أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فارس خاشو - سلسلة فيروز وأم كلثوم، ج 2. في الجواب: حين تكاد كفّتا الميزان تتساويان















المزيد.....


سلسلة فيروز وأم كلثوم، ج 2. في الجواب: حين تكاد كفّتا الميزان تتساويان


فارس خاشو

الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 07:50
المحور: الادب والفن
    


إذا كان القرار قد أتاح لنا أن نسأل عن القاع الذي تستطيع كل من فيروز وأم كلثوم أن تبلغه وتعمل داخله، فإن الجواب يفرض سؤالًا أكثر تعقيدًا. فارتفاع الصوت لا يُقاس بأعلى تردد تصدره الحنجرة فحسب؛ ثمة فرق بين أن تلمس المغنية درجة في طرف المدى وأن تمتلكها غنائيًا، وبين أن تبلغ الجواب وهي تخسر متن الصوت وبين أن تصعد إليه محتفظةً بكتلته، وبين أن يكون لها في الطبقة العليا ترنين أو تلوين صوتي واحد وأن تستطيع تغيير وزن الصوت ولونه بحسب العبارة والمعنى. لذلك ننظر هنا إلى أربعة عناصر متداخلة: المدى الأعلى، والمجال العلوي العامل والرّنان، والكتلة/الطيف الهارموني، والمرونة في إعادة تشكيل هذه الكتلة.

صول دييز الخامسة G#5: ليست قفزة فيروزية إلى المجهول
لاستنطاق أقصى جواب موثّق لفيروز في العينات التي بين أيدينا، تفيد «سانتا لوتشيا» على نحو خاص. فهي لا تضعها في غناء منفرد فحسب، بل في حوار مع مغنٍّ أوبرالي، ما يعقّد الفصل الطيفي بين الصوتين، لكنه يمنحنا في المقابل قرائن لحنية وترددية متقاطعة. ففي الآهات التي تجريها فيروز فوق خط المغني تبلغ بوضوح منطقة الصول دييز5 G#5، مع تردد أساسي F0 يدور حول 815–824 هرتز وفق الدوزان الفعلي للتسجيل. وفي القفلة تظهر على الصول5 G5 خلف صوت الرجل المثبت على الصول 4.

ولهذه العلاقة الأخيرة أهمية منهجية. فعندما يغني صوتان على بعد أوكتاف، يتطابق التردد الأساسي F0 للصوت الأعلى مع التوافق الثاني H2 للصوت الأدنى؛ ومن ثم لا تكفي قمة طيفية عند G5 وحدها للقول إنها فيروز، إذ يمكن أن تكون أيضًا H2 لصوت الرجل. لكن السياق اللحني هنا يكشف خطين منفصلين: الرجل على G4 وفيروز فوقه على G5، ثم تأتي النسبة الترددية بين الخطين مطابقة تقريبًا لأوكتاف، أي 1200 سنت. بذلك يصبح ظهور G#5 في الآهات السابقة امتدادًا طبيعيًا لخطها العالي، لا توافقًا عارضًا مستخرجًا من صوت شريكها.

ولا تبدو G#5 أثرًا سريعًا في بداية النغمة أو قفزةً طائشة إلى طرف المدى. فقبلها تعمل فيروز مرارًا في الطبقة الخامسة، وتتحرك خلال الآهات من مناطق أدنى صعودًا إلى F5 ثم G5 وما فوقها. وعند القمة يبقى F0 قابلًا للتتبع، وتتحرك المكونات العليا معه، ثم تغادر المنطقة بحركة منظمة بدل أن تسقط منها بعد فقدان مركز الدرجة. وهنا يظهر الفارق بين لمس تردد مرتفع وبين امتلاك جواب وظيفي: الأول قد يكون ثمرة انزلاق لحظي أو دفع زائد، أما الثاني فيقتضي القدرة على الدخول إلى المنطقة، والمحافظة على تعريف النغمة، ثم الخروج منها منظمًا.

