أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشير الحامدي - نقاش مع حمّة الهمامي و-كان تحبوا أقروه رد على حمّة-















المزيد.....



نقاش مع حمّة الهمامي و-كان تحبوا أقروه رد على حمّة-


بشير الحامدي

الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 15:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لابد من أن أقول في البداية أن ذائقة القارئ اليوم لم تعد تتحمّل النصوص الطويلة
لكن لابد من التذكير أن النقاش يتطلب نصوصا طويلة ويمكن للقارء أن يقسم النص لمحاور ومن هناك تسهل عليه القراءة والفهم
حول الجبهة الشعبية
أولا: الكل يعرف أن الجبهة الشعبية لم تكن وفية للمبدأ الذي تأسست من أجله وخصوصا حين نتحدث عن كتلتها الانتخابية في البرلمان التي كان يهمها أول ما يهمها البقاء فيه للحصول على الرواتب وقد سنحت الفرصة مرار لممثليها الخروج من البرلمان البرجوازي والتوجه للشعب وخلق أزمة للخوانجية واللبراليين عموما إلا أن ذلك لم يحصل فتحولت هذه الكتلة التي تقول عن نفسها أنها ثورية وكما يرى ذلك حمة الهمامي فالجبهة لم تحقق حتى المبدأ اللينيني الذي لا يرى في المشاركة في البرلمانات البرجوازية إلا من أجل التحريض على أن هذه المؤسسة لا يحتاجها الشعب ولا تحتاجها الثورة بل يحتاجها الملتفون عن الثورة أي القوى الرجعية.
وبالتالي لابد من حلها أو إلغائها ولنا في ما قام به لينين ذاته مع المجلس التأسيسي الذي وقع إلغاؤه والتوجه مباشرة للشعب في المعامل و في الشوارع. راجع مقالنا حول "الدساتير والانتخابات أدوات الهيمنة الناعمة على الأغلبية التي لا تملك"
https://www.ahewar.net/debat/show.art.asp?aid=648274

ثانيا والسؤال هنا لحمّة الهمامي كيف يمكن لك الحديث عن الانتخابات في وضع ثوري. هل نحتاج انتخابات ودستور في وضع ثوري ومن يحتاجهما. ألا ترى معي أن المرور من الوضع الثوري إلى الانتخابات هو عملية تراجع لصالح قوى الثورة المضادة أم ماذا؟ كان حزب العمال من أول من نادي بذلك لابل لقد قام بتحالفات مشبوهة مع البرجوازية سواء في الانتخابات التشريعية أو الرئاسية.
وباختصار شديد يظل حمة الهمامي وفيا لفكرة الثورة على مراحل وبرنامجي الحدّ الأدنى والأقصى وللثورة الديموقراطية التي ستطلق الحريات وفي إطارها ستنشأ طبقة البرجوازية الوطنية التي ستطور علاقات الإنتاج فنمر وقتها للثورة الاشتراكية بعد أن تكون قد تكونت طبقة بروليتارية يمكن لها أن تأسس النظام الاشتراكي ...

