أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشير الحامدي - جورج عبد الله ل”لكم” من بيروت: لا أفكر في مشروع سياسي أو تنظيمي جديد ولا أغادر لبنان لأسباب أمنية















المزيد.....


جورج عبد الله ل”لكم” من بيروت: لا أفكر في مشروع سياسي أو تنظيمي جديد ولا أغادر لبنان لأسباب أمنية


بشير الحامدي

الحوار المتمدن-العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 20:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قطع هذا الحوار طريقًا بدأ منذ 9 ديسمبر 2025 حتى إنجازه في 5 يناير 2026، منذ أول اتصال بالوسيط، وبالأحرى بالمحامية الوسيطة، التي تفضلت بترتيب موعد المقابلة الصحفية مع المناضل اللبناني جورج عبد الله، الذي غادر سجون فرنسا في 17 يونيو الماضي بعد نحو 41 سنة من الانخراط في العمل الفدائي المسلح.
بعد أيام من الاتصال الأول، وصلتني رسالة منها تحدد موعد المقابلة، مرفقة بجملة اعتبرتها “افتتاحية مع العام الجديد”، وأخرى تقول: “نحدد المكان والتوقيت قبل اليوم السابق”.
لكن توقيت المقابلة ومكانها لم يتحددا بدقة إلا قبل نصف ساعة فقط، مع تغيير مفاجئ في اليوم نفسه من الخامسة مساء إلى الواحدة والنصف بعد الظهر. ولا داعي لكشف المزيد من الإجراءات الاحترازية، باستثناء أن شخصًا من عائلة جورج تعرف علي في الطريق، وصحبني سيرًا على الأقدام نحو ربع ساعة، لأجد نفسي أمامه.
غرفة ضيقة في شقة صغيرة بلا كهرباء أو إنارة، يتسلل إليها ضوء واهن لآخر النهار من شرفة ضيقة تطل على مبانٍ مجاورة، بلا متنفس كافٍ للنظر أو الهواء. يملأ الغرفة دخان سجائر من رافقني، ورجل يتردد عليها من آن لآخر، يبدو أنه المسؤول عن الشقة، إضافة إلى جورج نفسه. تتوسطنا، في جلسة غير مريحة، طاولة صغيرة منخفضة تُقَصِّم الظهر حين تضع أوراقك لتدوين الملاحظات.
زاد من أجواء عدم الارتياح والتوتر والبرود الذي ساد بداية المقابلة، وعلى خلاف نهايتها، ما كنت وعيته من بواعث القلق على لبنان والمنطقة منذ بدء زيارتي الأخيرة لبيروت في 11 نوفمبر 2025.
هذه المرة، وعلى خلاف المرات العديدة السابقة التي ترددت فيها على بيروت منذ صيف 2000، بدت الانقسامات الطائفية والاستهداف الإسرائيلي-الأمريكي للبنان كله، لا للمقاومة وحدها، أكثر خطورة.
على الأقل، أشير هنا إلى بعض ما رأيت، ويفيد تآكل البيئة الحاضنة لحزب الله والمقاومة، خصوصًا خارج الطائفة الشيعية والضاحية والجنوب، وربما داخل الطائفة نفسها، كما يقول لبنانيون. كما لاحظت ارتفاع منسوب الشحن والتحريض ضد الحزب والمقاومة، الناجم عن غضب له مبررات إزاء أخطاء وخطايا حزب الله بحق لبنان واللبنانيين، وثورة تشرين 2019، والتورط في دعم الفساد والمافيات في الحكم ومفاصل الدولة، بما فيها القضاء.
يضاف إلى ذلك الانخراط في القتال دفاعًا عن حكم البعث/الأسد القمعي الدموي ضد ثورة الشعب السوري، وهو حكم ترك لمخابراته أسوأ الذكريات لدى عموم اللبنانيين منذ دخول قواته لبنان عام 1976، وحتى مغادرتها إثر سلسلة اغتيالات عام 2005، شملت رئيس الحكومة رفيق الحريري، والصحفيين جبران تويني وسمير قصير.
عندما توجهت لمحاورة جورج عبد الله، كانت الحكومة اللبنانية قد انخرطت في مباحثات مباشرة مع إسرائيل برعاية أمريكية، بينما تواصل إسرائيل احتلالها وانتهاكاتها وقصفها وقتلها متى شاءت، دون رد أو رادع من جيش أو مقاومة، وبالتحديد من حزب الله، ودون عائق من دبلوماسية دولية أو نظام عربي رسمي، أو رد فعل جماهيري لبناني أو عربي.
