بشير زعبيه
الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 22:22
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في مثل هذا اليوم، قبل 48 سنة، ثبت اختفاء الإمام الشيعي، موسى الصدر، بعد أربعة أيام من وجوده في العاصمة الليبية طرابلس، بدعوة رسمية إلى زيارة ليبيا، ومقابلة العقيد معمر القذافي، وفق شهادات عديدة بالخصوص. ومنذ ذلك التاريخ صار اختفاء الإمام مؤسس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وحركة أفواج المقاومة الإسلامية (أمل)، لغزاً حقيقياً، أمام نفي السلطات الليبية أن يكون الصدر اختفى على أرضها، وتأكيد مغادرته إلى روما، صحبة مرافقيه الشيخ محمد يعقوب، والصحفي السيد عباس بدرالدين، مقابل إصرار السلطات اللبنانية وعائلة الإمام على أن الأخير لم يغادر ليبيا، وتحميل العقيد القذافي مسؤولية اختفائه.
كان الإمام االصدر قبيل الواقعة يقوم بجولة عربية بغرض الدعوة إلى عقد قمة مصغرة لبحث الوضع في الجنوب لبنان إثر اجتيااحه من قبل قوااات الاحتلال الإسراائيلي، وشملت الجولة كلاً من سورية، والأردن، والسعودية، وهناك نصححه الرئيس الراحل هواري أبومدين بزيارة ليبيا يضا لدورها المؤثر في لبنان أنذاك، وجرت الزيارة بناء على دعوة من مؤتمر الشعب االعام، استنادا إلى أرشيف المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.
وفي التفاصيل تشير الرواية الرسمية الليبية إلى أن الإمام موسى الصدر، غادر مطار طرابلس يوم 31 /8/ 1978م إلى روما على متن طائرة الخطوط الجوية الإيطالية (الرحلة رقم 881)، وأضيف إلى ذلك أن الصدر الذي انتظر خمسة أيام في انتظار لقائه القذافي، غادر وهو غير راضٍ، دون أن يبلغ السلطات الليبية بذلك، غير أن شهود عيان في فندق (الشاطئ) الذي أقام فيه الإمام ضيفا، أفادوا بأن الإمام الصدر ورفيقيه، شوهدوا وهم يغادرون الفندق ليستقلوا سيارة رسمية كانت بانتظارهم أمام الفندق، لتقلهم إلى مقابلة العقيد القذافي، إلا أن ثلاثتهم، لم يعودوا إلى الفندق، ومن الصدف أن فندق «الشاطئ» كان يقيم فيه وفد إعلامي من لبنان، جاء لتغطية الاحتفالات بذكرى «الفاتح من سبتمبر»، وضم الوفد شخصيات معروفة، مثل، طلال سلمان، بشارة مرهج، وأسعد المقدم، بلال الحسن ومنح الصلح، ومحمد قباني..
تفاصيل كثيرة، جرى تناقلها وتداولها بشأن هذه القضية، لكنها لم تضف جديدا على امتداد العقود الأربعة الماضية، وبدا الحوار بين الجانبين الليبي واللبناني حولها، وكأنه حوار طرشان، الأول يؤكد مسؤولية ليبيا عن اختفاء الإمام على أرضها، ولم يغادرها، والثاني يتمسك بأن لا دلائل قاطعة على صحة هذا الاتهام، رغم أن بصيصا من الأمل ظهر بعد العام 2011، أي بعد سقوط النظام في ليبيا، استنادا إلى أن السلطات الليبية الجديدة ستتعاون أكثر بالخصوص، لعدم وجود مصلحة لها في الإصرار على رواية النظام السابق، لكن هذا الأمل توقف عند رغبة الجانبين في فتح ملف القضية، وهو ما جرى بالفعل، عبر تحقيقات من قبل الجانب الليبي طالت مسؤولين أمنيين كبارا، بينهم عبد الله السنوسي أكثر هذه الشخصيات قربا من العقيد القذافي، سبقته مبادرة لبنانية من جانب واحد، حقق فيها ممثلون عن القضاء اللبناني مع السنوسي في موريتانيا قبل تسليمه إلى ليبيا بناء على تنسيق مع السلطات الموريتانية، وهو ما كان مثار عدم رضا من قبل السلطات الليبية، إلى ذلك سجلت لقاءات وزيارات بين مسؤولين أمنيين ليبيين ولبنانيين، تخللتها محاولة ميدانية لمعرفة مصير الإمام، وزيارات ولقاءات متبادلة، توقفت عند نقطة الفشل في وجود أثر للغائبين الثلاثة.