لكن الطيف يكشف شيئًا آخر: في أقصى هذه الذرى لا تحمل فيروز إلى G5–G#5 الوزن الطيفي نفسه الذي تحمله في طبقات أدنى. يبرز التردّد الأساس أكثر، فيما تتناقص طاقة التآلفات الطيفية/الرنينيّة العليا نسبيًا، فتخرج النبرة أخف وأنقى وأقل تحميلًا بالكتلة. ولا يمكن من تسجيل صوتي وحده تحويل ذلك إلى حكم فيزيولوجي قاطع من نوع M1 أو M2؛ فالآلية الحنجرية الدقيقة تحتاج إلى قياسات مباشرة، كالتخطيط الكهربائي للمزمار. ما يمكن إثباته أكوستيكيًا هو أن فيروز تبلغ هذه المنطقة بتصويت علوي طلي، مركز، غير مضغوط، يحتفظ بتحديد الدرجة من غير أن ينقلب إلى صراخ أو إلى صوت هوائي متفلّت.

وهنا لا تظهر G#5 نقطة منفصلة عن بقية الصوت. ففي القفلة تثبت G5 بوصفها خطًا مستقلًا، وفي الآهات تصعد نصف تون آخر، وقبل ذلك تعمل في درجات أدنى من الطبقة الخامسة وتعود منها وإليها. أي إننا أمام تدرج وظيفي في الجواب، لا درجة واحدة تُنتزع من طرف المدى.

أم كلثوم: جواب أكثف، وحد أعلى أكثر التباسًا

تعطي ارتجالات أم كلثوم في مقطع «أشكو فتكذبني الشّكاة» من «أتجلى العمر» لأم كلثوم صورة مختلفة. فالصوت يعمل بوضوح في أعلى الطبقة الخامسة، مع حضور متكرر في F5–G5، ثم يبلغ في بعض الحركات G#5، قبل أن تظهر في إحدى الذرى لمسة عابرة في فلك A5. غير أن هذه الدرجات لا تؤدي الوظيفة نفسها، ولا ينبغي لذلك جمعها تحت عنوان واحد هو أقصى الجواب.

فيF5–G5 ما تزال أم كلثوم داخل منطقة عمل واضحة. يظهر التردّد الأساس F0 مستقرًا، وتظل التآلفات الطيفية/الرنينيّة الثانية والثالثة حاضرة بقوة استثنائية، وتدخل إلى الجواب عبر حركات صاعدة وملزمات وتحويرات لحنية، ثم تعود منه من غير أن ينهار مركز النغمة. ولذلك تبدو هذه المنطقة جزءًا حقيقيًا من مدى صوتها الرّنان، لا امتدادًا طارئًا للمدى.

أما الصول دييز الخامسة G#5 ، فتقع على الحافة. تظل الدرجة محددة ويظل التصويت مقروءًا، لكن زمن الإقامة يقل وتبدأ الكتلة الطيفية بالتراجع مقارنةً بما دونها. إنها لا تزال نغمة مغنّاة، لكنها أقل رسوخًا من G5. وهنا يصبح الفرق بينهما فرقًا في درجة الامتلاك الوظيفي: عند G5 ما يزال الصوت يملك وقتًا وكتلة وحرية أكبر؛ وعند G#5 تبدأ المساحة في التضيق.

ثم تأتي A5، وهنا ينبغي الحذر. يصل المسار إلى حدود 880–890 هرتز تقريبًا، لكنه يلامس القمة ثم يهبط فورًا، ولا يستمر الجزء الواقع حول A5 إلا عشرات قليلة من المللي ثانية. والأهم أن نوعية التصويت نفسها تتغير: يخفّ متن الصوت فجأة، وتضيق النبرة، ويقترب الصوت من شرخة منغّمة أو اندفاعة صوتية حادة أكثر من اقترابه من نغمة ذات مُحكمة. ومع ذلك لا نتعامل مع ضوضاء عشوائية؛ فالتردد الأساسي قابل للتتبع وتظهر له بنية توافقية. لذلك يمكن إدراج A5 في المدى المطلق الموثق، لكن لا يصح عدّها، من هذه العينة، جزءًا من الجواب الرّنان لأم كلثوم.
وهنا يتضح الفرق بين أعلى تردد تستطيع الحنجرة أن تصدره وبين أعلى منطقة تستطيع المغنية أن تعمل داخلها. عند أم كلثوم قد يمتد الأول إلى A5، أما الثاني فيبدو أقرب إلى G5–G#5. وهذا وحده كافٍ لتبيان خطأ المفاضلة التي تقول: هذه بلغت A5 وتلك G#5، إذ لا تحمل الدرجتان القيمة الغنائية نفسها.