لاحظت تناقضات تتجاور في شارع الحمرا بوسط بيروت: ملصقات متواضعة تطالب بـ”الحرية لأسرانا”، وتحيي شهداء حرب خريف 2024 بالصور والأسماء وأماكن القتل، كثير منهم من الشيعة، وبعضهم من مناضلي الحزب السوري القومي الاجتماعي العلماني في بلدات الجنوب.
إلى جوار هذه الملصقات، التي تعرض عدد منها للإزالة والطمس، علامات وإشارات لبيروت/لبنان أخرى على النقيض، تفصح عن جموح برجوازية شبقة لحياة مترفة، تقود لبنان المتعب من الحروب الإسرائيلية-الأمريكية وخطايا حزب الله إلى مزيد من التطرف في مظاهر الاستهلاك والأمركة واللامبالاة بالآخر اللبناني، دون اكتراث لشهيد أو أسير أو قصف شبه يومي.
ما يقلق هذه المرة أكثر هو ارتفاع التعبير الجهري عن الضغائن الطائفية بين الشيعة والسنة، وليس من قبل الموارنة الذين يتصدر تمثيلهم السياسي سمير جعجع وحزبه “القوات اللبنانية”. كما لاحظت قبولًا أو استعدادًا غير قليل للتطبيع مع العدو الصهيوني، تتردد معه عبارات بلا مواربة من قبيل: “ولِمَ لا؟ كل الدول العربية المحيطة بإسرائيل طبعت أو في طريقها للتطبيع”، و”كفانا، نريد السلام والتنمية، وألا ندفع وحدنا عبء التضامن مع فلسطين، كفى ما نستضيفه من لاجئين منذ 1948”.
وبعد…
في هذا الحوار محاولة لاكتشاف كيف يرى جورج عبد الله، مطلع 2026، لبنان والقضية الفلسطينية وأحوال العرب والعالم، بعد نحو 41 عامًا في سجون فرنسا، وأقل من ستة أشهر على عودته إلى وطنه.
البداية من حدث فنزويلا
فرض العدوان الأمريكي على فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، في 3 يناير الجاري، نفسه على بداية الحوار، فسألت جورج عبد الله كيف يرى تداعيات ما يفعله الرئيس الأمريكي ترامب على أمريكا اللاتينية والعالم، وفي سياق صعود اليمين المتطرف في أوروبا، فأجاب:
“ترامب ليس فردا، هو يتحدث صراحة باسم الشركات متعددة الجنسيات، ويمثل الإمبريالية وهي تواجه أزمة نظامها البنيوية وتناقضات مراكزها، وعلى نحو يضع العالم على شفير حرب عالمية ثالثة”.
أضاف: “ما حدث لفنزويلا 2026 يفيد بأن الفوضى الإمبريالية والعدوانية الأمريكية تجاه الأطراف أصبحت تجري بدون غطاء من قوانين أو معاهدات دولية، وأن دور الأمم المتحدة بات من الماضي”.
يرى جورج أن التناقضات بين الإمبريالية الأمريكية وغيرها من القوى الإمبريالية الأوروبية ما زالت مهمة، وبخاصة مع روسيا وألمانيا. إجمالا يعتبر أن “التشكيلات الفاشية أصبحت بمثابة المخرج الوحيد أمام أزمة رأس المال الشاملة والاقتصاد العسكري الذي يشكل قاطرته”، مشيرا إلى أن أكبر حزب في فرنسا الآن يمثل اليمين الفاشي “التجمع الوطني”، وكذلك إلى صعود الأحزاب اليمينية والفاشية في بلدان أوروبية ديمقراطية أخرى، مثل إيطاليا وألمانيا وإسبانيا.
راية فنزويلا بجانب راية فلسطين
الرجل يعد عنوانا على مرحلة تمتد منذ نهاية الستينيات إلى منتصف الثمانينيات من الكفاح المسلح ضد الصهيونية والإمبريالية الأمريكية وعدد من الإمبرياليات الأوروبية، وهو نضال ارتبط بشعار تحرير فلسطين باستلهام تجارب حرب العصابات في مدن أمريكا اللاتينية. واشتهر جورج بتبني شعار يترجم ويختصر النضال المسلح الأممي: “وراء العدو في كل مكان”. ولذا كان السؤال عن كيف يتوقع تداعيات ما فعله ترامب في فنزويلا، وما قد يتولد عنه من ردود فعل انطلاقا من أمريكا اللاتينية؟
أجاب: “بداية من المتوقع أن يعقب ترامب ما فعله في فنزويلا بتحركات مشابهة ضد دول أخرى في أمريكا اللاتينية وخارجها. بالتالي فإن الرد الجماهيري وواجبات القوى الثورية الأكثر جذرية سيتعدى مسألة فنزويلا وأسعار النفط. كما يندرج في سياق الرد احتمال إلغاء المعاهدات الناجمة عن الحرب العالمية الثانية، وحتى معاهدات على صعيد التجارة العالمية وبين موسكو وواشنطن، وكذا تصعيد التناقضات بين الولايات المتحدة وكل من الصين وروسيا”.
