أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فارس خاشو - سلسلة فيروز وأم كلثوم، ج 1. في القرار: لماذا تتفوّق فيروز على أم كلثوم؟















المزيد.....


سلسلة فيروز وأم كلثوم، ج 1. في القرار: لماذا تتفوّق فيروز على أم كلثوم؟


فارس خاشو

الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 08:11
المحور: الادب والفن
    


ليس السؤال في هذه السلسلة: مَن «أعظم»، فيروز أم أم كلثوم؟ فهذا سؤال واسع حتى يكاد يفلت من كل ميزان، وتختلط فيه الذائقة بالذاكرة والمكانة والتاريخ. ما سنحاوله أضيق وأصعب في آن: أن نفكك الغناء نفسه، خاصية بعد أخرى، ونبحث عمّا يمكن سماعه وقياسه ومقارنته؛ من القرار والجواب، إلى المدى والمدى الرّنان «ـtessitura»، والدقة النغمية، وإدارة النفس، والمرونة، والارتجال، والتلوين، وتنوّع الرنىن، واتساع النتاج ومقولته، وسواها من عناصر الصنعة. لن تتفوّق إحداهما بكل شيء، ولا ينبغي لها أن تفعل؛ فالصوتان مختلفان في تكوينهما وفي ما يطلبانه من الغناء. نبدأ هذه السلسلة من قاعدة هذين الصوتان: القرار، لا بالسؤال عمّن غاصت إلى نغمة أخفض فحسب، بل عمّن امتلكت تلك المنطقة امتلاكًا أوسع: بلغتها، وثبتت فيها، وتحركت منها وإليها، واستدعتها حين شاءت.

لاستنطاق جودة قرار أم كلثوم ومداه، ننظر في ثلاث من أخفض العينات التي أمكن تتبّعها: «كان عهد جميل» من «سهران لوحدي»، في حديقة الأزبكية في مايو 1955؛ ومقطع «مالوش أثر» من «مين اللي قال»؛ ثم أحد ارتجالاتها على مفردة «هجرانك» من «يا ظالمني» في حفل اليونسكو في لبنان سنة 1955. تكشف هذه العيّنات أن قرار أم كلثوم يستقر، في أدنى مواضعه الموثوقة، حول 148–150 هرتز، أي في منطقة الري3 D3 تقريبًا، مع شيء من الارتفاع عن مركزها النظري وفق مرجع لا4 = 440، وتظهر الدرجة عند طرف المدى، لكن من غير أن تتحول إلى التصويت النبضي الخشن «vocal fry» أو إلى تصويت هوائي مفكك؛ بل تبقى modal phonation ذات نواة نغمية واضحة ورنين صدري محسوس. ويؤكد الطيف ذلك: فعند استقرار الأساس قرب 150 هرتز تظل مضاعفاته ظاهرة في حدود 300 و450 و600 هرتز، مع امتدادات توافقية أعلى. أي إن القرار ذو بنية توافقية مقبولة، وإن لم يكن استثنائيًا. ويأتي جزء معتبر من الإحساس بعمقه وامتلائه من التوافقيات العليا واصطفافها مع مناطق الرنين، فيبدو للأذن أثقل مما يوحي به رقم الـF0 وحده.

لكن طريقة بلوغ هذا القرار تكشف حدوده في الوقت نفسه. فأم كلثوم لا تهاجم D3 مباشرة من الصمت في العينات الثلاث، ولا تصل إليها بقفزة واسعة، بل تطرح الجملة من أعلى طرحًا تنازليًا حتى تستقر على القاع. وهذه آليّة أيسر فسيولوجيًا من بدء الدّرجة الدّنيا بدءًا مستقلًا؛ إذ يكون اهتزاز الطّيات الصّوتيّة قائمًا أصلًا، ثم ينخفض شدّها تدريجيًا مع الهبوط. لذلك تثبت العينات بثقة قدرة أم كلثوم على الاستقرار على D3 بعد النزول إليها، لكنّها لا تثبت بالقوة نفسها أن هذه الدرجة نقطة انطلاق حرة تستطيع أن تبدأ منها أو تشدو فيها بلا خسارة في المركز أو الرنين. وفي أطول مواضع القرار يستقر التردد قرابة ثلاث ثوان حول مركز واحد.
يظهر القيد الأكبر في أن هذا القرار منطقة استقرار أكثر منه منطقة مناورة. فلا تكاد أم كلثوم تجري على أدنى درجاتها عُرَبًا سريعة أو melismas واضحة، ولا نسمع دورانًا زخرفيًا حول D3 ، أو قفزات منها وإليها، أو تكرارات متباينة في الديناميك واللون. بل تتكرر البنية الأدائيّة نفسها تقريبًا: نزول من الأعلى، ثم استقرار ومدّ، ثم مغادرة المنطقة. وهنا ينبغي التفريق بين القدرة على مد D3 بنبرة سليمة وبين القدرة على الغناء داخل منطقةD3 : بدء الجملة منها، والتحرك حولها بدرجات متقاربة، وتنفيذ العُرَب، وتغيير الشدة واللون، والقفز منها وإليها مع بقاء النغمة واضحة. ولا تمنحنا هذه العينات ما يكفي لإسناد النوع الثاني من السيطرة إلى أم كلثوم؛ بل تبدو الحرية الأدائية في قرارها ضيقة نسبيًا، لا سيما لصوت عُرف بعشقه للارتجال. ومن ثم لا يصح أن نساوي بين «أخفض نغمة موثقة» وبين الـtessitura المنخفضة الفعّالة؛ الأولى تثبت هنا بوضوح أكبر من الثّانية.