اليسار التونسي وطبيعة المشروع الذي تأسس من أجله

يسار ما قبل 17 ديسمبر2010: هو عبارة عن مجموعات سكرتارية متنازعة بلا أي مشروع للتغيير الجذري.
لن نعود إلى تتبع نشأة "اليسار" في تونس بالتفصيل فكتب التاريخ تغنينا عن ذلك ولن نضيف شيئا ذي بال في هذا المستوى التَأِريخي لما هو منشور ومعروف وطبيعة المقال الذي نكتب لا تتحمّل ذلك أيضا بل سنقتصر على محاولة تحديد طبيعة المشروع الذي تأسس من أجله هذا "اليسار" وكيف تطور هذا المشروع وتطورت المجموعات التي تتبناه حتى انتهت إلى ما هي عليه الآن.
مثّل ما يسمى بالاستقلال سنة 1956 وما رافقه من تأسيس لأجهزة دولة استعمار الداخل الوكيلة التابعة وبداية ترسخ مسار الحزب الواحد والحسم قمعيا في ملف اليوسفيين وحظر الحزب الشيوعي التونسي ومنعه من النشاط السياسي ما صار يعرف فيما بعد بدولة الحزب الواحد التي مكنت بورقيبة رئيسها من أن يحصر كل الشأن السياسي والاجتماعي والاقتصادي بيديه وبأيدي فئة صغيرة العدد من المتنفذين المقربين منه في هذا الحزب والذين لم تكن لهم مساهمة فعلية في إقرار السياسات بل لقد اقتصر دورهم وغالبا على تزكية مواقف وسياسة الزعيم الأوحد الحكيم وتنفيذها وإلزام ما كان يعرف بمنظمات الحزب بها على شاكلة الاتحاد العام التونسي للشغل و اتحاد الصناعة والتجارة و اتحاد الفلاحين واتحاد المرأة.
كانت السنوات العشر الأولى من الحكم البورقيبي سنوات التأسيس لجهاز الدولة الذي سيرث النفوذ والسلطة عن الأجهزة الاستعمارية المباشرة لدولة فرنسا في إطار استراتيجية الوكالة الاستعمارية التي بدأت تخطط لها فرنسا وتنفذها منذ خمسينات القرن العشرين والتي فرضتها طبيعة استراتيجيات الاستعمار المباشر التي كان لابد لها أن تمر لطور جديد من الهيمنة لا يتطلب كل ذلك الإنفاق وكل ذلك الحضور المباشر المكلف الذي فرضه الطور الأول.
لقد تزامنت فترة نشوء "اليسار" مع بداية طور ترسخ مؤسسات الدولة البورقيبية بوصفها راعية المصالح الفرنسية بالدرجة الأولى والوكيلة لرأس المال العالمي عموما وفي إطار تشكيلة اجتماعية اقتصادية تهيمن فيها العلاقات الرأسمالية المتخلفة بشكل واضح إلا أن المعطى المهم والذي يقع تغافله دائما حين البحث في هذه الموضوع هو أن هذه التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية لم يكن بوسعها التطور لتشكيلة بمقدورها تنمية علاقات الإنتاج وبالتالي التطور تطورا مستقلا ينتج نموا للقوى المنتجة وتمركزا للملكية ورأس المال ويفرز طبقة برجوازية صناعية بمقدورها المنافسة والتطور المستقل وقد عبر التذبب في السياسات الاقتصادية التي تبنتها الدولة البورقيبية منذ بداية تأسيسها عن هذا العجز لذلك كانت معظم هذه السياسات أو ما كان يعبر عنه وقتها بالمخططات الاقتصادية للدولة مخططات تدور في حلقة مفرغة وتؤسس دائما على رؤى واستراتيجيات متناقضة ولم تراكم سوى تذرر طبقي بقي يعاد انتاجه كل مرة بشكل جديد على مدار حكم كل من الديكتاتورين بورقيبة وبن علي فمن سياسة استعادة السيادة الاقتصادية بالاعتماد على القطاع العام كمحرك للتنمية إلى سياسة التعاضد إلى سياسة تشجيع القطاع الخاص ثم مرحلة الانفتاح والسياسة الاقتصادية الموجهة لاستقطاب الاستثمارات الخارجية التي انتهت بالارتهان كليا لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومخططات إعادة الهيكلة ودفعت إلى سياسة التداين التي صارت اليوم تمتصّ أكثر من نصف الناتج الداخلي الخام.
في وضع محلّي مهيئ اقتصاديا للدخول في أزمة عميقة وطويلة وسياسيا لترسيخ النهج الديكتاتوري للزعيم ولأجهزة دولته نشأ "اليسار" في منتصف ستينات القرن الماضي مشكلا في الأساس من تعبيرات سياسية عديدة بأطروحات عائمة تكاد لا تميزها عن بعضها سوى بتشيّع المعبرين عنها فمنهم من يقول عن نفسه ماوي ومنهم من يقول عن نفسه ستاليني ومنهم من يقول عن نفسه تروتسكي ومنهم من يقول عن نفسه بعثي ومنهم من يقول عن نفسه ناصري إلا أن كل تعبيرة من هذه التعبيرات كانت في الحقيقة خليطا هجينا من كل هذه التعبيرات في نفس الوقت ولم ترتق لا نظريا ولا سياسيا إلى التمايز عن غيرها من الأطروحات ويمكن ملاحظة هذا بكل يسر لدى "تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي في تونس" الذي انبثق عنه تنظيم آفاق سنة 1963 وقد تواصل هذا التخبط مع كل الحلقات التي جاءت بعد آفاق واستمر إلى حدود الثمانينات أين ظهر التمايز الحقيقي بين اتجاهات هذا "اليسار" التي عبرت عن نفسها مستقلة في تنظيمات وحلقات سرية محدودة النشاط ومنغلقة سواء منها التي تقول عن نفسها ماركسية أو تلك التي تعتبر نفسها قومية ناصرية أو بعثية ويمكن في هذا الباب حصرها في التعبيرات التالية: الشعلة وما سيتفرع عنها فيما بعد من حلقات وتيارت ستنسب لنفسها جميعا صفة الوطني الديمقراطي وحزب العمال الشيوعي التونسي والشيوعيون الثوريون والبعثيون والقوميون الناصريون وما سيتفرع عن كل اتجاه منهما من حلقات أيضا.
في الحقيقة وطيلة العشرين سنة الأولى من حكم الديكتاتور بورقيبة كانت معارضة هذا اليسار معارضة عاجزة عن التأثير فهي معارضة تتخبط في عجزها الذاتي بحكم غياب الرؤية النظرية والسياسية المنسجمة والمشروع الجذري للتغيير وضعف البناء التنظيمي والانفصال عن الجماهير وانحصار أطروحاتها في قلة قليلة من الشباب الطلابي وبعض الحلقات الضعيفة من البرجوازيين الصغار ذوي الأصول الطبقية الفلاحية من موظفي الدولة لدى كل مكوناتها وهو وضع زداته حالة القمع ومصادرة الحريات وتغول أجهزة الدولة البوليسية واندماج الحزب الحاكم بأجهزة الدولة وسطوتهما التي لا حدّ لها ضعفا على ضعف.
لقد نشأ اليسار تيارا أيديولوجيا ثقافيا أكثر منه اتجاها سياسيا برؤية للتغيير الاجتماعي وقد سادت داخله طيلة العشريات الأربعة التي سبقت ديسمبر 2010 الروح الحلقية الضيقة والنقاشات الأيديولوجية المسقطة على الواقع والانقسامات وانحصر مجال نشاطه في أوساط الشبيبة الطلابية ولم تكن معارضته للنظام البورقيبي أو لنظام بن علي فيما بعد معارضة مؤسسة على تصور جذري للتغيير الاجتماعي بقدر ما كانت معارضة هلامية لا ملامح واضحة لها وغالبا ما كانت لا تتجاوز مساحة التنديد والتظاهر أو الدعوة لمقاطعة النظام مجال اشعاعها محدود ومنحصر في الحركة الطلابية وفي الحركة النقابية التي نشأ فيها هذا اليسار تيارا منافسا للبيروقراطية النقابية المرتبطة بالدولة و الأعراف الرأسماليين على التموقع داخل المنظمة النقابية وعاجزا عن الاستقلال عنها وعن تجاوز خلافاته وصراعاته التي تجري في حلقات مجموعاته المتناثرة .
وإجمالا يمكن القول أن برامج مختلف هذه الحلقات كانت تدور حول المطالبة بالحريات السياسية [حق التعبير حق التنظم ...] أي لم تتجاوز أفق اعتبار المهمة الاستراتيجية هي مهمة ديمقراطية وهو طرح خلفيته النظرية واحدة وتقول بها مختلف هذه المجموعات برغم ما تدّعيه من تباينات فيما بينها وهي أن طبيعة الثورة المطروحة ثورة وطنية ديمقراطية أي ثورة ستطرح مهام برجوازية كمسألة الحريات والإصلاح الزراعي وستستند في ذلك على تحالف العمال والفلاحين مع البرجوازية الوطنية والهدف ليس أكثر من تنمية القوى المنتجة وخلق اقتصاد وطني يؤهل في مرحلة لاحقة لثورة أخرى مؤجلة ولا يقع الحديث عنها ستختص بمشركة وسائل الإنتاج. هكذا بكل بساطة!!!