وربط جورج في هذا السياق بين فنزويلا وفلسطين، فقال: “ستضاف راية فنزويلا إلى جانب راية فلسطين وغيرها في سياق ردود الفعل الجماهيرية بمختلف أنحاء العالم، وكي تحول حركة الجماهير في تضامنها مع فلسطين وفنزويلا دون نشوب الحرب العالمية الثالثة”.
يبدو المناضل جورج، ابن بلدة القبيات/قضاء عكار شمال لبنان، يتجنب اليوم التورط في الدعوة لكفاح مسلح، فعندما عدت وسألت: هل تعتقد إزاء ما يجري في فنزويلا وفلسطين ولبنان إمكانية استرجاع الكفاح المسلح الأممي ضد الإمبريالية، ولو بأشكال مختلفة وصيغ جديدة؟
أجاب: “الكفاح المسلح هو أحد أشكال المواجهة، ومثل هذا العنف هو رد على العنف المعولم لرأس المال. والسؤال هو: هل سيشمل الرد الكوكب بأسره إذا كان من حق الإمبريالية الأمريكية أن تختار غزو المكان الذي تعتبره خطرا عليها وفي الوقت الذي تنتقيه هي؟ أليس من حق الشعب الفنزويلي والشعوب الأخرى مواجهة أمريكا في كل مكان، وأن تختار بدورها المكان والزمان المناسبين للرد؟ أرى الرد الطبيعي سيكون بمواقف معممة تشمل أنحاء المعمورة، سواء أكان الرد عنيفا أو غير عنيف، وشكل المواجهة يحددها مسار المعركة، عنيفا أو سلميا”.
بين البرلمانية والثورة
لكن كيف يرى جورج عبد الله فرص الطريقين: الإصلاحي البرلماني والتغيير الثوري الجذري، بعد نحو 41 عاما في سجون فرنسا قال إنه لم ينقطع خلالها عن متابعة مجريات المنطقة والعالم، وبعد نحو 6 أشهر من العودة للحياة خارج المحابس وفي لبنان؟
أجاب: “طبيعة النظام الرأسمالي هي التي تحدد، وليس هناك وصفات جاهزة لاختيار أي من الطريقين”. وأضاف: “الكتلة الأساسية صاحبة المصلحة في التغيير تتشكل خلال النضال وصيرورته لا قبله ولا بعده، وهي التي تحدد أي من الطريقين. هذه الكتلة في مسارها تتخلص من ترسبات الماضي كالفساد والطائفية والإصلاحية، وتطرح وتتبنى القيم التي توصل إليها نضال البشرية، كمسائل المساواة بين الجنسين والتعددية ومنع الدفع بالأطفال للعمل في المصانع وغيرها”.
وأين يحدد جورج مسؤولية ما يطلق عليه “الزعيم الوطني” في سياق دكتاتوري عن هزائم تتوالى أمام العدوان والغزو الأمريكي والصهيوني منذ عبد الناصر 1967 إلى مادورو 2026 مرورا بصدام 1990-2003؟ ومتى نتعلم من هذه الدروس المريرة؟
قال: “القضية هي: هل تستطيع مواجهة الإمبريالية بواسطة البرجوازيات الوطنية وفي إطار النظام الرأسمالي، أم إنك تسعى لتغيير المنظومة الرأسمالية كلها، وعبر بناء نظام يلغي الاستغلال، ويتطلب تفتح الجماهير الشعبية وليس إقامة دكتاتورية القائد المعلم الملهم. الهزائم التي ذكرتها وقعت لأن المواجهة تجري من خلال تبني نمط الإنتاج الرأسمالي. مثلا عبد الناصر لم يكن على تناقض مع جوهر النظام الرأسمالي، كان مع الملكية الخاصة. وأرى أن الكتلة الشعبية صاحبة المصلحة في التغيير التي قادها عبد الناصر ستتحرك لتنتج كتلة بحالها تواجه، وليس عبد الناصر فقط”.
