أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرات المحسن - يوميات من مدونات الوجع















المزيد.....

يوميات من مدونات الوجع


فرات المحسن
كاتب وصحفي وروائي

(Furat Almohsen)


الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 12:05
المحور: الادب والفن
    


كان يوماً قائظاً. انتابه إحساس بضيق الصدر وشيء من كدر. لهاثه كان مسموعاً. راح يغذ السير نحو أقرب منطقة يستطيع الحصول فيها على وسيلة نقل توصله إلى البيت، حين حوصر بمجموعة رجال عند الطرف الجنوبي لشارع حيفا القريب من الزقاق الذاهب نحو جسر الشهداء وسط بغداد. رفعوا جسده الناحل بخفة وسرعة فائقتين، ودفعوا به نحو حوض سيارة مظللة رباعية الدفع. كانوا غلاظاً فظين. منذ اللحظة الأولى وجهوا له سيلاً هادراً من الشتائم. كان قد عرف دوافعها مسبقاً، لذا لم ينبس بكلمة للرد.
تخيل هذا الذي حدث قبل قدومهم المباغت، فليس من المناسب أن يستسلم لهم طواعية، لذا وضع في تفكيره سيناريو المواجهة المحتملة، واستحكامات يجب عليه اتخاذها. من الممكن أن يكون هناك اشتباك وصراع بالأيدي، عندها سيدافع عن نفسه، ولن ينقاد لهم بسهولة، تلك كانت نواياه وهو يجهز نفسه لمغامرة ترك ساحة الاعتصام في ساحة التحرير.
كان اختطافه متوقعاً، لذا كان يتوجس خيفة أن يؤخذ غدراً، دون حدوث مواجهة حقيقية مع الخاطفين. فقد وجهت له العديد من رسائل التهديد التي أتخم بها هاتفه، ولكن دائماً ما استخف بمحتواها، واعتقد أنها لا تعدو كونها لعبة صبيان ليس إلا. ولذا لم تراوده رغبة مسحها ورميها بعيداً رغم مشاعر الضيق والحنق التي تنتابه في كل مرة تعلن رنة هاتفه ورودها، لحين ساعة اختطاف وقتل زميله المعلم محمد خيون خريبط العرادي، الذي وُجد قبل يومين مرمياً في منطقة مهجورة خارج العاصمة، بجسد ممزق. عند تلك الحادثة اضطر لمعاودة قراءتها بحثاً عما تخفيه وتضمره من تهديد حقيقي لحياته.
قبل خروجه من الخيمة الشاخصة وسط ساحة التحرير، وكان ذلك قراره الذي اتخذه مساء البارحة، في ساعة ضجر وبعجالة ودون تروٍ، فقد أخذت صور زوجته وأبنائه وحفيديه تراوده بإلحاح، وتضعف إرادته على المطاولة. ستة أيام من الابتعاد عن الأهل والأحفاد بدت جد طويلة ومؤذية، ويحتاج أيضاً لحمام دافئ وملابس نظيفة.
نبهه بعض الأصدقاء لضرورة أخذ الحيطة والحذر إن رغب في الابتعاد عن الساحة، فتلك مسألة تحتاج للكثير من الفطنة والحصافة والحذر الشديد، وبالذات هذه الأيام. فحوادث اختطاف المنتفضين باتت شبه يومية وعلنية أيضاً، وما عادت بذات أهمية تذكر عند السلطات، وشاطرها هذا التغافل اللئيم الكثير من وسائل الإعلام، فهناك من يتعقب المنتفضين منذ لحظة مغادرتهم مكان الاعتصام ويصطادهم مثل طرائد. تكرر ذلك في الأيام الأخيرة بشكل مفزع. فوقائع عمليات القنص ومثلها الاختطاف شارك فيها العديد من الأطراف ذوي الملامح الغائمة، لذا أشار عليه شركاؤه في الخيمة بضرورة اتخاذ الأزقة المتداخلة والبعيدة ممرات للابتعاد عن الساحة.
توقف وقد اعتراه بعض القلق، سار مسافة ليست بالقصيرة، وكان يتلفت بحذر شديد، ثم هرول. توغل في أزقة ملتوية أضاع فيها وقتاً طويلاً، فلم يسبق له أن درج في تلافيفها، وما كان يملك اليقين والدراية بمداخلها ومخارجها. بعدها اجتاز جسراً تمهل وهو يسير فوقه، متأملاً ضجة طيور النورس وهي تقترب من سياجه الحديدي الأخضر، لتلتقط نثار خبز عافه أحدهم.