وتكتسب هذه الحدود وزنًا إضافيًا لأن أم كلثوم لا تستخرج D3 في ظرف عابر أو في وضعية تعيق الأداء. فالدرجة تظهر في ثلاثة مواضع مستقلة وهي في حالة غنائية جاهزة. وفي العينتين الأولى والثالثة نسمعها في وضع أداء كامل، واقفة، والجهاز الصوتي في حالة تأهب، كما أن الغناء حر غير محكوم بإيقاع يفرض عليها زمنًا بعينه للوصول إلى القرار؛ فيما تأتي العينة الثانية من سياق مسجّل. لذلك لا تكمن مواطن الضعف في سلامة التصويت أو ثبات المركز، بل في ضيق حرية التصرف عند القاع، والاعتماد المتكرر على الحركة الطرحية التنازلية للوصول إليه، وغياب العُرَب والرشاقة والقفزات التي من شأنها أن تثبت أن القرار منطقة عمل كاملة لا محطة نهائية للجملة.

ولهذا لا تكفي، عند الانتقال إلى فيروز، مقارنة أخفض رقمين في جدول ترددات. ينبغي أن نسأل أربع مسائل مستقلة: هل يستطيع بلوغ الدرجة؟ هل يستطيع البدء منها؟ هل يستطيع البقاء عليها من غير انهيار؟ وهل يستطيع أن يتحرك ويغني حولها بحرية؟ عندئذ فقط يصبح القرار معيارًا للكفاءة، لا مجرد رقم في قياس المدى.

في حالة فيروز، نستند إلى مقتطف من بروفة «مصر عادت» جمعتها بالمايسترو وليد غلمية سنة 1989، ونشرتها ريما الرحباني لاحقًا. تكتسب العينة قيمة خاصّة لأنها لا توثّق أداءً معدًّا للاستعراض، ولا حفلة تبلغ فيها فيروز أقصى تأهبها الجسدي والصوتي، بل لحظة عمل: هي جالسة، منحنية إلى الأمام تتابع النوتة، في وضعية لا تمنح الجهاز التنفسي المقبول من شروطه الميكانيكية. مع ذلك تكشف البروفة عن قرار لافت من حيث الانخفاض والجهوزية معًا. ففي مفردة «صوب» من «صوب وجه الشمس» تهبط فيروز تدريجيًا إلى منطقة الدو3 C3، ويستقر التردد الأساسي في أدنى جزء من المد حول 130–131 هرتز، بوسيط يقارب 130.7 هرتز؛ أي يكاد يطابق، وفق مرجع A4=440، التردد النظري للدو3 البالغ 130.81 هرتز رغم عدم وجود مرافقة موسيقية، وتظهر للدرجة بنية توافقية منتظمة، لا سيما قرب 260–264 هرتز ونحو 390–393 هرتز، بما يوافق تقريبًا التوافقين الثاني والثالث لأساس يدور حول 130–131 هرتز. كما أن C3 ليست لمسة عابرة في ذيل الجملة؛ تنحدر فيروز إليها، ثم تمكث حول مركزها زمنًا كافيًا لتمييزها نغمةً مغنّاة مستقرة قبل أن ترتد إلى الأعلى، من غير أن يتفكك التصويت أو ينقلب إلى vocal fry.
وتؤكد المدود التي تجريها فيروز على الكسرة في «غدِ» من «جديد غدِ» أن هذا القاع لا يقتصر على مفردة واحدة أو هيئة صوتية واحدة. ففي المواضع المنخفضة منها يدور التردد الأساسي كذلك في فلك C3 وما فوقها مباشرة، مع مسارات مستقرة داخل المنطقة المنخفضة، لا انخفاضات معزولة يلتقطها متتبع الطبقة في إطار واحد. وتكتسب هذه المواضع أهمية خاصة لأن شدة الـF0 في الطيف لا تكفي وحدها لتحديد مركز الدرجة؛ فالصائت /الكسرة/ يعيد توزيع الطاقة بين التوافقيات بحسب مواضع الرنين، ولذلك يكون الأوثق تتبع انتظام المسافات بين التوافقيات ومسار التردد الأساسي نفسه. وتظهر مدود أخرى أعلى، في حدود 145–155 هرتز تقريبًا، لكنها لا تمثل الحد الأدنى للعينة. وهكذا لا يقوم إثبات C3 على «صوب» وحدها، وإن كانت أوضح شواهده الملفوظة، بل تسنده أيضًا عودة الصوت إلى المنطقة نفسها في مدود «غدِ».