“فتح” غير خائنة ولا “حماس” أكثر ثورية
أعادت حرب الإبادة على غزة، على مدى عامين، اكتشاف العمق العالمي الأممي للقضية الفلسطينية عند الشعوب والشباب، بما في ذلك في الولايات المتحدة. وعندما كان جورج منخرطا في صفوف الجبهة الشعبية والفصائل المسلحة الثورية اللبنانية، اتسمت هذه المرحلة بين نهاية الستينيات ومنتصف الثمانينيات بمشاركة غير العرب في الكفاح المسلح للثورة الفلسطينية. لكن لاحقا أصبحت المقاومة في فلسطين ولبنان بمثابة احتكار أو شبه احتكار للإسلاميين (حماس والجهاد وحزب الله) تحت عنوان “المقاومة الإسلامية”.
لذا فالسؤال: هل يرى جورج إمكانية لعودة نوع من الأممية الكفاحية لأجل تحرير فلسطين وكافة الأراضي العربية المحتلة التي تحتلها إسرائيل؟
أجاب قائلا: “القضية الفلسطينية تمر بمراحل صعبة ودقيقة، والمشروع الوطني الفلسطيني في أزمة، والبرجوازية الفلسطينية ومعها غيرها من البرجوازيات العربية انتقلت إلى موقع العدو بشكل أو بآخر. هذا لا يعني أن (فتح) أصبحت خائنة أو كون (حماس) أكثر ثورية، بل يعني أن شعبنا بكل منظماته يواجه أزمة صعبة. وعلينا أن ننظر إلى إسرائيل بمنظور عالمي، كامتداد للغرب الإمبريالي، ولا يمكن الانتصار عليها إلا إذا ارتقينا إلى هذا المستوى”.
قال: “طوفان الأقصى جعل إسرائيل تعيش آخر فصولها تاريخيا ووجوديا. مع أن المفترض أن الثورة الفلسطينية بعد كل هذه السنوات تقوم بأكثر من طوفان أقصى واحد، لكن يظل صحيحا كون طوفان الأقصى تخطى في آثاره من قام به كعملية عسكرية (كتائب الأقصى/حماس).
أرى أن التيار الإسلامي المقاوم يعمل على ذات أرضية النظام الرأسمالي أيديولوجيا، لكنه مقاوم وطني يريد تحرير الأرض كسائر التيارات الوطنية في فلسطين والدول العربية. لنقل ببساطة إن الكيان الصهيوني فشل في إبادة شعب فلسطين، هذا لا يمكنه، وإن مارس عنفا بربريا، وحتى هذا لن يمنع الكتلة الشعبية الفلسطينية من التشكل”.
يرى فرصة لجبهة مقاومة وطنية جديدة
قال: “نحن في لبنان بصدد إعادة بناء وتكوين مقاومة وطنية، تدفع باتجاهها الكتلة الشعبية صاحبة المصلحة في التغيير، وفي هزيمة إرث أيديولوجية الزعيم المقدس. وهذه الجبهة الوطنية المقاومة الجديدة مطروحة على المجتمع في لبنان وعلى حزب الله. هو نفسه يطرحها حاليا تحت تسمية (هيئة وطنية مقاومة)، يطرح مقاومة علمانية وأمام الجميع في مؤتمراته”.
كيف؟
أجاب: “طرح ممثل حزب الله الحاج محمود القماطي في المؤتمر القومي العربي في لبنان بكل بساطة إقامة (الهيئة الوطنية للمقاومة)، على أن تضم كل مقومات المجتمع اللبناني، أي أن تكون ذات هوية وطنية لبنانية مقاومة لإسرائيل، إذ لم يعد لطائفة واحدة الانتقال من الدفاع إلى الهجوم والانتصار بمفردها، عليها التحول إلى حالة وطنية لتشاركها سائر الطوائف، وأرى أن كافة الأحزاب الوطنية تدفع في هذا الاتجاه حاليا”.
لكن هذه الأحزاب المسماة وطنية أصبحت ضعيفة، ولا وزن لها كما كان الحال سابقا؟
أجاب: “هذا هو حال مجتمعنا اللبناني، متعدد الطوائف والأحزاب، وحتى أحزاب اليمين المرتمية في أحضان الاستعمار، “القوات اللبنانية” مثلا، لا تمثل شيئا في المجتمع، بينما تبقى الأحزاب الوطنية اليسارية ذات بعد وعمق تاريخي في مواجهة الاستعمار”.