ما الذي يجعل جواب أم كلثوم يبدو «أكثر حضورًا»؟

في F5–G5 تحتفظ أم كلثوم في كثير من المواضع بطاقة معتبرة في التآلفات الطيفية/الرنينيّة الهارمونية H2 وH3. فإذا كان التردّد الأساس F0، مثلًا، عند G5 قرب 784 هرتز، يقع H2 قرب 1568 هرتز وH3 قرب 2352 هرتز. وفي بعض مواضع العينة لا تنهار طاقة هذه التآلفات الطيفية/الرنينيّة سريعًا، بل تبقى شديدة الحضور، وقد يظهر أحدها أقوى من H1 نفسه بحسب الصائت وموضع الرنين وهذا يكسب صوت أم كلثوم زخمًا رنينًا هائلًا ونادرًا في الموسيقى العربية.

وهنا يلزم توضيح بعض مصطلحات: F0 هو التردد الأساسي الذي يحدد الدرجة المغنّاة، وH1 وH2 وH3 هي التآلفات الطيفية/الرنينيّة الأولى الناتجة عنه؛ H1 يقع عند التردد الأساسي نفسه، وH2 عند ضعفه، وH3 عند ضعفه الثالث. وما نقرأه ليس مجرد وجود هذه التآلفات الطيفية/الرنينيّة، بل مقدار الطاقة التي تحتفظ بها كل واحدة منها. فإذا ظلت H2 وH3 قويتين قياسًا إلى H1، كان الانحدار الطيفي spectral tilt أقل شدة، أي إن الطاقة لا تتناقص سريعًا كلما ارتفعنا في السلسلة التوافقية.

وهذا أحد أسباب الإحساس بأن جواب أم كلثوم كثيف، نافذ، ولامع الحافة. فالأذن لا تسمع F0 وحده، بل حصيلة الأساس تآلفاته الطيفية/الرنينيّة بعد أن يشكلها المجرى الصوتي. وحين يبقى قدر كبير من الطاقة عند 1.5 و2.3 كيلوهرتز مثلًا، تكتسب الدرجة حضورًا ولمعانًا وشيئًا من تلك الحدّة المعدنية التي لا تعني الخشونة، بل الـbrilliance أو الـedge: لا تبدو G5 معلقة بخفة فوق الجملة، وإنما ذات متن يخترق النسيج الموسيقي.

وفي بعض هذه الجوابات تظهر أيضًا رنة أمامية حادة تميل سمعيًا إلى الغنّة، لا سيما حين يبرز H2 بشدة. لكن لا يكفي ذلك للقول إن أم كلثوم تستخدم رنينًا أغن؛ فالتحليل الطيفي لهذه التسجيلات لا يسمح بإثبات nasalization بالمعنى التقني. يذكر أيضًا أنّنا لا نملك شاهد واحد لأم كلثوم تخفف فيه وزن صوتها في الجواب.

ومن هنا أيضًا ينبغي الحذر من العبارة الشائعة إن أم كلثوم «تصعد بالصدر» إلى هذه الطبقات. قوة H2 أو H3 لا تثبت ذلك. فثمة عاملان يتداخلان: المصدر الحنجري، أي شكل النبضة المزمارية ومقدار الإطباق، ثم مرشح المجرى الصوتي، أي الرنينات أو الـformants التي تضخم بعض التآلفات الطيفية/الرنينيّة وتخفض أخرى. وقد يصبح H2 أقوى من H1 لأن الصائت والطبقة وضعاه في منطقة رنين ملائمة، لا لأن المغنية «حملت صوتها الصريح (الصدر)» حرفيًا إلى G5.