هبط من الجسر وأخذ يجاور جدران الدكاكين المرصوفة على طول الشارع، ثم اختار التوغل في الأزقة الضيقة، محاولاً الوصول إلى الشارع المفضي لقلب منطقة «علاوي الحلة». لم يتبقَ غير الشيء اليسير ليكون الطريق بعدها سالكاً نحو وسط المنطقة، حيث المرآب الكبير للسيارات. فجأة توقفت بجواره سيارة رباعية الدفع مظللة، وبسرعة فائقة ترجل منها خمسة رجال بملابس مدنية ولحى مشذبة وابتسامات متشفية. بمرافقة سيل كلمات بذيئة، أحاطوه. تسمر مكانه، فلم تمنحه المباغتة فرصة التفكير بالهروب، واختفى لحظتها عن ذهنه رهان ذلك السيناريو الذي سهد وهو يجسده في مسرحية ضج بها رأسه في ليالٍ اشتد سوادها وهو يطالع سقف الخيمة الحاجب لضوء القمر.
كان المكان ضيقاً لا يسمح بحرية الحركة والإفلات، لذا سهل عليهم مهمة محاصرته واعتقاله. كانوا وكأنهم قد دُرّبوا على إتقان مهامهم، مثلما هم رجال الصاعقة في الجيوش النظامية. دون عسر ومقاومة، قيدوا يديه إلى الخلف بأنشوطة بلاستيكية، كانت تضغط على ساعديه، فشعر وكأنها حد سكين، ثم غطوا رأسه بكيس قماش كالح اللون، رفعوه بخفة، وألقوا جسده وسط الحوض الخلفي لسيارتهم. لم تستغرق عملية اختطافه غير دقائق معدودات، فقد كانوا مهيئين لها بشكل جيد وبإتقان احترافي.
توقفت السيارة بعد مسير ما يقارب الساعة، سمع بعدها صوت صرير ثقيل لباب حديدي يفتح.
كانوا بعجالة من أمرهم، لذا سحبوه من حوض السيارة الخلفي ورموه أرضاً فسقط مثل كيس رمل ثقيل. انكفأ على وجهه فوق أرض ترابية، ليجلس أحدهم بجسده الثقيل فوق ظهره، ومع رائحة العطن المنبعثة من غطاء الرأس شعر بالاختناق وضيق وألم شديد في الصدر. تقدم أحدهم وسحبه من ساعده ليساعده على النهوض. اقترب أحدهم منه وضغط بأصابع يابسة كأنها أقلام حديد عند الحفرة الرخوة بين الكتف والرقبة، يبدو بحركته هذه وكأنه يتقن طرق التعذيب. أحس بفحيح يلامس رقبته، ثم صوت يهمس بخبث:
- من الذي دفعك لمثل هذا الموقف المعارض للحكومة؟ إلى أي جهة حزبية تنتمي؟ أخبرنا وإلا سوف يحدث ما لا تتوقعه، ولن يكون في صالحك وصالح عائلتك.
شعر وكأنه سبق له أن سمع هذا الصوت، سمعه يتحدث في أحد أركان ساحة التحرير، في خيمتهم أو بالقرب منها، كان صوتاً خشناً أجشَّ جافاً. جال بتفكيره داخل الخيمة وجوارها، ولكنه لم يستطع بكامل اليقين استحضار وجه صاحب الصوت.
عاد الصوت وكرر أسئلته:
ــ ما الذي جعلك تذهب وأنت في هذا العمر وتحرض الشباب على التظاهر والانتفاض ضد الحكومة؟ أنتم مجموعة «الجوكرية»، سيكون حسابكم عسيراً.
في تلك اللحظة، ودَّ أن يرى وجه هذا الرجل الخبيث، ليتيقن جيداً من ملامحه التي وجدها قفزت فجأة أمام عينيه بكامل قبحها، كان يجلس معهم في الخيمة ذاتها، نعم، يجالسهم هناك. فكر بضرورة الامتناع عن الإفصاح عن معرفته لهذا الشخص، فذلك حتماً سيكون دافعاً لقتله. طلب منهم رفع الغطاء عن رأسه، فرد أحدهم عليه بضربة كف قوية ترنح إثرها ووقع على الأرض، فبدأت ركلاتهم تتوالى بقوة وسرعة. استخدم أحدهم حزاماً جلدياً راح يجلده به، أخذ يتلوى وجعاً وبذل جهداً فائقاً لأجل كتم أنينه. كان يحاول تحاشي الضرب، ولكن مع غطاء الرأس ما كان ليستطيع معرفة من أين تهوي عليه الركلات. استمروا لفترة ليست بالقصيرة شعر وكأنها دهر، ثم أغمي عليه.
استفاق إثر رشاش ماء سُكب على رأسه، ثم سمع الصوت الأجش يأمرهم بالتوقف:
ــ دعوه الآن، فيكفي ابن العاهرة هذا ما تلقاه هذه المرة من أحذية وضرب، لعله يرعوي.
ــ فعل جبناء، تنفردون بنا واحداً تلو الآخر.
ــ أخرس وإلا فجرت رأسك.
ــ افعلها، ماذا تنتظر؟
ــ أرسلوه إلى مركز الشرطة في منطقته ليقبع هناك، وأخبروا الضابط «أبا أنس» بأن هذا الملعون يمارس الدعارة والقمار، ويحتاج لعقوبة قاسية بما يستحق.
ــ أبو رقيه، هذا عنيد ولسانه سليط، ولم ينل اليوم ما يستحقه من تأديب.
ــ أعرف هذا، لعله يتأدب بعد هذا الدرس، خذوه.
رفعوه بخفة ورموه ليتكور جسده في حوض السيارة التي انطلقت نحو مركز الشرطة مخترقة الشوارع دون توقف.