كان ذلك أمر كل مجموعات الوطنيين الديمقراطين التي تأسست وأسست خلافاتها فيما بينها كخطوط متصارعة ومختلفة على قراءات متنوعة للماوية. حزب العمال الشيوعي التونسي الذي خرج من العامل التونسي وتأسس في منتصف ثمانينات القرن العشرين لم يكن يختلف كثيرا عن مجموعات الوطنيين الديمقراطيين حول فهم طبيعة الثورة والتي بدوره يعتبرها ثورة على مراحل تبدأ وطنية ديمقراطية لإنجاز برنامج الحدّ الأدنى برنامج الجمهورية الديمقراطية التي تطلق الحريات السياسية ويتحالف فيها العمال والفلاحون تحت قيادته بوصفه الحزب الثوري مع البرجوازية الوطنية لفتح الأفق للاشتراكية وتكاد تنحصر خلافاته مع مجموعات العائلة الوطنية الديمقراطية كلها دون استثناء على مرجعية النظرية فبوصفه حزبا بمرجعية ستالينية كانت خلافاته رجع صدى للخلافات الصينية الستالينية التي تكثفت فيما بعد فيما صار يعرف بالخلاف الصيني الألباني ولا أسس لها حول قضايا الواقع المحلي التي استمرت غئبة عن الطرفين عدا بعض المواقف المهزوزة حول الخلافات حول طبيعة المجتمع.
في الثمانينات ستعرف الساحة ظهور تيار الشيوعيين الثوريين وهو تيار تأسس أيضا على قاعدة انتماء أيديولوجي للتروتسكية ولأحدى منظماتها العالمية المعروفة بالأممية الرابعة عن طريق بعض العناصر التروتسكية العائدة من المهجر والتي نجحت في نسج علاقات مع بعض العناصر الناشطة في الداخل من خارج صفوف مجموعات العامل التونسي ومجموعات الوطنيين الديمقراطيين وكانت تجتهد في بلورة رؤية نقدية تريدها متجاوزة للطرفين لتنصهر المجموعتان في وقت سريع ويعلن عن تنظيم الشيوعيين الثوريين الذي يبدأ في إصدار نشرة الشرارة إلا أن هذا التنظيم يبقى بدوره يتخبط في نفس معضلات المجموعات الأخرى ليعود 2011 ويؤسس رابطة اليسار العمالي وقد كان قبلها قام بمحاولات لتجميع اليسار وتنظيمه إلا أنها كلها كانت محاولات فاشلة.
القوميون بعثيون وناصريون لم يختلف حالهم عن حال مجموعات "اليسار الماركسي" لقد كانوا أيضا مجموعات وفرقا عديدة كل مجموعة منهم تنمو بالانقسام وكل خلافاتها فيما بينها لا تتجاوز الخلاف حول سياسة الزعماء القوميين ناصر أو صدام حسين أو القذافي أو حول بعض المقولات المتعلقة بالوحدة والاشتراكية والحرية أو حول التشيع لنصوص وأفكار ميشال عفلق أو لنصوص و أفكار عصمت سيف الدولة ومن أحق منهما بمكانة المنظر القومي ناهيك عن أن هناك من يعارض الاتجاهين الناصري والبعثي بتنبني أفكار الكتاب الأخضر لمعمر القذافي ديكتاتور ليبيا.
لقد استمر هذا اليسار سياسيا وتنظيميا على هذه الشاكلة طيلة الثمانينات وطيلة حكم بن علي مجموعات متناثرة منغلقة متصارعة فيما بينها بعيدة عن تمثل مشروع للتغيير الجذري يحدد المهام التي تمكن الأغلبية من أن تنخرط في المقاومة لصالحها كأغلبية في وجه نظام الأقلية التي احتكرت كل شيء. فبهذا الضعف والهشاشة وغياب الرؤية الطبقية المنحازة لأغلبية ضحايا نظام بن علي وبمشروع معارض لا نعثر فيه على غير باب الحريات السياسية سيفاجأ هذا اليسار بمسار 17 ديسمبر وبالمعركة الطبقية التي دشنها وبجذريتها وبانخراط الأغلبية فيها إلا أنه وعوضا عن الحسم في معوقاته وتجديد نفسه سياسيا وتنظيميا والانخراط في المعركة مع الأغلبية والعمل على تجذيرها والبدء مع الأغلبية ومن داخلها في كنس نظام بن علي والشروع في التأسيس للحكم الأغلبية الثائرة رأيناه ومن يومه الأول مترددا مرتبكا متوجسا حيال حركة الجماهير وحيال الأشكال المقاومة الجديدة التي أسستها مستبدلا عملية نسف الجسور مع ما بقي من الفوق الفاسد الذي لم يكن له من هدف غير الانقلاب على 17 ديسمبر لترميم النظام بمشاركة هذا الفوق الفاسد عملية الترميم هذه والتي ستكون صغتها السياسية وقتها تلك المهمة البائسة التي سيعبر عنها بالمجلس التأسيسي والتي ستتيح حين تنفيذها المجال لوقف المسار الثوري والانقلاب عليه باسم الانتقال الديمقراطي الذي سيعطي "الشرعية" لأحزاب النظام لتزعم العملية السياسية على امتداد السنوات التي تلت 14 جانفي 2011 .
حزب العمال لم يتخلص من أمراضه التقليدية المتعلقة ببرنامجه أو بمرجعياته ولم يقم بمراجعة جذرية لمواقفه وهو متوقف منذ أكثر من 40 سنة عند نفس المقولات تقريبا. مقولات مسيجة بدغمائية لا ترى من الواقع غير ما يراه برناج الحد الأدنى الذي صيغ قبل أكثر من 100 سنة في روسيا وما صاغته الأممية الثالثة بعد ذلك حول مرحلة التحرر الوطني التي تجعله على اليمين أكثر مما يمكن أن يكون على اليسار وتشاركه في هذا الطرح عديد المجموعات اليسارية الواهمة بإمكانية إعادة التاريخ دون أن تكون رؤاها شبيهة بالمهزلة أو هي المهزلة ذاتها.
الأصلاح الزراعي ... التأميم ... الحريات السياسية ... السلطة الشعبية ... التي تعني عند احمة الهمامي الديمقراطية التمثيلية ... مقولات لم تعد هي المقولات التي يمكن أن تؤسس للتغيير الجذري مقولات إنتهت إصلاحية رثة في أي بلد طبقت فيه وتحولت اليوم لمقولات لبرالية بلا أفق لحل مسألة التناقض بين راس المال والعمل التناقض بين الأغلبية التي لا تملك والقلّة القليلة التي تملك وتتحكم في كل شيء.
لذلك نرى حمة الهمامي يعيدها وي مجدها أيضا. ليعلمنا حمة الهمامي بمآلات أية عملية إصلاح زراعي كيف أصبحت وكيف تحولت الأراضي التي كان يملكها الفلاحون إلى أراضي إما بيد الدولة الراسمالية أو بيد الرأسماليين الكبار... لقد مات الفلاح الصغير كما ماتت أطروحة الإصلاح الزراعي. وقس على ذلك كل عمليات التأميم ...
نحن بحاجة لحل مشاكل الناس يا حمة وليس لترديد ما قاله سابقون كي يقال عنا ماركسيين نحن بحاجة ليعود القرار كل قرار لأصحاب الشأن نحن بحاجة لفعل يوقف موجة إعادة التاريخ في شكل مهازل وكتابته بشكل جديد منصف للأغلبية التي لا تملك. الأغلبية المتذررة في البلدان الطرفية مثل بلادنا أصبحت المسألة فيها متعلقة بالثروة وبأشكال استعادتها لصالحها ليس عبر تأميمها ووضعها بيد الدولة بل بتسييرها تسييرا ديمقراطيا تشاركيا وتحويلها لفائدة هذه الأغلبية والمجتمع ككل وليس لصالح الدولة لأن ذلك سيضعها بيد بيروقراطية ستتحول هي بدورها لطبقة جديدة ولا ينتج عنها غير استحواذ أقلية جديدة على هذه الثروة باسم الدولة التي تصير منظومة استبداد جديد في اطار نظام مغلق لا يستمر إلا بالاستبداد والقمع يا حمة الهمامي.
الأغلبية المتذررة المكونة من كتلة واسعة من الطبقات والفئات الاجتماعية التي لا تملك (معطلين خدامة فلاحين فقراء تجار صغار شباب طلابي وتلمذي ربات بيوت موظفون ...) مطلبهم اليوم هو السيادة على القرار قرارهم ولم تعد تعني لهم السلطة الشعبية والديمقراطية الشعبية والحريات السياسية الموجهة للمجموعات الحزبية أو الحكومات المؤقتة التي تطالب أنت بها شيئا يا حمة الهمامي....
إن مطلبهم هو أن يكونوا هم أسياد قرارهم في كل مجالات التدبير. ديمقراطية نابعة من التسيير الذاتي لكل مناحي حياتهم ديمقراطية تمكنهم من أن يكونوا أسياد الثروة والموارد ووسائل الإنتاج والقرار.

