أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فارس خاشو - «لا يفوتك»: قراءة في جديد أيمن الأعتر















المزيد.....

«لا يفوتك»: قراءة في جديد أيمن الأعتر


فارس خاشو

الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 04:45
المحور: الادب والفن
    


إن كنت سمّيعًا وتحترم أذنك، فلا تفوّت سماع ألبوم «لا يفوتك» لأيمن الأعتر. أقول ذلك على مضض، لأنّني أتمنّى دائمًا أن يأتي أجود ألبومات السنة من لبنان أو من بلاد الشام، لكنّ هذا الألبوم، في رأيي، هو أجود ألبوم غنائي صدر حتى الآن في عام 2026.
يمتدّ الغناء فيه في رحابة تزيد قليلًا على أوكتافين؛ من أخفض قراراته في أغنية «مجنون»، عند حدود لا الثانية A2—قرار خفيض على صوت من فئة صوت أيمن—إلى السي الرابعة B4 بصوت الفالستّو في «أنساك إزَّاي». وما بين القرار والجواب طواف من الإبداع الغنائي، وتنوّع في الرنين، ومقاميّة حاضرة، وحسّ تعبيري يتجلّى ويخبو أحيانًا لصالح احتفال الصّوت بحليّاته.

سأتوقّف هنا عند ثلاث من الألبوم، هي الأجود غناءً في تقديري: «مفترض»، و«باب الرجا»، و«لا يفوتك».

1. «مفترض»: بين العجم والحجاز، بين التشريق والتّغريب
«مفترض» من كلمات الأمير سعود بن محمد العبد الله، وألحان من إبداع سهم. يمتدّ الغناء فيها نحو أوكتاف وسادسة صغيرة، تقريبًا من الدو دييز الثالثة C3 إلى اللا الرابعة A4، على مقام العجم عشيران، مع نقلة إلى الحجاز.
تبدأ الأغنية بفوكاليز غربيّ العفق يمتدّ بين اللا الرابعة A4 والمي الثالثة E3، وهما درجتان شديدتا التوافق الهارموني، تثبّتان الأذن وتُشبعانها تآلفًا. يشدو أيمن في هذا المطلع عُربة مركّبة تتخلّلها حليات أتشاكاتورا وموردنت سريعة، برنّة لامعة وطيف رنيني غزير يذكّران، في مواضع، بصوت الراحلة ذكرى.
من توهّجات الأداء تنويع أيمن في رنين صوته. نسمع صوته الصريح من القرار، ما بين الدو دييز الثالثة، إلى حدود جواب اللا الرابعة، ونسمع صوته الممزوج في المطلع وفي عدد من المِلَزمات، إحداها في إحدى إعادات «نعيشها»، حيث يشدو كسرات وحليات دمجيّة الرنين، إلى جانب عدد من الترعيدات، فضلًا عن فيبراتو يكاد يكون مثاليًّا في انتظامه؛ وهي خصيصة تذكّرنا بصوتَي ذكرى وصابر الرباعي، وإن بدرجات مختلفة.
عند الدقيقة 1:44 من نسخة يوتيوب، في مقطع:
مفترض إنّي أجيك بلا غرض
وآخذك في صدري نَسَم
ينقلنا سهم إلى مقام الحجاز. وهناك يعفق أيمن الثانية الزائدة بأسلوبيّة شرقيّة واضحة، بما يمنح الأغنية توازنًا بين صياغتها الغربيّة وليريكيّتها الشرقيّة في هذا المقطع. ويزيد ذلك جمالًا إتقانه تشبيع القفلات من غير أن يفقدها مرونتها.
ونحن هنا أمام نصّ جيّد ورشيق، يمنح المغنّي الجيّد مساحة حقيقيّة للتفاعل التعبيري. نعم، هو ليس نصًّا ما بعد حداثيًّا في لغته، لكنّه أيضًا ليس عجوزا. يُحسب له أنّه لا يقدّم الحبّ غرامًا فحسب، بل شراكةً في الأحلام والأسرار والإحساس والأدوار. كما أنّ مفرداته قريبة من الأذن العربيَّة، ولا سيّما في بلاد الشام؛ فلم تستوقفني مفردة لم أفهمها.
إن من مأخذ، فهو كثرة التحليات. لا أقول إنّها تُفقد الأداء تعبيره؛ فتعبير أيمن حاضر، لكنّ كثرتها أحيانًا تنتقص من أثرها، لا سيّما حين تكون بهذه الجودة. فالحلية البديعة تزداد قيمةً حين تُنتقى لها لحظتها التعبيريّة. ومن المفهوم أنّ صوتًا بزخم صوت أيمن يحمل شحنةً تحتاج إلى الانطلاق، لكنّ توزيع هذه الشحنة على مواضع المعنى كان سيزيد جماليّات هذه القطعة جمالًا. وإن من زيادة بمأخذ، فدوزنة الصّوت بمثاليّة حسابيَّة تفقده شيئًا من تعبيره، لا تصدّقون من يوهمكم بمثاليَّة دوزنة اللا 440، فهي لا تنطبق على آية الصوت البشري، لا سيّما إن كان بجودة صوت أيمن.