اليوم وبعد مرور 48 سنة أي قرابة نصف القرن يظل السؤال مطروحا: لماذا ظلت هذه القضية تراوح حيث هي بين شقيها الجنائي والسياسي، ولم يسجل أي اختراق حقيقي يفتح باب الحل؟.. وثمة وجه آخر للسؤال، وهو:
ما الذي يجعل القضية أسيرة هذا الجمود، أي ما الذي يمنع استمرار التعاون بشأن التحقيق في قضية اختفاء الإمام الصدر، بين الجهات الأمنية والقضائية في البلدين؟ بل أبعد من ذلك لماذا لا يوجه النائب العام في ليبيا الدعوة إلى نظيره اللبناني، أو العكس، ويتولى الاثنان رئاسة لجنة تحقيق مشتركة من أجل الكشف عن الحقيقة، والوصول إلى توافقات، أو تسويات تنتجها مخرجات هذه اللجنة، وقفل هذا الملف، قضائيا، ثم سياسيا؟.. أنا شخصياً وربما كثيرون غيري من متابعي قضية الإمام الصدر نُحمِّل رئيس مجلس النواب اللبناني شخصياً المسؤولية الأولى عن هذه الحالة، لتبنيه موقفا تصعيديا لم يترك فيه للطرف الآخر منفذا نحو الحلحلة يمكن أن يبنى عليه، وهو موقف يتجلى أكثر في خطبته السنوية لمناسبة ذكرى اختفاء الإمام، ولم يخرج فيه عن تعزيز اتهام الدولة الليبية مختزلة في شخص العقيد معمر القذافي، ولم يستثن من ذلك السلطات الليبية الحالية التي يتهمها بالتواطؤ، وهو يدرك أن هذه السلطات غير مسؤولة واقعيا عن واقعة الاختفاء.
وقد علمتُ من جهات قضائية ليبية، أنه سبق أن جرى التعاون مع الطرف اللبناني، وأطلع الجانب الليبي نظيره اللبناني على محاضر التحقيقات مع قياديين أمنيين من النظام السابق، كما جرت زيارات عمل متبادلة بين الجانبين، استنادا إلى وثيقة التفاهم التي جرى التوقيع عليها في وقت سابق بين حكومتي البلدين بشأن تعاون الدولتين بالخصوص، لكن لأسباب ما توقف هذا التعاون، لكن خطاب التصعيد استمر من الجانب اللبناني، وهو خطاب لا يساعد دون شك على حل لغز هذه الواقعة، وقفل ملفها بالصيغة التي يتوصل إليها الطرفان، فلا مصلحة لليبيا في استمرار هذه العلاقة غير الطبيعية مع لبنان الشقيق، كما لا مصلحة للبنان الذي يعاني الآن والمحاصر بحدود ملغومة في بقاء هذا الملف الملغوم مفتوحا مع دولة شقيقة له مثل ليبيا، فلا سوابق عدائية في مسار العلاقات الضارب في عمق التاريخ بين البلدين، منذ أن قدم الفينيقيون من مدينتي صور وصيدا بالجنوب اللبناني ليؤسسوا على ساحل الشمال الليبي ما عرف بالمدن الثلاث (تريبولس) وهي أويا (طرابلس)، ولبدة، وصبراتة، وترسخت هذه العلاقات على مدى السنين متسمة بالود والتعاون على المستويين السياسي، والاقتصادي، حتى تاريخ واقعة اختفاء الإمام الصدر، بل إن دماء ليبية سالت في لبنان عندما استشهد عدد من المتطوعين الليبيين للدفاع عن لبنان في مواجهة جيش الاحتلال الإسرائيلي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.... أرى وغيري من أبناء الشعبين الليبي، واللبناني أنه من غير الطبيعي استمرار هذا الوضع الشاذ في العلاقات بين البلدين، وأدعو إلى حصر التعامل مع هذا الملف في سياقه القضائي، وعدم توظيفه كورقة في معارك السياسة وتسجيل المواقف، إن على مستوى الداخل اللبناني، أو على مستوى الخارج، لأن هذا التوظيف سيجعل الطرف المستفيد يصر على عرقلة مسار حلحلة القضية، وإبقاء الوضع على ما هو عليه لأسبابه، وأجندته الخاصة.
