أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فارس خاشو - قراءة موسيقية في «أحباب» لكاظم الساهر














المزيد.....

قراءة موسيقية في «أحباب» لكاظم الساهر


فارس خاشو

الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 22:07
المحور: الادب والفن
    


في جديدته «أحباب»، لا يكتب كاظم الساهر ويغنّي الفراق بوصفه قرارًا محسومًا، بل حالة من الاضطراب بين الإدراك والتعلّق. ومنذ المطلع، يبدأ الغناء من مقام الكرد بنبرة تعبيريّة مضطربة تجسّد تردّد الكلمات نفسها: «أحباب... لا مو أحباب». فلا تتحرّك الجملة في مسار لحني هادئ ومتوقّع، بل تتخلّلها قفزات واسعة؛ قفزة خامسة تامّة من الري3 إلى اللا3 في «أحباب لا مو أحباب»، ثم قفزة سابعة صغيرة من الري3 إلى الدو4 في «ولا حتى أصحاب». وكأنّ اللّحن يجعل احتمال انحدار العلاقة من الحب إلى مجرّد الصحبة أشدّ وقعًا من إعلان انتهاء الحب نفسه. ومع «من غير أسباب» يتسع المجال الصوتي فجأة نحو الجواب بقفزة خامسة تامّة من الصول3 إلى الري4، قبل أن تنغلق الحركة مجددًا في الجملة الدائرية «نخلص اللوم نزيد عتاب»، بما يحاكي علاقةً لا تتقدّم إلى حلّ: ينتهي اللوم ليبدأ العتاب، ثم يعيد كلّ شيء نفسه.

يتحوّل الساهر بعدها إلى الحجاز، ويشدو فوكاليز ودندنة، أو بالأحرى تيرارارات وآهات امتدادًا للحالة النفسية لا استعراضًا صوتيًّا مستقلًّا. يبدأ الفوكاليز بقفزة أوكتافية كاملة من الري3 إلى الري4، وتصل بعض الآهات إلى ذروة الغناء بلمسة لجواب الفا4. تبدو القفزات هنا كأنّها انقطاعات في الكلام؛ فالصوت لا يسرد حزنه بقدر ما يهذي به، يقفز ثم يعود، ويتمدد ثم ينكمش. في «إصحى من أحلامك يا قلبي» يسجّل السّاهر أخفض قرارات الأغنية، في حدود السي2/اللا#2، وكأنّ خطاب النفس يستوجب هبوطًا إلى الداخل قبل الانطلاق مجددًا. هنا تؤدّي طبقة القرار وظيفة درامية واضحة: «إصحى» ليست صرخةً عالية كما قد يوحي معناها، بل كلام ثقيل يوجّهه المرء إلى نفسه. ومن الحجاز تعود اللازمة «أحباب لا مو أحباب» إلى الكرد، فيستعيد المقام شجنه الأول، ثم تستأنف الدندنات والآهات على الحجاز. وهكذا لا تكون التنقلات المقامية زينةً، بل حركةً بين حالات مختلفة من الألم.

ويبلغ الأداء لحظةً لافتة في «هاي الدنيا»، حيث ينتقل الساهر إلى مقام الحجاز كار بقدر واضح من السلطنة، مستثمرًا مسافات المقام وأبعاده الواسعة قبل العودة إلى الحجاز. وهنا يشدو قفزة أخرى من الري إلى الري أيضًا. ينقلنا الّحن بعد ذلك إلى مفارقة تعبيرية تظهر في «وإنت اللي بطلت تحبني»: حيث ننتقل إلى النهاوند، نسمع تآلفات أكثر إشراقًا وإيقاع أكثر رشاقة، بينما يظلّ الغناء نفسه غارقًا في الشجن. ينشأ بذلك تضاد بين ما تقوله الموسيقى وما يعترف به الصوت؛ فكأنّ التوزيع بدأ يتقبّل النهاية ويتحرّك إلى الأمام، بينما المغنّي ما زال عالقًا فيها. ولهذا تصيب «لخاطر الله شكد توحشني» ثم «إن شاء الله بحبك متهني، إن شاء الله تكون أسعد مني» بقوة أكبر: الكلمات تمنح الآخر حريته، لكن النبرة تفضح ثمن هذه السماحة.

يُذكر هنا أن الساهر لا يعتمد على كثافة الحليات. زخرفته محسوبة، ولذلك تصبح أكثر دلالة حين تظهر: لفّات قريبة من الغروبتّو في بعض إعادات «أحباب»، وترعيدات في كلمات مثل «أصحاب» و«اللوم» و«عذاب»، إلى جانب موردنتات خاطفة. لذا تشعر بأن العُرب لا تُزيّن الجملة بقدر ما تخلخل الاستقرار بما يُعبّر عن حالة الذات.

بهذا تصبح البنية الموسيقية موازية تمامًا لبنية النص: كلمات تحاول أن تقول «انتهى»، ولحن لا يكفّ عن الرجوع والقفز والالتفاف حول ما انتهى. العقل يحسم العلاقة، أمّا الصوت فيظلّ يتلعثم بها؛ ولذلك تبدو «أحباب... لا مو أحباب» أقلّ كجملة تقريرية، وأكثر كحقيقة يحتاج صاحبها إلى أن يكرّرها حتى يصدّقها.



#فارس_خاشو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «أصالة»: بين دفء البيات وحدّة الجوابات
- «لا يفوتك»: قراءة في جديد أيمن الأعتر
- صوت سوريّة المفقود: قراءة في صوت ميّادة بسيليس
- تجربة محلم بركات ونجوى كرم: قراءة في الأداء، والتّعبير، والم ...
- حُمّى المساحة الصَّوتيّة: أصوات الفنّانين العرب على الميزان
- قراءة في ألبوم ”حالة طوارئ“ نجوى كرم
- قراءة في ضريبة البعد: ضريبة المتوقَّع من الأصوات العظيمة
- قراءة في ألبوم ”ابتدينا“


المزيد.....




- غدا السبت .. افتتاح مهرجان القلعة الدولى للموسيقى
- الشرطة البرازيلية تستعيد 8 لوحات نادرة مسروقة للفنان هنري ما ...
- غزة إلى سباق الأوسكار 2027.. سويسرا تختار وثائقي -من لا يزال ...
- جولي أندروز تعلن اعتزال التمثيل وتغيب عن -يوميات الأميرة 3- ...
- وزراء ثقافة بريكس يتفقون على إعادة الممتلكات الثقافية ووضع م ...
- من كيانو ريفز إلى جاكي شان.. نجوم هوليوود الذين حوّلوا الشهر ...
- تكريم نادين لبكي بجائزة ليبراتوم للرواد عن مسيرة جمعت السينم ...
- أحضان بالمجّان وسط الركام.. فنان كولومبي يواسي متضرري زلزال ...
- قلاع جبل عامل.. حين يطارد الخطر ألف عام من تاريخ الجنوب اللب ...
- البرازيل: الشرطة تستعيد ثماني لوحات مسروقة للفنان الفرنسي هن ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فارس خاشو - قراءة موسيقية في «أحباب» لكاظم الساهر