لهذه المدود دلالة تقنية مستقلة؛ فهي تختبر القرار في تشكيل صوتي يختلف عن الصوائت الأكثر انفتاحًا. فالكسرة صائت أمامي مرتفع، يتخذ معه المجرى الصوتي هيئة رنين مختلفة، ويكون الرنين الأول F1 منخفضًا نسبيًا، بما يغيّر مقدار الطاقة التي تظهر في التوافقيات الدنيا والعليا ويجعل الحكم من ارتفاع قمة طيفية واحدة غير كافٍ. لذلك فإن بقاء التصويت منتظمًا، وإمكان تتبع الـF0 من انتظام السلسلة التوافقية، وعدم انهيار الصوت عند القاع إلى السجل النبضي أو إلى تصويت هوائي مفكك، كلها شواهد على أن فيروز لا تبلغ المنطقة المنخفضة فحسب، بل تحتفظ فيها بتنظيم صوتي مستقر وبنية توافقية قابلة للقراءة حتى مع تغير تشكيل الصائت.

يكشف استعمال فيروز لهذه المنطقة عن فرق نوعي إضافي. فقاع قرار أم كلثوم يستقر حول 148–150 هرتز، وتصل إليه غالبًا بحركة طرحية ثم تمكث عليه مع قدر محدود من المناورة عند الحد الأدنى. أما فيروز فتبلغ في «صوب» 130–131 هرتز، أي أخفض خامًا بأكثر من تون كامل، ثم لا تتعامل مع القاع بوصفه نقطة نهاية ثابتة فحسب. ففي «صوب» والمدود نسمع انحدارًا إلى القرار، واستقرارًا فيه، ثم حركة منه إلى درجات مجاورة أو ارتدادًا صاعدًا من المنطقة نفسها. ولا يعني ذلك أننا أمام عُرَب كثيفة على C3، لكنه يعني أن القرار عندها حيز يمكن أن تجري داخله حركة لحنية فعلية، لا مجرد terminal note تُقصد ثم تُغادر. ويبقى ظرف البروفة جزءًا جوهريًا من قراءة جهوزية هذا القرار. فالجلوس مع الانحناء إلى الأمام يحد نسبيًا من اتساع الحركة القفصية ومن حرية جدار البطن في إدارة النفس، ولا يمثل الوضعية التي يختارها المغني عادة إذا أراد أن يهيئ جسده لبلوغ أحد أطراف مداه. والأهم أن فيروز لا تبدو هنا في حالة استنفار صوتي ولا في محاولة لإظهار قرار استثنائي؛ إنها تعمل، تقرأ النوتة، وتغني ضمن سياق بروفة. لذلك فإن بلوغ C3 في «صوب»، والعودة إلى المنطقة نفسها في المدود، مع بقاء النغمة مركزة والتصويت كاملًا والحركة من القاع وإليه ممكنة، يرفع بوضوح تقييم جهوزية القرار low-register availability لديها. فالقرار لا يظهر كقدرة قصوى تُستخرج في ظرف استثنائي، بل كمورد أدائي حاضر يمكن استدعاؤه متى شاءت.