الثورة المضادة

في مارس 2011 وبعد سقوط حكومتي محمد الغنوشي الأولى والثانية التين جيء بهما بعد تهريب الديكتاتور بن علي وتحت حراسة الجيش والبوليس وفي قلب الغليان الثوري بدأت البرجوازية التونسية التي ظربت في مقتل ولكنها لم تمت تفكر في إمكانية ترميم النظام عبر هيئة بن عاشور المسماة " الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي" ولمواجهة الفراغ السياسي جيء وقتها بحكومة الباجي قايد السبسي الانتقالية التي كانت مهمتها حراسة الانقلاب على 17 ديسمبر حتى الوصول لانتخابات ما سمي وقتها "بالمجلس التأسيسي" التي ستقع في أكتوبر 2011 وستعطي الأغلبية البرلمانية لحركة النهضة وكرسي الرئاسة لمنصف المرزوقي ويبدأ الحديث وقتها عن ما يسمي" بالانتقال الديمقراطي وديموقراطية الانتقال الديمقراطي" وعن تأسيس الأرضية القانونية لهذه الديمقراطية (دستور 2014) التي شرعت في كتابته أغلبية ذلك المجلس المكونة من حركة النهضة إلى جانب حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات الذين شكلوا حكومة الترويكا الأولى بقيادة حمادي الجبالي والثانية بقيادة علي العريض.
كان وفتها حزب العمال عن طريق ناطقه الرسمي حمة الهمامي يدبج البيانات لفؤاد المبزع المنقلب لكي يعتبر مجلس حماية الثورة هيئة قرار. كذلك ينكر حمة الهمامي تواجد حزبه في هيئة بن عاشور الالتفافيه وهنا ليس لنا ما نقول غير لماذا تجرنا يا حمة الهمامي لنقول كلاما ربما يجرحك على غرار التوانسة الذين يعرفون من كان هناك وماذا كان يفعل.
نجحت إذن حركة النهضة في شق صفوف البرجوازية التونسية إلى شقين شق يدعمها وشق ثان سيتكفل الباجي قايد السبسي بتأسيس حزب سياسي يعبر عنه ويقود مع ائتلاف حزبي واسع حركة واسعة ضد حكم حركة النهضة ستتوج بدفعها بعد اعتصام الرحيل صيف سنة 2013 إلى الاستقالة من الحكومة وبدء مرحلة جديدة للتوافق مع هذا الشق على اقتسام السلطة.
لم يكن أمام حركة النهضة وقتها التي تملكها رهاب المآلات التي انتهت إليها حركة الاخوان في مصر وانقلاب السيسي عليها غير الوفاق مع هذا الشق الذي كان هو بدوره لا يطالب بإزاحتها تماما عن الحكم بل بمشاركتها السلطة فوقع تسريع إكمال الدستور وتحديد موعد انتخابات تشريعية ورئاسية ثانية مكنت الشق الحداثي ممثلا في حزب نداء تونس من الفوز بـ 86 مقعدا تلاه حزب النهضة بـ 69 مقعدا وانتخب الباجي قايد السبسي رئيسا للجمهورية. وبدأ بذلك طور جديد من ديمقراطية المنقلبين على 17 ديسمبر طور بدا متأزما منذ لحظته الأولى ولنشهد توالي 3 حكومات (حكومة مهدي جمعة ـ حكومة الحبيب الصيد ـ حكومة يوسف الشاهد).
وهكذا انحصر ت كل الصراعات في الفوق السياسي كل طرف يبحث عن التموقع باي ثمن في السلطة وتحولت المحاسبة لمصالحة وغرقت البلاد أكثر فأكثر في الديون وترك المجال واسعا أمام المهربين والفاسدين من كل شاكلة لنصل للعام 2019 بمنظومة فاسدة عاجزة وبفشل تام لها على كل الأصعدة منظومة قاطعتها الأغلبية في انتخابات 2019 ولكنها كانت عاجزة عن مقاومتها بشكل مستقل على قاعدة جذرية وهو ما مكن قيس سعيد من الترشح للانتخاباتها الرئاسية والفوز بها كرد فعل مباشر من الناخبين الذين لم يمثلوا سوى أقل من 40 بالمئة من مجموع الناخبين في الدورة الثانية.