فيروز: حين تصبح الكثافة خيارًا

لو اقتصرنا على «سانتا لوتشيا» لأمكن أن نخرج بصورة مبسطة: فيروز تخفف الصوت كلما صعدت. لكن استحضار جوابات أخرى لفيروز، من قبيل المقاطع الدرامية في «حبيتك بالصيف»، و«حتى لا يحكمكم طغاة الأرض»، و«حيث عناق لحبيبين... لماذا؟» في «سفينتي بانتظاري»، و«بحرب الكبار شو ذنب الطفولة» و«روما يا وحش الحضارة» من «أغنية صغيرة»، يوضح هذه الصورة جذريًا.

فهذه العينات، التي تعمل في معظمها بين B4/C5 وD#5 تقريبًا، تظهر في مواضع كثيرة كتلة توافقية هائلة. عند F0 يدور حول 500–530 هرتز يظهر H2 في بعض المقاطع أقوى من H1 بما يصل إلى نحو 8–19 ديسيبل، فيما يبقى H3 قريبًا نسبيًا منه. ولا يجوز التعامل مع هذه القيم بوصفها قياسات مطلقة للحنجرة، لأن الميكروفون والمكساج والمرافقة والمعالجة الصوتية تؤثر فيها، لكن الاتجاه الطيفي نفسه واضح: نحن أمام جواب غني بالتآلفات الطيفية/الرنينيّة.

وفي مواضع أخرى حول522–531 هرتز يقترب H2 كثيرًا من H1، أحيانًا إلى حدود صفر أو بضعة ديسيبلات فقط، مع بقاء H3 قريبًا نسبيًا. وفي مقطع قرب 522 هرتز يتجاوز H2 الأساس بنحو خمسة ديسيبلات تقريبًا، فيما لا يبتعد H3 عنه إلا قليلًا.

والأوضح من ذلك أن الكثافة لا تختفي فور ارتفاع الطبقة. ففي مقطع يصل إلى نحو 610–618 هرتز، أي في فلك D#5 تقريبًا، يبقى H2 قريبًا جدًا من H1؛ والفارق الوسيط في الجزء الأكثر استقرارًا يقارب ديسيبلًا واحدًا فقط! فيما يصبح H3 أدنى بنحو عشرة إلى أحد عشر ديسيبلًا. أي إن فيروز تستطيع حمل توافق ثان قوي جدًا حتى هذه المنطقة.

لا تقدّم فيروز وزنًا طيفيًا واحدًا للجواب، تستطيع أن تجعل H2 شديد الحضور فيخرج الصوت ممتلئًا ولامعًا، وتستطيع أن تجعل H1 مهيمنًا فتخرج النبرة أخف وأرق، وأحيانًا تفعل ذلك في طبقات متقاربة نسبيًا بحسب الصائت والديناميك وطبيعة العبارة.
ويفسر ضبط الرنينات formant tuning جانبًا من ذلك. فعندما يكون F0 بين 500 و600 هرتز يقع H2 بين 1000 و1200 هرتز، وقد يقترب من منطقة رنين قوية بحسب تشكيل الصائت والمجرى الصوتي. فإذا اصطف H2 مع F1 أو منطقة تضخيم مناسبة، قد يصبح شديد القوة أو يتجاوز H1.

الفرق ليس بين صوت كثيف وصوت رقيق

أم كلثوم في F5–G5 تحتفظ غالبًا بكتلة توافقية كبيرة ورنة حدّيّة معدنية واضحة، وفيروز قادرة هي الأخرى، في الجزء الأدنى والمتوسط من الطبقة الخامسة، على إنتاج جواب شديد الامتلاء، يصل فيه H2 أحيانًا إلى مستوى H1 أو يتجاوزه. ولذلك تسقط الثنائية السهلة. جواب أم كلثوم كثيف، وفيروز رقيق.