2. «باب الرجا»: بين خفوتٍ وفورةٍ يتجلّى الصوت
«باب الرجا»، من كلمات صمت وألحان سلطان خليفة، يتحرّك أيمن فيها في مساحة تقلّ عن أوكتاف، لكنّها، في رأيي، أجود أغنيات الألبوم أداءً وتعبيرًا، والأقرب إليّ.
تحكي الأغنية حالةً عتبيّة، حالة الكون في علاقة وخارجها في آن، بكلّ ما تنطوي عليه تلك المنطقة المعلّقة من هشاشة وغضب وضيق. وتعكس مساحة الأغنية المحدودة هذا الحصار، فيما يعبّر أيمن عنه بإحساس عالٍ، صوت يخفت حينًا ويفور حينًا آخر.
في هذه القطعة المصاغة في مقام النهاوند، يُسمعنا أيمن مرّة أخرى وجهَي صوته الغربي والشرقي. ففي بعض القفلات، مثل «باب الرجا» و«واقف»، يعفق أبعاد الماينور كما يقرّرها الكتاب؛ ثمّ يباغتنا بتضييقات مايكروتونيّة لا ترصدها الأذن بالضرورة، لكنّها تشعر بأثرها في مقدار الشجن الذي تمنحه قفلات مثل «طاح» و«بأسه».
على خلاف «مفترض»، يخفّ هنا اتّكاء أيمن على الحروف، ويهفت الصوت تعبيرًا عن هشاشة الشخصيّة التي تحكيها الأغنية. كما تأتي الحليات أكثر التصاقًا بالمعنى، وإن ظلّت كثيرة؛ ففي «طاح» يؤدّي موردنت تبدو كأنّها ترسم التعثّر نفسه، وفي «الأسف» يشدو ترعيدات ضيّقة مشبعة بالشجن، حتى تكاد المفردة تُسمع اعترافًا شخصيًّا: «آسف». كأنّ الكلمة خرجت بعد مقاومة طويلة.

3. «لا يفوتك»: حين يبوح اللحن بما يخفيه النصّ
«لا يفوتك»، من كلمات قوس وألحان سهم، طواف مقامي يمتدّ في نحو أوكتاف ورابعة زائدة. اللحن متطلّب مقاميًّا، وإن كان مساره تصاعديًّا في الغالب ولا يعتمد قفزات لحنيّة واسعة؛ إذ تقوم صنعته على دقّة الانتقالات بين المقامات، وعلى صلتها الوثيقة بالمعنى الذي يصوّر جرحًا يحتضر.
يقول المقطع الأوّل:
لا يفوتك
آخر جروحك وهو فيني يموتك
لا يفوتك
في احتضاره ودّه يصرخ باعتذاره
وعيّا صوتك
كاتم أنفاسه بسكوتك
كحال كثيرين منّا في حضرة سرد الجراح، يبدأ المتكلّم متماسكًا، ثمّ يتملّكه الشجن شيئًا فشيئًا. وهكذا يبدأ الغناء حرًّا من الإيقاع، على مقام الكرد، بشجن رصين سرعان ما يتكثّف عند الانتقال إلى البيات في «وهو فيني يموتك» و«ودّه يصرخ باعتذاره». ويضيّق أيمن بعض المسافات المايكروتونيّة ليبرز شجن البيات، فيما يأتي اتّكاؤه على مدّ «فيني»، وإلحاقه بنفَس مسموع، معبّرًا جدًّا عن عمق الأثر وامتداده في الروح.
وحين يبلغ:
كاتم أنفاسه بسكوتك
لا يعود البيات كافيًا لحمل هذا الاختناق، فيضيق المسار إلى دروب الصبا. وهنا يسكت الغناء نفسه، كأنّ اللحن يطبّق المعنى حرفيًّا، قبل أن يدخل الإيقاع ويفتتح القسم التالي:
وهذا لأنّي غصب عنّي
كنت وافي لك عشان
حبّنا اللّي من زمان
ما بقالك بي مكان
وما بقالك بي محل
في «هذا لأنّي» يقترب الطبع من النهاوند، ثمّ ينتقل إلى الراست عند تشبيع «حبّنا اللّي». وبعدها يؤدّي أيمن نقلة دقيقة وسريعة في «زمان»، توهم الأذن للحظة أنّه عائد إلى النهاوند؛ كأنّ المتكلّم، حين استعاد الزمن القديم، حنّ إليه خطفًا. لكنّ هذه اللمعة لا تلبث أن تنطفئ، بعودة الغناء سلطنة الراست حتى «ما بقالك بي محل».
ثمّ يأتي المقطع:
زفّوا الحبّ الجديد
انتهى حبّك أكيد
يا أنا هالليلة سعيد
آخر جروحك رحل
هنا انقبضت كسامع من مباغتة المعنى: حبّ جديد يظهر فجأةً كجسر يُراد به محو حبّ سابق. لكنّ المفارقة أنّ أيمن يواصل الغناء على الراست بسلطنة مشوبة بالشجن، ثم يزيد الراست رسوخًا حين يجعل الجنس الثاني راستًا أيضًا، في حركة نادرة نسبيًّا في الغناء العربي، ينجزها باقتدار كبير.
والغريب أنّ «هالليلة سعيد» من ذاك الراست لا تُغنّى بسعادة، بل بشجن أقرأ فيه فضح لعدم التخطّي. ويؤكّد اللحن ذلك حين ينتقل إلى الصبا في «آخر جروحك»، كأنّه يبوح بما يحاول النصّ إخفاءه: الجرح لم يرحل، بل لا يزال في احتضار متواصل، والحبّ الجديد ليس انتصارًا حاسمًا بقدر ما هو محاولة للنجاة. ومن الصبا يعود أيمن إلى النهاوند في «هذا لأنّي» بسلاسة تفتح باب السلطنة، ثمّ يرجع سريعًا إلى الراست، ليبدأ الطواف المقامي من جديد.
ويبرهن شدو أيمن هنا على اقتداره في الأداء الليريكي، أو التطريبي كما يحلو لبعضهم تسميته، وعلى قدرته على تطريزه بأشكال متعدّدة من الحليات: ترعيدات، وغروبتّو، وموردنت مركّبة، وأحيانًا يجدلها على حروف لا تحتمل المدّ عادةً، في دلالة على مرونة صوته ومهارته في توظيف الزخرفة في أضيق المواضع.ولا يمكن إنكار جودة هذه الحليات أو صعوبتها، لكنّ المأخذ نفسه يعود هنا أيضًا: ليتها كانت أقلّ عددًا، وأشدّ اقتصارًا على المواضع التي يطلبها المعنى.

