|
|
شارع الحريري ومليكته مارينا
ذياب مهدي محسن
الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 23:52
المحور:
الادب والفن
شارع الحريري؛ ومليكته مارينا حين يناديني سحر الصبا! 1970 / 1973 ذياب مهدي آل غلآم... استهلال: " آه يا مارينا؛ ظلك المغمور بالقداح والياسمين تعانقه اشجار الفل في الوزيرية. مواسم نفحاتها العاطفية أعيشها في شارع الحريري. كنت اترقبها؛ فيذوب من نارها وهج القصيدة ويشرب حنين روي بحورها ويغفو على قوافيها مثل خمرة معتقة " غريب هو الحب.. يعبر الأزمنة والمسافات ليعيدنا شهداء للجمال في أزقة أنشأتنا " أعگودنا"، وعشنا فيها أجمل طقوس التعايش والتآلف. هي تلك المدن والأحياء القديمة التي احتضنت صبانا ونسجت في أعماقنا أواصر ارتباط لا تفكها السنون؛ بأهلها الطيبين وتراثها العراق وتقاليدها المتسامحة التي تركت أثرها الوشم في مسيرة حياتنا. كنا في ذلك الزمن الجميل نعيش نسيجها فيسفسائياً أسطورياً.. حينما كان العراق هو العراق! بشماله؛ و وسطه؛ وجنوبه؛ ينبض بقامة واحدة ونشدو جميعاً بقلب ملؤه الصدق:{ هربجي كرد وعرب فد احزام } وتأخذنا الدنيا لاحقاً تسرقنا أشغالها ومتاعبها وغربتها وتبعدنا أجساداً عن أناس أحببناهم وأماكن ترعرعنا في حكاياتها؛ لكنهم يظلون محفورين في الأرواح. ومهما امتدت المسافات يظل الدافع واحداً يخترق الغياب: حنين جارف لشقاوة الطفولة وشغف الصبا وأحلام المراهقة وزمن النضوج شوارع تلك الاحياء وأزقتها ليس مجرد حارة وبناء بل هي روح تتدفق في " درابينها " وفن معماري يتعانق فيه الهوى مع تنظيم هندسي دقيق يحمل فوق أكتافه حكايا الجيران والأهل حين كان الجميع يعيشون كعائلة واحدة تحت سقف الوطن. وفي قلب هذا السحر كنا نحن طلبة الفنون الجميلة.. كان قسمنا الداخلي يقع في ( جديدة نجيب باشا ) المطل على شارع الحريري. وما أدراكم ما شارع الحريري!! قد يجبر الإنسان على الرحيل فيعيش ردحاً من الزمن في ارض غير ارضه ويحترم أهلها لطيبتهم فالخير لا وطن له. لكن الفؤاد يتلفت دوماً لنبع منبتته الأولى. وكما قال أبن الرومي متشوقاً لبغداد: بلد صحبت به الشبيبة والصبا ** ولبست ثوب العيش وهو جديد فإذا تمثل في الضمير رأيته ******* وعليه اغصان الشباب تميد طيف "مارينا".. وخطوة على طريق المحبة! مدخل؛؛ القبلة بعد فنجان القهوة قصيدة بدون ضفاف: { دعيني افتح ابواب لياليكِ الدافئة/ اطلق سراح قلبي كي يعبث بالضوء/ الامس أزرار قميصكِ/ تشعر ببرد اصابعكِ/ تعبر احلامي كمخيلتي/ وأرى ملامحكِ تعانق جدران قلب}..... لنبدأ مشوار الذكريات، ولنكمل المسيرة حين يناديني شارع الحريري، و( مارينا ) مليكتة الساطعة ومليكة قلبي وابتدأ المشوار. للتو حططت رحالي طالباً غريراً في الفنون الجملية الحقيبة تدلى بها كتفي وفي يدي محفظة الرسم الكبيرة (" الليفكس) المحملة بأوراق التخطيطات والأحلام. في ظهيرة بغدادة ساخنة شفافة ترجلت من باص الركاب مقابل ( اعدادية