الفرق الأوضح هو أن أم كلثوم أكثر ثباتًا في هوية جوابها الطيفية. تصعد بكتلة كبيرة، وتحافظ على حافة رنينية قوية إلى منطقة عالية، ثم تبدأ هذه الاستراتيجية نفسها في التضيق عند G#5 وتنهار بصورة أوضح عند لمسة A5. وكما سبق الذكر لا نملك لها مثالًا في المنطقة العليا تنتقل فيه من جواب ممتلئ إلى جواب شديد الرق ثم تعيد بناء الكتلة مع بقاء التحكم نفسه، وقد يكون ذلك أمارة على ضعف في التقنيّة.

أما فيروز فلدينا الشاهدان معًا: جواب شديد الكثافة في B4–D#5، وجواب يرق تدريجيًا كلما اقترب من F5–G5–G#5. وهنا لا تعود الرقة علامة على محدودية في حمل الصوت؛ لأننا نعرف من العينات الأخرى أنها قادرة أصلًا على التكثيف. تصبح الرقة، على الأقل أكوستيكيًا، جزءًا من إعادة تخليق الصوت مع الصعود، لا مجرد نتيجة لانهيار كتلته.

فأيهما أجود في الجواب؟
إذا كان السؤال: من قادرة على تقديم جوابًا أكثف إلى طبقة أعلى؟ فتميل كفة أم كلثوم إلى التفوق في العينات المدروسة؛ فهي تحمل قدرًا كبيرًا من الطاقة التوافقية إلى F5–G5، ويظل جوابها هناك كثيفًا ولامعًا ونافذًا على نحو لافت. وهذا إنجاز صوتي حقيقي.
أما إذا كان السؤال: من تملك مساحة أكبر من الخيارات داخل الجواب؟ فتميل الكفة إلى فيروز. فهي لا تقدم جوابًا خفيفًا في مقابل جواب أم كلثوم الثقيل؛ بل تقدم الاثنين: تستطيع حمل كتلة تآلفية كبيرة إلى الطبقة الخامسة، وتستطيع تخفيف تلك الكتلة تدريجيًا، والتحرك بين أوزان طيفية مختلفة من غير أن تفقد مركز الدرجة. وهذا يمنحها، في حدود العينات المدروسة، مرونة أوسع في تشكيل الجواب نفسه لونًا ووزنًا.
ومن هنا لا يقوم تفوق فيروز في هذا الجانب على أن صوتها «أرق»، بل على أن رقته ليست قدره الوحيد، وكثافته ليست قيدًا عليه. أما قوة أم كلثوم فتكمن في شيء مختلف: جواب ذو شخصية أكوستيكية شديدة الرسوخ، يحتفظ بمتنه ولمعانه إلى طبقة عالية، لكنه أقل برهانًا على التحول الطيفي الواسع الذي نجده عند فيروز.