وفي حدود هذه العينات، تميل الكفة لذلك بوضوح إلى فيروز في القرار: مدىً، ووظيفةً، وجهوزيةً. أم كلثوم تملك D3 سليمة، لكنها تبدو عندها أقرب إلى طرف صالح للاستقرار والمد منه إلى منطقة واسعة للتصرف. أما فيروز فتبلغ C3 مع سلامة التصويت وبنية توافقية واضحة، وتتحرك من المنطقة المنخفضة وإليها، وتستدعيها في ظرف أدائي أقل تهيؤًا. وإذا كان الحكم لا يقوم على سؤال «من تنزل أخفض؟» وحده، بل على عمق القرار، وسلامة التصويت فيه، والقدرة على المكث داخله، والحركة منه وإليه، وسهولة استدعائه، فإن الشواهد المتاحة تمنح فيروز تفوقًا بيّنًا على أم كلثوم في هذا الجانب تحديدًا.
_______________________________
ملاحظة منهجية: كيف قيس القرار؟
اعتمد تحليل العينات على أكثر من طبقة من التحقق، ولم يُؤخذ الرقم الذي يعطيه متتبّع الطبقة الصوتية بوصفه نتيجة نهائية في ذاته. بدأ القياس بتحديد المواضع التي يظهر فيها القرار بوضوح، ثم تتبّع التردد الأساسي F0 على امتداد الجملة، مع التمييز بين أدنى قيمة لحظية وبين مركز نغمي يمكن عدّه درجةً مغنّاة فعلًا. وهذا التمييز ضروري لأن متتبعات الطبقة قد تسجل انخفاضات عابرة عند الحروف الساكنة، أو في لحظات ضعف الطاقة الصوتية، أو تقفز أوكتافًا إلى الأسفل أو الأعلى. وتقوم طرائق استخراج F0 الحديثة أساسًا على اكتشاف دورية الموجة الصوتية، ومن أكثرها رسوخًا تحليل الارتباط الذاتي autocorrelation؛ وهو الأساس الذي طوّره بول بورسما في تحليله قصير المدى للتردد الأساسي، والذي تعتمد عليه طرائق تحليل الطبقة في Praat . وتوصي وثائق Praat حاليًا بالـfiltered autocorrelation لقياس تردد اهتزاز الطيات الصوتية والتنغيم.
ولذلك لم يُعتمد الـF0 الآلي وحده، بل جرى التحقق منه طيفيًا. فإذا كان الأساس المفترض، مثلًا، 150 هرتز، بحثنا عن سلسلة توافقية ذات مكونات تقارب 300 و450 و600 هرتز؛ وإذا كان في حدود 131 هرتز، بحثنا عن انتظام يقارب 262 و393 هرتز وما يليهما. وجود هذه المكونات على مسافات تساوي تقريبًا مضاعفات F0، وتحركها مع الدرجة صعودًا وهبوطًا، هو ما يسمح بالتمييز بين أساس حقيقي وبين خطأ أوكتافي أو مكوّن صادر من آلة مصاحبة. ولا يشترط أن يكون F0 نفسه أقوى مكوّن في الطيف؛ فالصوت الغنائي مركّب من أساس وتوافقيات (طيف رنيني)، ويعيد المجرى الصوتي توزيع طاقتها وفق الرنينات أو الـformants. وهذا من المبادئ الأساسية في التحليل الصوتي للغناء ونظرية source–filter.

وعند تحديد «أخفض قرار» لم نعتمد أدنى رقم يظهر في إطار منفرد، بل بحثنا عن استقرار زمني: بقاء F0 حول مركز واحد مدة يمكن إدراكها بوصفها نغمة، مع استمرار البنية التوافقية وعدم انهيار التصويت. ومن هنا جاء التفريق بين لمس الدرجة وبين الاستقرار عليها. وفي المواضع الطويلة استُعمل المركز أو الوسيط التقريبي للتردد داخل الجزء المستقر، لا القيمة الدنيا القصوى وحدها؛ فالوسيط أقل تأثرًا بالانزلاقات اللحظية وبالتذبذب الطبيعي في الصوت. ولهذا أمكن، مثلًا، وصف قرار أم كلثوم بأنه يدور حول 148–150 هرتز، وقرار فيروز في «صوب» بأنه يستقر في الجزء الأدنى حول 130–131 هرتز، بدل تحويل كل تغير صغير في المسار إلى درجة موسيقية مستقلة.