#فرات_المحسن (هاشتاغ)       Furat_Almohsen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النزهة الأخيرة
- خيار الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد السوق المفتوح.
- ليلة الاتحاد السوفيتي الأخيرة
- صورة
- وطن فوق الجميع
- الخدعة سلاح فعال عند المُلمات
- بعضًا من تاريخ الشيوعية العراقية
- ترنيمة جبار كرمش الأخيرة
- العراق إلى أين ؟؟
- وحدة ــ روح قصتان قصيرتان
- رعب يوم دراسي
- لوحة/ بيت من بيوت الله
- ذاكرة لا تجف/ رمضان الأسود
- ما أورثتني إياه الحرب
- تكرار ارتداء ذات الفستان هل يعني الحب ؟!
- الخاتم
- ساعة هروبنا من الجنة / اغواء
- معايير الديمقراطية والحلول المبتورة
- نبذ العنف وترميم السلم المجتمعي
- قصتان قصيرتان


المزيد.....




- أزمة نيشان وياسمين عز تعود إلى الواجهة.. حكم جديد في دبي وآخ ...
- تأجيل مهرجان البحر الأحمر مع استمرار برامجه السينمائية
- وزير الثقافة اليمني: فرص التسوية تتلاشى وصنعاء هي هدفنا الاس ...
- توقيف المدون نيكوغلاي في مولدوفا بشبهة الاتجار بالمخدرات
- السعودية.. تأجيل الدورة الـ 6 من مهرجان البحر الأحمر السينما ...
- إعادة المسروقات... العالم بأسره يترقب مصير كنوز القرم
- كيف تعمل مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون على رعاية المواهب الإ ...
- إد شيران يعتذر لجمهوره بعد تصاعد الجدل حول جولته بسبب القضية ...
- من روريك إلى ألفية روسيا-.. كيف صاغت نوفغورود ذاكرة نشأة الد ...
- في ذكرى معركة كوليكوفو.. كيف مهّد انتصار دميتري دونسكوي لصعو ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرات المحسن - يوميات من مدونات الوجع