ويبقى المدى الخام أكثر تعقيدًا من أن يحسم النتيجة وحده. فيروز تبلغ G#5 بوصفها درجة مغنّاة داخل خط علوي منظم، فيما تلامس أم كلثوم A5 في الحد المطلق، لكن هذه الأخيرة تظهر كشرخة منغمة عابرة أكثر منها نغمة ذات إقامة وتصرف؛ أما مجالها العلوي الفعال فيبدو أقرب إلى G5–G#5. ولذلك لا تفصل بين الصوتين، في النهاية، مسافة نصف تون بقدر ما يفصل بينهما أسلوبان في معالجة الجواب: أم كلثوم تحمل إلى الأعلى كتلةً لافتة؛ وفيروز تجمع إلى القدرة على حمل الكتلة قدرةً أوضح على تخفيفها وإعادة تشكيلها.
وإذا كان معيار الجودة هو مجموع المدى الوظيفي، وسلامة التصويت، والكثافة عند الحاجة، والقدرة على التخلي عن هذه الكثافة عند الحاجة، والحركة داخل المنطقة العليا، فإن جواب فيروز يبدو في هذه العينات أوسع أدوات، فيما يظل جواب أم كلثوم أشد كتلةً ورسوخًا في أقصى مناطق قوته. وهنا، كما في القرار، لا تقول لنا النغمة القصوى وحدها مَن تملك الصوت الأجود؛ إنما يخبرنا بذلك ما تستطيع كل واحدة أن تفعله قبل الوصول إليها، وعندها، وبعدها.
_____________________
ملاحظات منهجية
لا يتعامل هذا التحليل مع أعلى تردد تلتقطه البرامج بوصفه «أعلى نغمة» تلقائيًا. فقد يقفز متتبّع الطبقة أوكتافًا إلى الأعلى، أو يلتقط توافقًا هارمونيًا قويًا بدل التردد الأساسي، أو يسجل ذروة عابرة في أثناء انزلاق أو شرخة صوتية. لذلك جرى التمييز بين التردد الأساس F0، أي التردد الذي يحدد الدرجة المغنّاة، وبين التوافقيات/التآلفات الهارمونية H1 وH2 وH3... الناتجة عنه؛ ويقع H1 عند التردد نفسه تقريبًا، وH2 عند ضعفه، وH3 عند ثلاثة أمثاله. ولم تُعتمد الذرى إلا بعد مطابقة مسار F0 مع بنيتها التآلفية وسياقها اللحني، والتمييز بين نغمة ذات مركز يمكن تتبعه وبين قمة لحظية لا تملك زمنًا كافيًا للاستقرار.
ولذلك فُصل أيضًا بين المدى الأعلى المطلق وبين الجواب الرّنان. قد تبلغ الحنجرة ترددًا مرتفعًا للحظات من غير أن تكون تلك الدرجة جزءًا من المجال الذي تستطيع المغنية العمل فيه. واعتمدنا في وصف الدرجة بوصفها «رنّانة» على مجموعة من القرائن: إمكان الدخول إليها ضمن مسار لحني مفهوم، وثبات مركزها، والمحافظة على التصويت المنظم فيها، والقدرة على مغادرتها من غير انهيار، وظهورها ضمن حركة أو تكرار يثبت أنها ليست حادثة صوتية منفردة. ولهذا أدرجت لمسة أم كلثوم لـA5 ضمن المدى المطلق، لا ضمن أعلى جواب غنائي مكتمل، فيما عوملت G5–G#5 على نحو مختلف بحسب مقدار الإقامة والتصرف في كل منهما.
وفي عينة «سانتا لوتشيا» اقتضى التحليل احتياطًا إضافيًا بسبب تداخل صوت فيروز مع صوت المغني الآخر. فعندما يغني صوتان على بعد أوكتاف، يتطابق F0 للصوت الأعلى مع H2 للصوت الأدنى؛ ومن ثم لا يمكن تحديد هوية الخط الأعلى من موقعه الطيفي وحده. لذلك جرى الجمع بين التحليل الطيفي والسياق البوليفوني: تتبّع مساري الصوتين قبل نقطة التقاء الأوكتاف وبعدها، والنظر في اتجاه كل خط لحني، ثم اختبار العلاقة الترددية بينهما. وعلى هذا الأساس أمكن قراءة G5 عند فيروز بوصفها خطًا صوتيًا مستقلًا فوق G4 للمغني، لا مجرد توافق ثان لصوته، ثم قراءة G#5 في الآهات السابقة ضمن امتداد الخط نفسه.
أما «الكتلة» أو «الوزن الطيفي» فلا يُستعملان هنا بوصفهما وصفًا تشريحيًا أو إثباتًا لـ«صوت صدري» أو «صوت رأسي»، بل بوصفهما توصيفًا أكوستيكيًا لتوزيع الطاقة بين التردد الأساسي والتآلفات الأولى. ومن المؤشرات المستعملة الانحدار الطيفي spectral tilt: إذا تراجعت طاقة H2 وH3 سريعًا قياسًا إلى H1، مال الطيف إلى الرقة؛ وإذا بقيت التآلفات الطيفية الأولى قوية أو قاربت H1 أو تجاوزته، احتفظ الصوت بقدر أكبر من متنه وسطوع حدّه. واستُعمل الديسيبل لقياس هذه الفروق النسبية داخل المقطع نفسه، لا لمقارنة ارتفاع الصوت المطلق بين تسجيل وآخر.
ولا تعني قوة H2 أو H3 وحدها أن المصدر الحنجري أثقل أو أن المغنية «تحمل صوتها الصريح (صوت الصدر)» إلى الجواب. فالشكل الطيفي النهائي نتاج تفاعل بين المصدر الحنجري وبين رنينات المجرى الصوتي formants. وقد يقع أحد التآلفات قريبًا من F1 أو F2 بحسب الصائت وشكل الفم واللسان والبلعوم، فيُضخَّم بشدة ويصبح أحيانًا أقوى من H1 نفسه. لذلك قُرئت ظواهر مثل بروز H2 أو الرنة أو التمركز الأمامي في ضوء اصطفاف التوافقيات مع الرنينات formant tuning، لا بوصفها دليلًا مباشرًا على ميكانيزم حنجري بعينه. وبالمثل، لا تسمح التسجيلات وحدها بالجزم باستعمال M1 أو M2؛ فذلك يحتاج إلى قياسات فيزيولوجية مباشرة، مثل التخطيط الكهربائي للمزمار.