ثم حُوّلت الترددات إلى درجات بالرجوع، في مرحلة أولى، إلىA4 = 440 Hz بوصفه مرجعًا حسابيًا، لا افتراضًا بأن التسجيلات التاريخية دُوِّنت عليه فعلًا. وحُسب الفارق بالسنت وفق العلاقة: cents = 1200 × log₂(f / fᵣ)
حيث f هو التردد المقاس وfᵣ تردد الدرجة المرجعية. لذلك فإن قرب 130.7 هرتز من C3 = 130.81 هرتز يمكن وصفه مباشرة، أما ارتفاع قرار أم كلثوم عن D3 = 146.83 هرتز فلا يجوز تفسيره فورًا بأنه نشاز. ففي عيناتها قورن صوتها بالموسيقى المحيطة أيضًا، وبخاصة بدرجات مستقلة تكوّن معه علاقات مقامية قابلة للقياس؛ وقد ظهر أن الارتفاع موجود في دوزان التسجيل نفسه، فيما ظلت المسافات بين صوتها والمصاحبة قريبة جدًا من العلاقات المتوقعة. ومن ثم عومل A=440 بوصفه شبكة تحويل إلى أسماء الدرجات، بينما بقي المرجع الموسيقي المحلي للتسجيل هو الفيصل في الحكم على سلامة الـintonation.

أما في التسجيلات التي لا توفر آلةً مرافقة صالحة لمعايرة الدوزان، كما في مواضع من بروفة فيروز، فظل اسم الدرجة المرتبط بـA=440 وصفًا مرجعيًا لا أكثر، فيما بقي الرقم بالهرتز هو البيان الأكثر مباشرة. واستُخدمت النسخة المبطّأة من «صوب» لفصل الحركة الزمنية الدقيقة داخل المد وتحديد موضع القاع والاستقرار والارتداد الصاعد؛ ولأن التبطئة أُجريت بتقنية time-stretch تحافظ على الطبقة، لم يُفترض أن انخفاض السرعة يغيّر F0، مع بقاء التسجيل الأصلي المرجع الأساسي للمقارنة.

ولا يقف التحليل عند مقدار الانخفاض. فبعد تثبيت الدرجة طيفيًا دُرست وظيفتها الغنائية: طريقة الدخول إليها، وهل تأتي بوصول مباشر أم بانحدار من الأعلى؛ مقدار الثبات عليها؛ سلامة الـmodal phonation وعدم تحولها إلى الرنين أو التصويت النبضي أو إلى تصويت هوائي؛ ثم قدرة المغنية على الحركة من القاع وإليه، والقفز أو الزخرفة أو تغيير اللون داخله. وعلى هذا الأساس فُصل بين ثلاثة مفاهيم لا ينبغي الخلط بينها: المدى الأقصى، أي أخفض درجة يمكن توثيقها؛ والمجال المنخفض الرنّان، أي المنطقة التي يمكن الغناء داخلها؛ وجهوزية القرار low-register availability، أي سهولة استدعاء هذه المنطقة في سياق الأداء من غير إعداد استثنائي.

وأخيرًا، عومل ظرف الأداء بوصفه قرينة تفسيرية لا قياسًا صوتيًا مستقلًا. فالوقوف في حفلة، أو الجلوس والانحناء أثناء قراءة النوتة في بروفة، لا يسمحان من التسجيل وحده بقياس ضغط تحت المزمار أو حركة الحجاب الحاجز، ولذلك لا تُنسب إليهما أرقام فسيولوجية. لكنهما يفيدان في تفسير مقدار التأهب الذي كانت فيه المغنية عند استدعاء طرف مداها. ومن هنا لا يُقال إن وضعية فيروز «تثبت» وجود درجات أخفض منC3، وإنما إن بلوغها C3 بسهولة نسبية في ظرف غير معدّ لاختبار أقصى المدى يجعل التعامل معها بوصفها القاع الفيزيولوجي المطلق للصوت استنتاجًا غير مسوّغ من هذه العينة وحدها.
_______________________________