وصول قيس سعيد للسلطة

قيس سعيد شخصية لم تكن معرفة قبل 2010 ـ 2011. لم يعرف له تدخل في الحياة السياسية غير ذلك الموقع الذي شغله كأمين عام للجمعية التونسية للقانون الدستوري في السنوات 1990 و1995 تحت حكم الديكتاتور بن علي ومنصب نائب رئيسها بعد ذلك وبعض المحاضرات والجلسات التي قام بها في خلايا التجمع الدستوري الديمقراطي.
بعد 2010 ـ 2011 لم ينظم لأي حزب سياسي ولم يعرف له نشاط سياسي ملموس في معارضة منظومة الانتقال الديمقراطي وأكثر ما كان يعرف به هو تقاربه مع مجموعة قوى تونس الحرة والتقاؤه في بعض المناسبات مع بعض المجموعات الشبابية الرافضة لمسار الانتقال الديمقراطي غير المنتظمة والتي لا تملك أي تصور بديل وأقصى ما كانت تقوم به هو الاحتجاج من أجل بعض المطالب ولم يعرف لها طرح سياسي مخصوص يمكن أن يكون بديلا سياسيا ملموسا للانتقال الديمقراطي.
سنة 2019 بلغ فشل منظومة الانتقال الديمقراطي منتهاه ولكن مقابل ذلك لم تشهد الأوضاع تشكل معارضة أو مقاومة مستقلة لهذه المنظومة من قبل الأغلبية وهو ما سيتيح خلطا للأوراق من جديد قد يأتي بالجديد ولكن هذا الجديد لن يكون من خارج المنظومة بل سيكون من داخلها. ستحاول المنظومة تجديد نفسها ولكن عبر لاعبين جدد من داخل السيستام وقد اثبتت الانتخابات التشريعية والانتخابات الرئاسية لتلك السنة حضور هؤلاء الوافدين الجدد والذين توزعوا في المؤسسة التشريعية وفي المؤسسة الرئاسية بفوز قيس سعيد بكرسي الرئاسة وائتلاف الكرامة وحزب قلب تونس وحزب عبير موسى في البرلمان.
لقد اقترن كل ذلك بمحاولات النهضة مدّ نفوذها على كل مؤسسات الحكم في باردو والقصبة وقرطاج خصوصا بعد اضمحلال حزب نداء تونس الذي أمن من 2014 إلى 2019 نفوذ شق كبير من البرجوازية في مواجهة الشق الذي دعم حركة النهضة. لكن مساعي النهضة هذه ستواجه بمعارضة من قيس سعيد الذي ولئن بدا في الأشهر الأولى من توليه الرئاسة ليس بعيدا كثيرا عن حركة النهضة إلا أنه سينقلب عن ذلك لتصبح عدوه الأول في مؤسسات الحكم وهذا مفهوم من شخص جاء للسلطة من داحل منظومة الانتقال الديمقراطي وينادي بتغير السيستام من داخله وهي أطروحة لن تجعله قريبا من رهانات منتخبيه بقدر ما ستقربه من شق من البرجوازية التونسية ومن القوى المرتبطة بها ذلك الشق الذي يريد ويرتب لاستقرار سياسي بعد عشر سنوات من الفشل ولو بالسلاح ويبحث عن نهضة لا تريد الاستفراد بالحكم بل نهضة قابلة بتغيير النظام السياسي وبتغيير قوانين المجلة الانتخابية ومواصلة مسار الانتقال الديمقراطي ولكن على قاعدة توزيع جديد للنفوذ لا يمكنها من أن تكون الاعب الوحيد المتحكم في الشأن الاقتصادي والسياسي.
ولئن كان حمة الهمامي لا يقاسمني هذا التحليل فهو يغض النظر عن كل ذلك يردد أطروحات لا تصح عندنا وهي شعبوي اليسار. قيس سعيد ليس شعبويا يساريا بكل بساطة فيوم 25 جويلية خرج جزء من الجماهير التونسية كانت كل الدلائل تؤكد أنه جزء وقع تحشيده للتظاهر والتشريع للقرارات التي سيتخذها قيس سعيد عشية ذلك اليوم نفسه وهو ما وقع بالفعل حيث أعلن مساء الأحد اعتمادا على ما يمنحه له الفصل 80 من الدستورعن: تعطيل عمل البرلمان وعن إقالة رئيس الحكومة وعن توليه هو رئاسة النيابة العمومية وعن أنه سيعين رئيس حكومة يعود له وحده بالنظر وأنه سيشرف بنفسه على اجتماعات هذه الحكومة وحدد شهرا للقيام بهذه الإجراءات التي قال أنها استثنائية لينطلق بعد ذلك في شرح قرارته هذه لرؤساء بعض المنظمات والجمعيات (الاتحاد العام التونسي للشغل ـ الهيئة الوطنية للمحامين ـ الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري ـ الاتحاد الوطني للمرأة ـ اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية ـ جمعية النساء الديمقراطيات) كما التقى أيضا برئيس المجلس الأغلى للقضاء ومجلس القضاء العدلي ومجلس القضاء الإداري والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية واستقبل وزير خارجية الجزائر ووزير خارجية المغرب وقام بمحادثة هاتفية مع وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية وأشرف يوم 28 جويلية 2021 على اجتماع بالمجلس الأعلى للجيوش وقيادات أمنية عليا.
لنصل بعد 5 سنوات من 2021 إلى وضع تنعدم فيه خيارات الخروج من الأزمة ولو مؤقتا ...وضع فشل تام متحقق مائة بالمائة.
لقد استمرت الأغلبية التي لا تملك كتلة طبقية واسعة يسوء وضعها كل يوم أكثر وأكثر ولكنها بالمقابل عاجزة عن رد الفعل ومقاومة السيستام الذي يطحنها من موقع طبقي مستقل.
هذا الوضع للأسف سيتواصل لأنه ليس هناك من مؤشر في الواقع يمكن الاعتماد عليه للقول أن هناك بوادر حل هنا أو هناك.
سيتواصل التقدم في طريق مسدودة.
لقد واصلوا في سياسة إغراق البلاد في المديونية وتواصل التهريب وانهيار قيمة الدينار وارتفاع الأسعار ونسب التضخم والبطالة ونسب خدمة الدين وووو.
والأزمة في أوضاعنا مؤجلة منذ ما قبل 2010، وحتى لمّا تصوّر التونسيون أنها زالت بمفعول مجيئ النهضة للحكم فقد تبين بعد ذلك لهم أنها مجرد أوهام فالنهضة كانت قد وضعت اليد في اليد مع بقايا النظام أي مع جزء من العائلات البرجوازية النهابة التي كبرت ثروتها في العهد البورقيبي وعهد بن علي ولكن الأزمة ظلت باقية حتى لما ذهبت النهضة.
25 جويلية أو دعنا نقول بالوضوح اللازم تحالف العائلات الكبيرة في تونس مع البوليس و الجيش لم ينهي الأزمة بل جعلها تستمر وصارت مورد جديدا ومجالا جديدا يُستثمرفيه وتُجنى منه أرباح كثيرة ولابد أن نشير إلى أنه في نطاق ذلك وكما مدت النهضة يديها لجزء من البرجوازية التونسية فقذ عمل التحالف الجديد على خلق شريحة رثة من الإداريين والسياسين الذين يزينون ويقدمون استعمار الداخل على أنه استكمال لمسار 17 ديسمبر 2010 ... شريحة لم تعرف تونس مثيلا لها حتى زمن الاستعمار الخارجي الفرنسي المباشر..