وينطبق الاحتياط نفسه على الرنة التي تميل سمعيًا إلى الأنفية في بعض جوابات أم كلثوم. فالانطباع السمعي بوجود nasal ring لا يكفي لإثبات اقتران أنفي فعلي؛ إذ قد ينشأ جزء كبير منه من تمركز رنيني حاد وبروز أحد التآلفات العليا. ومع تباعد التآلفات كثيرًا عند F0 مرتفع، ورداءة بعض التسجيلات القديمة، يصبح فصل آثار الغنة الحقيقية عن الـedge أو الـbrilliance أعقد. لذلك وُصفت هذه الرنة بوصفها صفة سمعية محتملة، لا تشخيصًا.
_____________________
التسجيلات محل التحليل
• فيروز، «Santa Lucia». استُخدمت في تحليل الطرف الأعلى للجواب، ولا سيما الآهات التي تبلغ G#5 والقفلة التي تضاعف فيها فيروز خط المغني على الأوكتاف الأعلى. توجد المادة على يوتيوب بعنوان Santa Lucia – Fairuz.
https://www.youtube.com/watch?v=DHmsqBoWqU4.
• أم كلثوم، «أتعجّل العمر»، 1937. العينة الرئيسة لتحليل F5–G5، والاقتراب من G#5، واللمسة العابرة في فلك A5، فضلًا عن قراءة الكثافة الطيفية وحضور H2 وH3 في الجواب. النسخة المنشورة على يوتيوب معنونة «أم كلثوم أتعجل العمر 1937». https://www.youtube.com/watch?v=wA-BkVQ40B4&t=1778s.
• فيروز، «حبيتك بالصيف». استُخدمت بعض جواباتها الدرامية مثالًا على احتفاظ فيروز بكتلة توافقية كبيرة في الجزء الأدنى والمتوسط من الطبقة الخامسة. https://www.youtube.com/watch?v=l_XlTGhF-6o.
• فيروز، «الأرض لكم/سفينتي بانتظاري» — مقطع «حتى لا يحكمكم طغاة الأرض» و«حيث عناق لحبيبين... لماذا؟». استُخدم المقطع ضمن عينات الجواب ذي الكثافة العالية. وتوجد نسخة منشورة على يوتيوب بعنوان «الأرض لكم – فيروز». https://www.youtube.com/watch?v=doVbc1AdxL4.
• فيروز، «زغيرة وما بتعرف» — مقطعا «بحرب الكبار شو ذنب الطفولة» و«روما يا وحش الحضارة». استُخدما ضمن عينات الجواب الأكثر امتلاءً وكثافةً في الطيف. والنسخة المتاحة على قناة فيروز الرسمية. https://www.youtube.com/watch?v=G4wvoi5M7KE.
_____________________
المراجع الأكاديمية
• Boersma, Paul. “Accurate Short-Term Analysis of the Fundamental Frequency and the Harmonics-to-Noise Ratio of a Sampled Sound.” Proceedings of the Institute of Phonetic Sciences, University of Amsterdam 17 (1993): 97–110.
• Garellek, Marc, Robin Samlan, Bruce R. Gerratt, and Jody Kreiman. “Modeling the Voice Source in Terms of Spectral Slopes.” The Journal of the Acoustical Society of America 139, no. 3 (2016): 1404–1410. https://doi.org/10.1121/1.4944474.
• Sundberg, Johan. The Science of the Singing Voice. DeKalb, IL: Northern Illinois University Press, 1987.
• Sundberg, Johan. “Articulatory Configuration and Pitch in a Classically Trained Soprano Singer.” Journal of Voice 23, no. 5 (2009): 546–551. https://doi.org/10.1016/j.jvoice.2008.02.003.
• Vos, Rebecca R., Damian T. Murphy, David M. Howard, and Helena Daffern. “The Perception of Formant Tuning in Soprano Voices.” Journal of Voice 32, no. 1 (2018): 126.e1–126.e10. https://doi.org/10.1016/j.jvoice.2017.03.017.
• Weiss, Ron, W. S. Brown Jr., and J. Morris. “Singer’s Formant in Sopranos: Fact´-or-Fiction?” Journal of Voice 15, no. 4 (2001): 457–468. https://doi.org/10.1016/S0892-1997(01)00046-7.
• Titze, Ingo R. “A Framework for the Study of Vocal Registers.” Journal of Voice 2, no. 3 (1988): 183–194. https://doi.org/10.1016/S0892-1997(88)80075-4.
• Titze, Ingo R. Principles of Voice Production. 2nd ed. Iowa City, IA: National Center for Voice and Speech, 2000.
• Blomgren, Michael, Yang Chen, Manwa L. Ng, and Harvey R. Gilbert. “Acoustic, Aerodynamic, Physiologic, and Perceptual Properties of Modal and Vocal Fry Registers.” The Journal of the Acoustical Society of America 103, no. 5 (1998): 2649–2658. https://doi.org/10.1121/1.422785.
• Hollien, Harry, and John F. Michel. “Vocal Fry as a Phonational Register.” Journal of Speech and Hearing Research 11, no. 3 (1968): 600–604. https://doi.org/10.1044/jshr.1103.600.