إن معطيين مهمين لا بد من التوقف عندهما، والرهان عليهما في السياق، الأول هو أن الدولة الليبية الآن ليست هي وقت حدوث واقعة اختفاء الإمام موسى الصدر، والنظام ليس هو النظام، حتى الأشخاص (المذكورون بالاسم ضمن لائحة الاتهام) لم يعد لهم وجود في الدولة، وفي المقابل نرى لبنان قد دخل مرحلة جديدة في مسار تاريخه السياسي بإنجاز استحقاق انتخاب رئيس جديد للبلاد، وتشكيل حكومة وطنية مجمع عليها، أي أن لبنان الآن يعيد ترتيب بيته الداخلي من جديد، ولا بد من أن يكون ذلك مرتبطا بإعادة ترتيب علاقات لبنان مع محيطه الخارجي ما يعني تصفية خلافاته الموروثة مع الآخرين، وفي اعتقادي أن هذين المعطيين ينبغي التقاطهما والبناء عليهما في فتح صفحة جديدة للتعامل مع قضية الإمام الصدر من منطلق إيجابي عنوانه «حسن النوايا» والرغبة المشتركة في الوصول إلى الحقيقة، بعد قرابة نصف القرن من الخطاب التصعيدي المحكوم بسوء النية، والأسر السياسي للقضية، ولعل أولى ثمرات هذا التحول هي تسليم السلطات الليبية ملف التحقيقات الليبية في قضية اختفاء الإمام موسى الصدر، وفق ما أعلنه مبعوث رئيس «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة» الوزير وليد اللافي، خلال استقباله من قبل الرئيس اللبناني، جوزيف عون، وإذا أضفنا إليه قرار إطلاق نجل القذافي، هانيبال الذي كان محتجزا لعشر سنوات على خلفية هذه القضية كما زُعم، فهذان مؤشران لهما مدلولهما في سياق تولي الدولة اللبنانية أعلى مستوى ملف القضية بدل بقائها رهينة احتكار جهة أو مسؤول بعينه لسبب طائفي أو سياسي، ففي النهاية الإمام موسى الصدر هو مواطن لبناني والتعامل مع قضيته مسؤولية الدولة اللبنانية.
إن استمرار التعامل مع هذه القضية المعقدة بفعل العاملين الطائفي والسياسي على النحو الذي كانت عليه منذ أولى فصولها، لن يخدم مساعي البحث عن الحقيقة، والوصول إلى تسوية ترضي الأطراف المعنية كافة كخطوة لقفل هذا الملف بشكل نهائي، وتدشين فصل جديد في المسار الطبيعي للعلاقات بين ليبيا ولبنان الدولتين والشعبين، خصوصاً في هذا الظرف الاستثنائي قريب التشابه الذي يعيشه البلدان.
#بشير_زعبيه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