيق مسافاته بأن يكبت قوة صوتها. وما أبلغ التعبير الشعبي نفسه: «عضّ ع جروحو». في «يعضّ على الجرح» قسوة الألم وقوة من يمنع نفسه أن يصرخ في آن. هكذا تقول أصالة الجملة: شجن كثير، ولكن تحته عصب وقوة؛ ليريكية، وقوة لا تفسد اللوعة. وهذا توازن ما كان ليظهر بهذه السعة لولا أن الأغنية صيغت في واحدة من أجود مناطق صوتها.
ولا يقل الأداء شجنًا وجمالية حين تتذكّر «ياما سواد الليل غطّاني» على الكرد. وفي الإعادة تحمل أصالة تلك الذاكرة الثقيلة إلى واحد من أعلى جوابات الأغنية، كأن الأداء نفسه يقول: مهما ثقل هذا الليل أستطيع أن أحمله، بل وأن أحلق فيه.
تواصل الصعود عند «هلق ما بدي غير نتفة ضو»، بنقلة إلى الحجاز كار بحدته ولمعانه؛ وتعفق أصالة مسافاته الزائدة بإتقان إلى أن تصل أوجه في كلمة الـ«ضو».
من جماليات تفريد لحن الأغنية الإعادة الأخيرة لـ «يا ريت فيّي سابق الأيام»، حيث تزيد أصالة جرعة السلطنة قليلًا، فتمرّ بنا إلى الراست. تظهر ثالثته المسيّكة واضحة: لا تهبط إلى الثالثة الصغيرة، ولا تستقيم إلى الكبرى، بل تستقر في مساحتها البينية كما ينبغي. ثم تعود من الراست إلى البيات إلى الختام.
إن رشاقة التّنقل المقامي عند أصالة ليست مهارة حفظ «سلالم» مختلفة؛ بل قدرة على إعادة معايرة الأذن والحنجرة من جملة إلى أخرى. بيات، فكرد، فنهاوند، فصبا، فحجاز كار، فعودة إلى النهاوند، ثم كرد وبيات وراست، وأخيرًا بيات القفلة؛ وبعض هذه المحطات مقام مستقر، وبعضها جنس أو جملة عابرة، لكنك لا تسمعها مرةً تبحث عن الدرجة أو تتلكأ على باب المقام. وهذا ما يجعل «رجع الفرح» أصعب بكثير مما تبدو. نقلات كثيفة تستدعي مقامية قديرة لا تُضل التعبير.
«رجع الفرح» من أجود ما كُتب لأصالة: أغنية شديدة التطلّب، لكن جلّها موضوع في المنطقة التي يرنّ فيها صوتها بأغنى صوره. وفي النهاية لا يكون الإنجاز أنها غنّت هذا العدد من المقامات والأجناس، بل أنها جعلتنا نمر بها كلها من غير أن نشعر مرةً أن المقام أربك الصوت، أو أن النقلة استعرضت نفسها على حساب الكلمة والتّعبير.
اسمعوها:
https://www.youtube.com/watch?v=ZCGVofYqYeY



#فارس_خاشو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في شدو فيروز لمقتطف هارب من سنباطيّة «أمشي إليك»
- قراءة في توهّجات صوت آمال ماهر في «عقدة حياته»
- «أتت» كاظم الساهر: ذروة العمل بين التّسجيل والأداء المباشر
- سلسلة فيروز وأم كلثوم، ج 2. في الجواب: حين تكاد كفّتا الميزا ...
- سلسلة فيروز وأم كلثوم، ج 1. في القرار: لماذا تتفوّق فيروز عل ...
- قراءة موسيقية في «أحباب» لكاظم الساهر
- «أصالة»: بين دفء البيات وحدّة الجوابات
- «لا يفوتك»: قراءة في جديد أيمن الأعتر
- صوت سوريّة المفقود: قراءة في صوت ميّادة بسيليس
- تجربة محلم بركات ونجوى كرم: قراءة في الأداء، والتّعبير، والم ...
- حُمّى المساحة الصَّوتيّة: أصوات الفنّانين العرب على الميزان
- قراءة في ألبوم ”حالة طوارئ“ نجوى كرم
- قراءة في ضريبة البعد: ضريبة المتوقَّع من الأصوات العظيمة
- قراءة في ألبوم ”ابتدينا“


المزيد.....




- السيناريست المصري هيثم دبور: لا أكتب الأفلام لأغازل الغرب بل ...
- كريم الشناوي مخرجًا للجزء الثاني من فيلم -سهر الليالي-
- محمد قطان.. صوت من زمن التأسيس يرحل وتبقى حكاياته في ذاكرة ا ...
- -100 سنة غنا-.. علي الحجار وعمر خيرت يعيدان فتح خزائن الموسي ...
- للمكان نفسه حكاية أخرى.. ماذا يحدث لذاكرة فضاءات مراكش حين ت ...
- بين الخراب والإبداع، كيف أعادت الحروب تشكيل الثقافة العربية؟ ...
- فيلم -نازا-.. شهادات إسرائيلية تكشف آلية استهداف الأطفال وال ...
- رشيد مشهراوي عن عرض الأفلام فوق أنقاض غزة: المكان قد يدمر لك ...
- لبنان: أكثر من 22% من أراضي الجنوب تضررت جراء الهجمات الإسرا ...
- في 4 محافظات.. التربية السورية تحدد مدارس تعليم اللغة الكردي ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فارس خاشو - أصالة في «رجعالفرح»: حين تُزهر مقاميّة الصّوت في مداه الرّنّان