#فارس_خاشو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلسلة فيروز وأم كلثوم، ج 1. في القرار: لماذا تتفوّق فيروز عل ...
- قراءة موسيقية في «أحباب» لكاظم الساهر
- «أصالة»: بين دفء البيات وحدّة الجوابات
- «لا يفوتك»: قراءة في جديد أيمن الأعتر
- صوت سوريّة المفقود: قراءة في صوت ميّادة بسيليس
- تجربة محلم بركات ونجوى كرم: قراءة في الأداء، والتّعبير، والم ...
- حُمّى المساحة الصَّوتيّة: أصوات الفنّانين العرب على الميزان
- قراءة في ألبوم ”حالة طوارئ“ نجوى كرم
- قراءة في ضريبة البعد: ضريبة المتوقَّع من الأصوات العظيمة
- قراءة في ألبوم ”ابتدينا“


المزيد.....




- مسلسل -من الصعب أن تكون إلهاً- المقتبس عن رواية الأخوين سترو ...
- -الولاء والخيانة-.. إطلاق الإعلان التشويقي لفيلم تاريخي عن ا ...
- -برامج القراءة الأدبية- يعود بموسم جديد لتطوير مهارات القراء ...
- من هو الشخص الذي مُنح وسام -يهوذا- الخائن في روسيا؟
- أمريكا تسلم مصر 48 قطعة أثرية مهربة تعود لـ3 عصور مختلفة
- فرقة موسيقى الميتال -ديمون هانتر- ترفع دعوى قضائية ضد نتفليك ...
- في -عش العُقاب-.. رحلة إلى قلعة أَلَموت معقل -الحشاشين- الحص ...
- بعد 15 عاما من الغياب.. -عودة الأصالة- من قلب دمشق
- ريدلي سكوت يبحث عن الأمل بعد نهاية العالم في فيلم -نجوم الكل ...
- من الموسيقى إلى الذكاء الاصطناعي.. ماذا تخبئ -إيربودز- مع -آ ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فارس خاشو - سلسلة فيروز وأم كلثوم، ج 2. في الجواب: حين تكاد كفّتا الميزان تتساويان