الحريري للبنات ) عند الركن الشرقي لشارع الحريري.. شارع تتشامخ فيه بيوتات الطبقة الأرستقراطية البغدادية بوقارها وتاريخها حيث يقع فيه قسمنا الداخلي وكان معهدنا موقعه قبالة البلاط الملكي في شاطئ الكسرة للفنون الجميلة. والقسم الداخلي لنا في شارع الحريري كما اشرنا اعلاه، ملتصقا بجدار كلية الإدارة والاقتصاد وقبالتها كلية القانون والسياسة وكلاهما يتبعان جامعة بغداد؛ وفي نهايته يقع المجمع العلمي العراقي. سائر في طريق غارقا باحلامي فجأة ظهرت هي؛ أبنوسة الشرق وشعلة الأعظمية الوضاءة تتألق بتنورتها الميني جوب وأناقتها العصرية فقد كان عراق السبعينيات مضرب المثل في الحداثة والتطور نحو تحقيق تقدمه وتطوره في كل مناحي الحياة ومنها الأزياء ومن ارقى ماركات الجمال في التفصيل والعرض ومن ابدع عناوين دورها الايطالية والفرنسية والانكليزية والجيكية والهنكارية والرومانية وغيرها. هي تمشي امامي كأنها تعزف نغماً على مقام الصبا، وأنا الشاب الذي فتح قلبه الصبا لعشق بغداد حبيبته. أسرعت خطواتي متتبعا إيقاع خطواتها وكأنها هجست بشغفي فالتفتت وأرسلت إبتسامة أذابت الظهيرة. لم يكن قد مضى على دوامنا في بغداد سوى شهر وبعض أيام لكن جرأة العشق المزروعة في وجداني والمشفوعة بحريات " بغداد المؤدبة" في تلك السنين! دفعتني أن ابتسم لها ايضا والقي عليها السلام. " الگلوب سواجي" في الاثناء مدت يدها لتصافحني وتلك اليد تتماها مع عازفة البيانو، اصابعها الرقيقة ونعومة كفها ودفئه! لا اعرف اي زلزال ساخن يجتاح روحي وكياني ومن فرحتي طرت مع الفرحة أتقد وجهي وتقدح أحمراراً خجلاً، والتهب جسدي وتسابقت دقات قلبي كأنها طبل في مهرجان. أحست هي بذهولي وأنفعالي، فأبتسمنا معاً. وكانت تلك اللمسة بداية لقصة حب أبدية من الصداقة والمحبة والزمالة؛ فهي طالبة في المرحلة الثانية بجمال كلية الادارة والاقتصاد؛ جامعة بغداد؛ ومشينا معاً في طريق الإعجاب والدفء والحب الذي كان لدعاء قلبينا يستجاب ويجاب. فكلما يناديني شارع الحريري وتهمس الدرابين القديمة بالذكريات أجدني أهتف من أعمق نقطة في روحي: { أنا جثوت بين يديك حباً يا مارينا } وكانت لقائاتنا غالبا في زاويه من مقهى عنوانها الركن الهادئ.. وعلى ايقاعات أنت عمري للسيدة؛ وعبق الياسمين ينبض الشارع ويرتبك الهواء العذب في ذاك الركن الذي أضحى لنا مجمع قرب جسر الصرافية العريقة حيث يهمس دجلة الساجي ويمنح سره للأزرق الداكن.. هنا.. في " الركن الهادئ " المنسوجِ من حلم نلم أطراف المساء الغض نطش الشوق في صمت ونستمع اعترافات الزهور البيض حين يفاح ريّا "الشبو" والياسمين أيا مليكةَ شارعِ الحريري يا بغداديةَ الملامحِ والندى والروح أكان الورد يزهر في نواحي " الوزيرية " أم أن خطاكِ كانت كلما مست رصيفاً يستحيل الشارع الزاهي قصيدة نمشي.. وتبدو " الأعظميةُ " حولنا ترنو تبارك عشقنا النامي وتسدل سترها العاطر على طالبين أطارهما الحب العفيف