البديل

الأوضاع اليوم تراكم في اتجاه أوضاع شبيهة بتلك التي سبقت الاطاحة بالديكتاتور بن علي وفي كل الحالات لا أعتقد أن البرجوازية التونسية وممثليها من البيروقراطيات مستعدون لمواجهة أوضاع شبيهة بتلك الأوضاع...
لذلك نرى اليوم أن الجميع أحزابا وشخصيات كلها تقدم بدائل لحكم قيس سعيد وسنناقش البديل الذي يطرحه حمة الهمامي فهو يقول " إنّ حزب العمّال يعتبر أنّه من المهمّ أن يكون للحركة الاجتماعيّة والشعبيّة تصوّر للمرحلة الانتقالية التي تعقب سقوط منظومة الاستبداد. إنّ سدّ الفراغ الذي سيتركه سقوط المنظومة يقتضي مباشرة وجود أداة سياسيّة تنفيذيّة التي ستكون مهمّتها قيادة الفترة اللاحقة بصورة مؤقّتة. وهذه الأداة لن تكون سوى حكومة مؤقتة نابعة من الثورة التي أسقطت الاستبداد لذلك يصحّ تسميتها بـ"الحكومة الثورية المؤقتة".
في 17 ديسمبر لم تبحث الجماهير عن الأحزاب لتنخرط فيها أو الحكومات المؤقتة لتحقيق مهمة "يرحل بن علي" أو لتحقق لها شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" وبقية الشعارات... وقتها كانت مسألة تحقيق هذه المهام مقترنة في أذهان الأغلبية بتأسيس انتظاماتها الأفقية الذاتية التي تحققت حتى بصورتها الجنينية غير المتينة عبر اللجان والمجالس التي ظهرت وقتها والتي بحكم عوامل عديدة لا يمكن الرجوع إليها في هذا المقال انفرط عقدها بعد مؤتمر نابل في 9 و10 أفريل 2011 وقد سعى وقتها حزب العمال لضربه وأوفد لذلك شخصيات من الصف الأول ومن الصف الثاني لتحقيق المهمة (أنا أتحفظ عن ذكر الأسماء) وهناك من يشهد بهذا الأمر من أبناء حزب العمال نفسه.وتدخل ليمنع وسائل الإعلام من تغطيته وهو ما كان بالفعل حيث لم تحضر ولو وسيلة إعلام واحدة في مؤتمر بمثل تلك القيمة وفي مثل تلك الأوضاع . لا علينا ... وكما في 17 ديسمبر فإن الأغلبية اليوم أو جزء كبير منها فقد ثقته في الأحزاب يمينها ويسارها ولم يعد يرى فيها غير مجموعات أشبه باللوبيات تتنافس فيما بينها من أجل التموقع والسلطة ولا صلة لها بواقع الناس وبمطالبهم ولا تطرح حلولا حقيقية للقطع مع الأوضاع السائدة فكلها تسكت عن مسألة المديونية وتسكت عن مسألة المحاسبة وتسكت عم مسألة السيادة على القرار والسيادة على الموارد وتسكت عن الحلول الجذرية لمسألة التشغيل ... الأغلبية فقدت ثقتها في الأحزاب ليس لغياب برامج لهذه الأحزاب فالبرامج موجودة في المكتبات والرؤوس منذ سبارتكوس ـ بل لعدم قدرة هذه الأحزاب سواء منها التي تحكم أو الي تقول عن نفسها أنها في المعارضة على أن تعبر عن مصالح هذه الأغلبية التي صار وضعها لا يحتمل على كل المستويات...
الذين يمارسون السياسة اليوم في الساحات العامة وفي أحيائهم وجهاتهم هم المليون بطال هم شباب أحياء أحزمة الفقر هم الموظفون المفقرون هم شباب المعاهد والجامعات هم ربات البيوت ...
إنهم تلك الأغلبية التي عجزت عن قلب ميزان القوى لصالحها سنة 2011 ليتوطد على أنقاض ذلك انقلاب ورثة بن علي ويستمر متأزما منذ يومه الأول يخرج من أزمة ليدخل أزمة أخرى أعمق لا يقدر سوى على إنتاج الأزمات.
فأين حزب العمال من كل هؤلاء وهل يعرفهم بغير الكلام في الأوراق والمصادح وداخل الغرف المغلقة.
الجماهير المنتفضة اليوم تجاوزت في حركتها كل الأطر الفوقية الرسمية وغير الرسمية.
إن ما يجري اليوم هو التجسيد العملي لمهمة الاستقلالية التي أخفق فيها عنصر 17 ديسمبر الذي ثار.
هل ينادي حزب العمال بالاستقلالية وهل يقدم لها البناء المنشود أم هو يكتفي بالبناء الحزبي الضيق الذي تجاوزه التاريخ.
يجب أن يجسد من يريدون التحرر بالفعل مهمة الاستقلال الذاتي التنظيمي والسياسي التي ظل القائلون بها منذ ديسمبر 2010 يتعثرون في تجسيدها. لابد أيضا أن نفرض تلك المهمة التي ظهرت في ديسمبر 2010 وسريعا ما غابت مهمة الدفاع الذاتي في أبسط أشكالها. الشباب المنتفض يجب أن يعرف أعداءه بدقة أنه لا يمكن تركيعه أو المناورة عليه بالأيديولوجيا إنه يدشن مسار افتكاك الحقوق بكل ما في الكلمة من معنى كل الحقوق: الحق في العيش في مجتمع متحرر عادل الحق في العيش في مجتمع يحقق لهم سيادتهم على قرارهم وسيادتهم على ثروات بلادهم والحق في كل قرار يهم مستقبلهم. إنهم يجسدون مشروع الحركة التي تقطع بشكل جذري مع الانقلاب ومع المنقلبين حكومة وأحزابا وجمعيات ونقابات وتحسم مع المقولات التعويمية الفضفاضة لكل الفوق الفاسد المنقلب ولكل أولئك الذين برروا لانخراطهم في مسار الانقلاب والتشريع له.
فمسألة انتاج البديل ليست مسألة سهلة في ظل تعقد الأوضاع القائمة وتحول مجتمعاتنا في ظل الهيمنة الرأسمالية الراهنة إلى مجتمعات مجردة من أي قدرة ذاتية على صنع القرار بدء بالاقتصاد وصولا للسياسة وفي ظل تذرر القوة الطبقية البديلة التي من مصلحتها قلب هذه الأوضاع جميعا لصالحها.
في أروبا وتحديدا في اليونان وإسبانيا في السنوات القليلة السابقة أنتجت الأزمة الشاملة للنظام الرأسمالي ولمعارضاته الكلاسيكية التقليدية هناك حركات اجتماعية مستقلة إلى حدّ ما قدرت في البلدين على تنظيم تعبئات جماهيرية كبيرة مثلت في فترة ما من الصراع ضد الحكومات القائمة المدعومة من البنوك والمجموعات المالية العالمية الكبرى أفقا لتطور حركة اجتماعية جذرية مستقلة حاملة لحلول لصالح الأغلبية لكنها سرعان ما ارتكست من جديد وانتهت متبنية للحل اللبرالي الذي فرضه دوائر البنوك والمستثمرين العالميين و البرجوازيات المحلية المهيمنة.
في تونس وبعد 16 سنة من 17 ديسمبر 2010 برهن اليسار التونسي كذلك بجناحيه الجناح الذي يقول عن نفسه ماركسيا والجناح الذي يطلق على نفسه صفة القومي العربي عن عجزه عن الاستقلال سياسيا وتنظيميا عن اللبرالية وتمثّلِ عملية التغيير الاجتماعي الجذري بل أثبت وبشكل حاسم أنه عاجز حتى عن أن يمثل اتجاها إصلاحيا منسجما بسياسات اجتماعية يمكن أن تلف حولها الخدامة والمعطلين وشرائح واسعة من الطبقة الوسطى. بهذا المعنى يمكن القول أن تغيير ميزان القوى لصالح الأغلبية وعملية التغيير الجذري في وجه من وجوهها سواء في بلداننا أوفي بلدان الديمقراطيات البرجوازية وهذا درس من دروس 17 سبتمبر لم يعد متوقفا فقط على ضرورة استقلال الأغلبية التنظيمي والسياسي عن النظام بل ايضا على تجاوز أطروحات هذا اليسار وسياساته.