تكشف هذه الأعمال الثلاثة جانبًا من قيمة «لا يفوتك»: فنحن أمام صوت كبير لا يكتفي بامتداده أو جمال خامته، بل يتحرّك باقتدار بين الرنين الصريح والممزوج، وبين المقامات، ويستجيب للمعنى، لكنه يسكر أحيانًا بجماليّات رنينه وطواعيّته فيطلق دفقًا من الحليات تستوقف السّامعة أو السامع لجمالها وتصرفهما عن معناها، لكنّ هذا المأخذ لا يحجب حقيقة أنّ أيمن الأعتر يقدّم هنا واحدًا من أجود الأداءات العربيّة الصادرة هذا العام إلى الآن.



#فارس_خاشو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صوت سوريّة المفقود: قراءة في صوت ميّادة بسيليس
- تجربة محلم بركات ونجوى كرم: قراءة في الأداء، والتّعبير، والم ...
- حُمّى المساحة الصَّوتيّة: أصوات الفنّانين العرب على الميزان
- قراءة في ألبوم ”حالة طوارئ“ نجوى كرم
- قراءة في ضريبة البعد: ضريبة المتوقَّع من الأصوات العظيمة
- قراءة في ألبوم ”ابتدينا“


المزيد.....




- ساحة الملحمة في جرش تحيي صناعات أردنية تراثية
- مواهب من روسيا والعالم تجتمع في موسكو ضمن المنتدى الثقافي ال ...
- مصر.. إلغاء العرض الخاص لفيلم -الجواهرجي- بعد وفاة شقيق محمد ...
- فيلم -الأوديسة- ينعش سياحة صقلية بنصف مليار دولار
- -فخٌّ أطاح بالشاه ويهدد ترمب-.. هكذا جددت الحرب الأمريكية ال ...
- فيلم -سبايدر مان- الجديد يحقق إيرادات 927 مليون دولار عالميً ...
- نوع من الحبوب يحسن التمثيل الغذائي ويحارب تراكم الدهون في ال ...
- في قلب جبال سوتشي.. -روزا خوتور- يعرّف السياح العرب على ثقاف ...
- فنانة تركية تقطع وعدا على نفسها في حال نجاح طرابزون سبور في ...
- حين أصبح رسم تحضيري أغلى من تحفة فنية.. قصة عمل إيفانوف النا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فارس خاشو - «لا يفوتك»: قراءة في جديد أيمن الأعتر