وحاطهما المدى الطاهر مارينا؛ سواد الليل حين يمس شعركِ تجلسين أمامي كمثرى تردين الظهيرة واللَظى رغداً وفوق الطاولةْ الكبرى تهمسين:" يرتاح ليفكسي! وتصمت كل أوراقي" ليبدأَ رسمكِ الأبدي في الوجدان! فيا ملكتي.... مارينا إذا ما نامت المدن وطويت حكايات السنين فإن ذلك الركن الهادئ الدامع لا يزال يذيع نفح الياسمين! ويحفظ النغما.. انا وهي؛؛ مارينا على شاطئ دجلة في كورنيش الأعظمية! حيث يتعانق خرير الماء مع خضرة البساتين وحدائق بغداد وكورنيشها على صوبين نهرها العظيم دجلة الخيرالساحر فتتوقف أزمنة الجمود وينتفض كل ما هو ساكن وجامد في هذا الوجود ليخضع لسحر ذلك اللقاء. هناك تحت ظلال جسر الصرافية الشاهق كان النهار يسحب أذياله الوردية برفق وكانت بغداد تعير الشاطئ دفئا استثنائيا. جلسنا معاً وعلى الطاولة الفتية بيننا كانت أحاسيسينا تسبق ألسنتنا؛ مارينا: أبنوسة العشق البغدادي مليكتي ذات الوجه الوضاء الذي يفيض نوراً ومحبة كانت تطالع دجلة بنظرات أصفى من قطرات الندى وتنساب أبتسامتها كشفق ندي يذيب كل جفاف في الروح.!! أنظر إليها فيتوه الفكر والريشة ويهرب الرسم من محفظة " الليفكس " ليتجسد أمامي حقيقة أسمي من كل الفنون تصافحت أيدينا كما شفتينا على استحياء فكانت تلك القبلة واللمسة كفيلة بأن تبعث الحياة في الارواح المنهكة وتسري كشرارة دافئة تحيل البرودة اشتعالاً والشوق وجداً. لم نكن بحاجة إلى كثير كلام؛ فعبق الشبو الفواح المتطاير مع نسائم الكورنيش وهمس المويجات الحانية وهي تلثم رمال الأعظمية كانا ينسجان حوارنا الشفيف. قالت بصوت كالهمس يتهادى بين أمواج الماء والخضرة: أترى هذا النهر يانورس الفنون ذيبو؟ إنه يحفظ كل أسرار العشاق لكنه الليلة يعزف لحننا نحن فقط فرددت بقلب يخفق كاجنحة طائر أضناه الحنين: بل هو ينساب ليغسل كل ألم مر بنا وليكتب على وجه المياه أنكِ أنتِ.. وأنتِ وحدكِ مليكة هذا الشاطئ وسيدة شارع الحريري ورمز الصبا الذي لا يذبل كانت انفاسنا تحاكي رقة الياسمين ونظراتنا تشتبك في عناق عذري شفاف يحيي ما مات في أعماق الذات ويعيد رسم ملامح العراق الجميل في أبهى صوره: حب خالص وجمال نقي وروح بغدادية أصيلة تتنشق العشق وترده للحياة نظيراً وورداً كان المساء يفرش عباءته الكحلية على أزقة بغداد الوادعه وحبات الجلنار المتساقطة تحني الرصيف أمام دارها كأنها تحتفي بمرور مليكة شارع الحريري توقفنا عند الباب العتيق.. كانت مصابيح المدخل غير مضاءة والظلمة الشفيفة تلف المكان فلم يكن يضيء تلك اللحظة إلا نور وجهها الوضاء ورائحة اريج الشبو" الفل" المخمورة بعبير حضورها. وقفت أستعد لكلمات الوداع المعتادة قلبي يخفق بعنف ويدي تشد على محفظة الرسومات لكن سحر تلك اللحظة كان أسرع من كل تفكير. فجأة؛؛ وفي غفلة من الزمن والكون انكسر كل جدار للتردد وتساقط كل جاف وساكن. أحتظنتني بين يديها الرقيقتين بدفءٍ هائل أذاب كل وقار السنين وقربت وجهها كأنها تسحب