يجب تجاوز برنامج الحد الأدنى
يجب تجاوز برنامج الحريات
يجب تجاوز كل دعاوي الإحزاب لأنها دعاوي للسلطوية
دعاوي للبقاء في حيز المقبول إمبرياليا أي في حيز الديممقراطية البرجوازية.
إننا لا نبحث عن تجاوز أحد لا ماركس ولا لينين ولا تروتسكى و لا ماو ولا قرامشي ولا نيقري ولا مهدي عامل ولا جيفارا ولا أي مدرسة من المدارس التي تقول عن نفسها أنها ثورية أو تجاوزية أو تجديدية بالدعوة الى الإستقلالية.
إن المسألة عندنا ليست تجاوزا ولا تطرح بهذه الصورة أبدا. هؤلاء كلهم حاولوا التغيير الجذري وأفلحوا في جزء وفشلوا في جزء وليس فيهم من هو نبي. ونحن نعتقد أن المهم هو أخذ ما بقي حيا ونيرا من تجاربهم وأفكارهم وأطروحاتهم عبر عملية نقد عميقة وجذرية وشاملة وما مات فقد مات. ولسنا بذلك انتقائيين لأن التقدم برمته يحدث بهذا النسق والتاريخ بكليته ليس سلسلة متتالية يفضي بعضها لبعض بل هو مجموع كل الأطوار التي سجلها الفكر والممارسة معا أي جملة مسارات متنوعة مترابطة تفضي لوحدة متنوعة. التجارب الثورية وتاريخ المقاومة يعود لما قبل هؤلاء ويتواصل وستواصل إلى ما بعد هؤلاء.
نحن ندعو لتجاوز الإيديولوجيات جميعا والاشتغال على كل تاريخ المقاومة من أول يوم ظهر فيه سيد وعبد وليس على آثار مدرسة واحدة فقط. هكذا أصبحنا نرى الأمور منذ 17 ديسمبر وتلك هي قوة 17 ديسمبر التأسيسية التي وعيناها.
وأول مسائل هذا المشغل والأمر هنا يعني كل جموع المعنيين هو الاستقلالية الاستقلالية التنظيمية والسياسية عن النظام ومؤسساته وأجهزته وسياساته ذلك كان الدرس الأكبر لـ 17 ديسمبر الذي مازلنا مطالبين بتنفيذه.
في 2011 و إلى ما قبل أكتوبر كان ميزان القوى يكاد يكون لصالح قوى 17 ديسمبر من حيث القدرة على التعبئة والتثوير وعلى قلب الأمور جميعا ولكن للأسف لا أحد كان يعي أن أي تراجع سيكون نقطة اللاعودة بالنسبة لتجذير المسار الثور.
توقف مسار 17 لأنه لم يتطور في اتجاه يؤسس لسيادة الأغلبية على القرار وسيادتها على الثروة ...
لقد ارتكس لأن الجميع انقلبوا عليه.
قد نفهم انقلاب الأقلية المافيوزية الوكيلة المرتبطة بالقوى الاستعمارية على المسار الثوري ولكن فهم كيف انقلب عليه حتى أغلب الفاعلين فيه فذلك ما يتطلب كثيرا من الجهد والشجاعة السياسية.
أغلب الفاعلين في 17 ديسمبر انكفؤوا بعد القصبة 1 والقصبة 2 وتوقفوا عن الفعل من أجل الحركة ككل والتي كانت تحتاج نشاطهم الواعي لرسم استقلاليتها التنظيمية والسياسية عن النظام ومؤسساته إلى الفعل من أجل بناء أحزابهم الصغيرة ومجموعاتهم القزمية وهو أمر ضرب الحركة في مقتل حيث حكم ذلك التوجه بالموت المؤجل على المولود الجديد الذي مازال يصارع من أجل الحياة في الحركة.
17 ديسمبر فوّت لحظة تاريخية وهي فرض الاستقلالية التنظيمية والسياسية لجماهير الأغلبية عن النظام وبذلك سلم فاعلوه الحركة لأعدائها وللمتآمرين عليها ولكل الذين يدعون تمثيلها أي لقوى الثورة المضادة أي لقوى الانقلاب الديمقراطي.
قوى الانقلاب الديمقراطي ليست فقط القوى التي في السلطة إنها أيضا تلك التي في ما يسمى بالمعارضة .إنها كل القوى التي استبدلت استقلالية الحركة بالادعاء بتمثيل الحركة في مؤسسات النظام.
إنها كل القوى التي عارضت وأحبطت كل إمكانيات الانتظام المستقل للحركة لصالح بعض الانتظامات الحزبية والجمعياتية بوهم أنه لا يجب القفز عن مرحلة الحريات الديمقراطية.
إنها كل القوى التي خيرت التواجد في مؤسسات النظام على دفع الأغلبية لتأسيس هيئات قرارها المستقل على أنقاض مؤسسات النظام.
إنها أخيرا كل القوى التي تبنت سياسات الانتقال الديمقراطي أي تلك القوى التي تبنت مفهوم الدولة المدنية ومفهوم الاحتكام للدستور ومفهوم الديمقراطية التمثيلية ومفهوم الوصول للسلطة عبر الانتخابات.
يقول حمة الهمامي في باب البدائل في مقاله الثاني في باب الإجراءات الاجتماعية
1 - مضاعفة الأجر الأدنى للعمال/العاملات في القطاعين الصناعي والفلاحي وتعميم التغطية الاجتماعية على كافة الأجراء وصيانة حقوق المتقاعدين وتحسين ظروف حياتهم.
2 - إقرار منحة للمعطّلين عن العمل مع منحهم الحق في العلاج والتنقل مجانا إلى حين انتدابهم.
3 تمكين الشباب في الأرياف من مقاسم فلاحية ومساعدتهم على استغلالها في إطار تعاونيات
4 - لغاء ديون الفئات الصغرى من الفلاحين والبحارة والحرفيين ودعمهم لتطوير إنتاجهم
5 - تأميم القطاع الصحّي: صحة عمومية واحدة ومجانية للشعب
6 تأميم التعليم : تعليم عمومي واحد، راقٍ ومجانيّ.
7 - ضبط خطة وطنية لحماية البيئة من التلوث وإنقاذ المناطق المتضررة وصيانة المائدة المائية وضبط خطة وطنية لتنميتها واستغلالها لتوفير الماء الصالح للشراب لعموم الشعب.
8 - إلغاء كافة أشكال التمييز في الحقوق بين الرجال والنساء والاعتراف الكامل بالأمومة كوظيفة اجتماعية وإقرار العلاج المجاني للمرأة عند الحمل والوضع وبعده وتوفير المحاضن ورياض الأطفال العمومية وحماية المرأة من العنف عبر إيجاد الآليات لتفعيل القانون.
9 - إلغاء كافة القيود على حرية الإبداع وتوفير الدعم للمثقفين والمبدعين في إطار سياسة عمومية تنهض بالثقافة وتحررها من الطابع الاستهلاكي لتكون أداة للارتقاء بالوعي الفردي والجماعي.
10 - تقليص ساعات العمل للشبان البالغين من العمر ما بين 18 و25 سنة مقابل أجر كامل لتمكينهم من مواصلة تعليمهم وتكوينهم وتخصيص نسبة من المساكن للشباب بأسعار في متناولهم وتحسين البنية الأساسية الرياضية للشباب وعموم التونسيين.
فهل لبرنامج حمة الاجتماعي أية صلة بما يطرحه الشعب الآن
الشعب الآن ينادي بـ
تشغيل كل المعطلين ونحن قادرون على ذلك
الصحة والتعليم للجميع
مصادرة البنوك والمؤسسات المالية النهابة
تمكين الشباب من الأرض للعمل فيها بشكل تشاركي موحد وليس في شكل تعاونيات
وفي باب الإجراءات السياسية يقول جمة الهمامي يمكن القول أن جل المطالب تبقى محصورة في إعداد قانون انتخابي جديد تتم مناقشته صلب الأطر الشعبية لكنه يصمت عن تحديد هذه الأطر إلا أننا نرى أن هذه الأطر لا تكون إلا خلايا حزب العمال وتنظيم انتخابات ديمقراطية لمجلس تشريعي جديد .
هكذا حمة مثله مثل كل الإصلاحيين والبرجوازيين يريد من الثورة أن تنتهي إلى إنتخابات ومجلس تشريعي. أن ذلك يسمى إجهاضا للثورة يا حمة وليس انتصارا لها.