المصادر السمعية المعتمدة في التحليل:
أم كلثوم، «سهران لوحدي» — مقطع «كان عهد جميل»، حديقة الأزبكية، أيار 1955. النسخة السمعية المعتمدة في القياس: التسجيل على YouTube.
أم كلثوم، «مين اللي قال إن القمر يشبه لمحبوب الفؤاد» — مقطع «مالوش أثر». النسخة المعتمدة في القياس: التسجيل على YouTube. وتعرّف مصادر الفهرسة التسجيل نفسه بوصفه دور «مين اللي قال» لأم كلثوم، من سنة 1936.
أم كلثوم، «يا ظالمني» — ارتجال «هجرانك»، قاعة اليونسكو، بيروت، أيار 1955. النسخة المعتمدة في القياس: التسجيل على YouTube.
فيروز، بروفة «مصر عادت»، مصر، تمّوز 1989، مع المايسترو وليد غلمية؛ تصوير/نشر ريما الرحباني. المصدر المرئي والصوتي الذي أخذنا منه «صوب وجه الشمس» ومدود «جديد غدِ»: Reema Rahbany, “Egypt July 1989 by Reema Rahbany,” YouTube, uploaded 20 November 2022.
_____________________________

المراجع الأكاديمية

* Blomgren, Michael, Yang Chen, Manwa L. Ng, and Harvey R. Gilbert. “Acoustic, Aerodynamic, Physiologic, and Perceptual Properties of Modal and Vocal Fry Registers.” *The Journal of the Acoustical Society of America* 103, no. 5 (1998): 2649–2658. https://doi.org/10.1121/1.422785.

* Boersma, Paul. “Accurate Short-Term Analysis of the Fundamental Frequency and the Harmonics-to-Noise Ratio of a Sampled Sound.” *Proceedings of the Institute of Phonetic Sciences, University of Amsterdam* 17 (1993): 97–110.

* Hollien, Harry, and John F. Michel. “Vocal Fry as a Phonational Register.” *Journal of Speech and Hearing Research* 11, no. 3 (1968): 600–604. https://doi.org/10.1044/jshr.1103.600.

* Miller, Donald G., and Harm K. Schutte. “Feedback from Spectrum Analysis Applied to the Singing Voice.” *Journal of Voice* 4, no. 4 (1990): 329–334. https://doi.org/10.1016/S0892-1997(05)80050-5.

* Stevens, Kenneth N. *Acoustic Phonetics*. Cambridge, MA: MIT Press, 1998.

* Sundberg, Johan. “The Acoustics of the Singing Voice.” *Scientific American* 236, no. 3 (1977): 82–91. https://doi.org/10.1038/scientificamerican0377-82.

* Sundberg, Johan. *The Science of the Singing Voice*. DeKalb, IL: Northern Illinois University Press, 1987.

* Titze, Ingo R. “A Framework for the Study of Vocal Registers.” *Journal of Voice* 2, no. 3 (1988): 183–194. https://doi.org/10.1016/S0892-1997(88)80075-4.

* Titze, Ingo R. *Principles of Voice Production*. Iowa City, IA: National Center for Voice and Speech, 2000.



#فارس_خاشو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة موسيقية في «أحباب» لكاظم الساهر
- «أصالة»: بين دفء البيات وحدّة الجوابات
- «لا يفوتك»: قراءة في جديد أيمن الأعتر
- صوت سوريّة المفقود: قراءة في صوت ميّادة بسيليس
- تجربة محلم بركات ونجوى كرم: قراءة في الأداء، والتّعبير، والم ...
- حُمّى المساحة الصَّوتيّة: أصوات الفنّانين العرب على الميزان
- قراءة في ألبوم ”حالة طوارئ“ نجوى كرم
- قراءة في ضريبة البعد: ضريبة المتوقَّع من الأصوات العظيمة
- قراءة في ألبوم ”ابتدينا“


المزيد.....




- -عودة الأصالة-.. صورة الفنانة السورية أصالة تعود إلى قلب ساح ...
- نقابة الفنانين السوريين تفتح باب العودة لفضل شاكر.. ودعوة رس ...
- الممثلون يبدون أصغر سنًا على الشاشة.. هل يفسد ذلك تجربة الأف ...
- العائلة السعيدة: فيلم عن الفقر في سويسرا الغنية
- الكاميرا التي لم تسقط: هاني جوهرية في الذكرى الخمسين.. من تأ ...
- أهلاً بكم في -كي-كون-.. أحد أكبر مهرجانات موسيقى الـ-كي بوب- ...
- الأردن يودع الفنان فؤاد حجازي
- الصين ضيف شرف في معرض موسكو الدولي للكتاب
- -اشمعنى عمرو دياب وأحمد سعد؟-.. روبي تشارك ابنتها طيبة الغنا ...
- من -كولبنكيان- إلى -الشواكة-.. بغداد تسترد ألوانها وتتحدى سن ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فارس خاشو - سلسلة فيروز وأم كلثوم، ج 1. في القرار: لماذا تتفوّق فيروز على أم كلثوم؟