الروح من أعمق نقطة في كياني. وفي تلك الظلمة العاطرة أنهمر العشق كاملاً؛؛ التقت الشفاه كجسد واحد تنبض فيه دقات قلبين ذابا في وجد بغدادي أسطوري. زلزال من المشاعر الشفافة هز كياني فلم أعد أعرف أين ينتهي جسدي وأين تبدأ روحها. سكن كل شيء في الوجود وتوقف دجلة عن الدوران ولم يتبق في العالم سوى أنفاسنا المتداخلة وطعم المحبة الخالصة. سحبت شفتيها برفق آسر وابتسامة دافئة تتألق في عينيها تحت ظلال الشجرة ثم همست في أذني بصوت ينساب كالموسيقى: " تمتع بأحلام سعيدة، سنلتقي غداً يا حبيبي ذيبو" نطقت اسمي بذاك الدلع البغدادي الشفيف وتتبغدد عليّ،وأنا؛ أبن الفرات الاوسط ترباة النجف. فكانت كلماتها كأنه وشم من نور على قلبي. توارت خلف الباب وبقيت أنا واقفا تحت شجرة الرارنج أستنشق عبقها المخلوط بأحمر شفتيها وأمشي نحو القسم الداخلي محمولاً على أجنحة العشق البغدادي المعظماوي الجميل الذي لا يموت.. تحياتي واشواقي بشذى قرنفلاتي مقتبس من القرنفل الشقي الجزء2 مخطوط من 1700 صفحة ************* تم
#ذياب_مهدي_محسن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هنا يرقد بوفائه المرحوم موحان شمخي الجرو
-
وضحه بنت كافي بن غضيب
-
حسين وفليحه الحياويه
-
جماليات التشكيل البنائي في قصيدة الشاعر أحمد فشلان الوائلي {
...
-
العاشق الذي اصابه الهومسك
-
للعزيز الأديب حكمة اقبال توضيح واعتذار
-
القرنفل الشقي.. اوراق من سيرة الايام
-
إن الذين يضرمون النار في بيوت الشعب ، خونة من الرأس حتى الكع
...
-
ماطور اضعيف؛ وعلاهن فلاحة عاشقة...
-
نسور ولقائنا الغريب ...!؟
-
من رذاذ الذاكرة ...
-
ذياب جندي في معسكر التاجي 1976
-
صافيناز- صافي- طالبة في محو الأمية...
-
نسور واخذ الحيف؛ وذياب الجسور..!؟
-
رب ضارة، نافعة... ولقائي مع ست كاردينيا..!؟
-
الحلة ... الوردية ... وعباس غلآم رجل سماوي
-
كنت على وهم؛ ولكن هذا ما حدث...!
-
طويرة الجنة ولقاء قبل الدوام ...
-
صوفيا - صوفي - والجندي الاحتياط ذياب
-
قمر ... ودخول السنة في النجف ...
المزيد.....
-
صديقته فقدت الاتصال به قبل يومين.. العثور على الفنان التركي
...
-
سوريا.. سامر كحلاوي يهاجم روزينا لاذقاني ويشعل الجدل حول مجل
...
-
التعليم العالي: الجامعات تواصل تقديم خدماتها لطلاب الشهادات
...
-
أفلام الرعب حين يصبح الخوف متعة
-
تردد قناة ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي National Geographic 2026
...
-
الزراعة” تنظم برنامجاً مكثفاً بسوهاج لنشر ثقافة “الزراعة الت
...
-
التعليم العالي تنشر أماكن مراكز الحاسب الآلي بالجامعات الحكو
...
-
غاليريتا.. كيف تعاملت السينما الأمريكية مع أحداث 11 سبتمبر؟
...
-
إيرادات شباك التذاكر في دور العرض السينمائية المصرية.. صراع
...
-
تفاصيل فعاليات الدورة الجديدة من مهرجان القاهرة السينمائي ال
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|