ـــــــــــــــــــــــــ
30 أوت 2026



#بشير_الحامدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -الدولة دى بجد .. مش حنسبها لحد-!
- السلطات الجهوية في سيدي بوزيد والمثل الفرنسي Midi à quatorze ...
- نحن - لا تهمنا احتجاجات المعارضة-
- فكيف لا يضحون بقيس سعد!!!
- قبل 25 جويلية بأيام معدودة
- طبقة رابعة أم هي فقط البروليتاريا وعبرنا عنها بالطبقة الرابع ...
- عن الثورة التونسية: المآلات
- حول الربيع العربي
- عائد لمواصلة الحياة عوض المناداة بالتشغيل لمن سنهم فوق الأرب ...
- عن رواية أرض الدماء و الدموع
- من يحكم تونس
- كي لا ننسى وكي تكون لنا ذاكرة
- حروب اللا منتصر
- كي لا ننسى وكي تكون لنا ذاكرة. (هذا النص كتب بعد أن شاهدت في ...
- عن رواية -دفاتر الجيلاني ولد حمد- للكاتب الروائي الصحبي الكر ...
- السقوط ليس حدثًا طارئًا، بل قابلية كامنة
- السيادة الوطنية !!!؟؟؟
- الديموقراطية أم السيادة على القرار
- الكسب الحقيقي للمقاومة من وراء الحرب الأمريكية الصهيونية على ...
- جورج عبد الله ل”لكم” من بيروت: لا أفكر في مشروع سياسي أو تنظ ...


المزيد.....




- قتيل و5 مصابين في إطلاق نار خلال حفل صاخب بسويسرا
- في مصر.. ألقاب مرموقة تكشف هوية صاحب مقبرة أثرية جديدة
- -أجمل من أي صورة رسمتها بخيالي-.. فايا يونان تعلن خطوبتها
- تحليل: صراع داخل إيران قد يحسم موعد نهاية حرب ترامب
- مخاوف من انفجار الوضع في الضفة الغربية.. هل يدفع نتنياهو الم ...
- تلسكوب جديد من ناسا ينطلق اليوم للبحث عن أسرار الكون
- وسط غموض مصيره.. خامنئي يوجه رسالة لافتة إلى دول الخليج: -اع ...
- ذكرى التوسع شرقا ـ وزن الاتحاد الأوروبي في جيوسياسية العالم ...
- منطقة شينغن تتوسع.. لكن مراقبة الحدود في الاتحاد الأوروبي مس ...
- آيسلندا ترفض استئناف مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشير الحامدي - نقاش مع حمّة الهمامي و-كان تحبوا أقروه رد على حمّة-