وكيف تتصور أن تنتقل هذه الأحزاب فجأة هكذا إلى حالة أخرى غير ما أصبحت عليه؟
أجاب: “هذه الأحزاب تسعى الآن لتشكيل جبهة وطنية تحمل بندقية المقاومة، وحماية هذه البندقية لن تتم إلا من خلال الجبهة الوطنية. مسؤولية هذه الأحزاب كبيرة جدا، وبالأخص أذكر الحزب الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي. هي أحزاب لن تخرج من أزمتها إلا من خلال المشاركة الفاعلة في مهمتين مترابطتين هما: مقاومة المحتل وإسقاط الدولة الكولونيالية التي تفتت المجتمع اللبناني”.
لكن حزب الله انخرط في حماية هذه الدولة نفسها وكان جزءا منها؟
أجاب: “هذا من النقد الموجه لحزب الله. لكنه يظل حزبا كبيرا، ومن حيث التركيبة الاجتماعية يمثل الطائفة الأولى (الشيعة) التي لا تقبل بإسرائيل في جنوب لبنان، وحزب الطائفة يلعب دور وكيل مصالحها. وكسائر الطوائف يضم شرائح اجتماعية مختلفة، وبقدر ما يستطيع تشكيل إطار وطني للمقاومة بقدر ما يحول دون خيانة البرجوازية لجماهيرها وشهدائها. هذه الجماهير ذات مصلحة من أجل جيش وطني مسلح غير طائفي”.
لكن حزب الله تحت ضغط كبير لنزع سلاحه؟
أجاب: “لن ننتهي إلى نزع سلاح حزب الله، وحصر سلاح الحزب الثقيل في هذا المكان أو ذاك أراه مسألة ثانوية، فالهدف المركزي هو التطبيع مع إسرائيل.
بقدر ما تستطيع الجماهير اللبنانية تشكيل (الهيئة الوطنية للمقاومة) بقدر ما تحول دون التطبيع، وحتى لو كانت الرجعية العربية تلقي بكامل ثقلها الآن وفي المستقبل القريب لقبول لبنان بالتطبيع، فموازين القوى ما زالت في صالح رفض التطبيع”.
لا يلوم الجماهير المصرية ويحيي مظاهرات المغرب
قال جورج: “السؤال المطروح اليوم: هل بوسع لبنان وحده مواجهة التطبيع، أم سيلعب دور الرافعة الثورية لحراك جماهيري عربي ضد التطبيع؟ وهل ستترك الجماهير المصرية التي يتجاوز عددها المائة مليون لبنان وحده، بملايينه الأربعة، يتحمل بمفرده عبء هذه المواجهة أم تتحرك؟. البعض يرى أن الجماهير المصرية ستنتفض وتعيد مصر إلى موقعها الطبيعي، وتتخلص من عصر محميات الخليج وسطوتها على الوطن العربي، فالبرجوازيات العربية دفعت لتغييب الدور المصري تغييبًا كليًا، وفي لوحة الاستراتيجية الأمريكية دور مصر ملغى، ويتحدثون عن السعودية والخليج العربي.
وأنا أرى أن جسم الجيش المصري، باستثناء شريحة، رفض تهجير فلسطينيي غزة أثناء حرب الإبادة، وهو جيش يمتلك طاقات عسكرية كبيرة، وداخله تطلعات للانفتاح على روسيا والصين. وإلى الآن لا يستطيع إسرائيلي التجول سائحا في القاهرة، وهذا ما لا يحدث في المغرب ودول الخليج”.
جورج لا يلوم الجماهير المصرية لأنها لم تخرج بالشكل الواجب المنتظر لدعم غزة في مواجهة حرب الإبادة، ويقول:
“اللوم على القيادات والأحزاب. لا أستطيع أو أسمح لنفسي بالتطاول على جماهير مصر وتوجيه اللوم لها”.
ولأن مدن المغرب عرفت أضخم المظاهرات في العالم العربي تضامنا مع غزة، قال جورج:
“هذا دليل عافية، فالجماهير خرجت للشوارع بشكل راق، وترى الجد والجدة والأم والأب والأطفال خرجوا معا في كل المدن. بالطبع هذا دليل عافية نراهن عليه مستقبلا، حتى إن خبراء النظام من الأمريكيين والإسرائيليين والفرنسيين نصحوا النظام بألا يقمعها، كي لا تجر عليه الطوفان، والآمال معقودة على تجذر هذا الحراك المغربي”.
جورج يعتبر أن صيرورة تشكل أو تكوين الكتلة الشعبية ذات المصلحة في التغيير في الوطن العربي لا تكتمل إلا بفتح ملف القواعد العسكرية الأمريكية على الأراضي العربية، ومواجهة هذا الملف. بل يرى أن فتح الملف سيؤثر مباشرة على فرص بناء هذه الكتلة.
تراجع دور المرأة في الثورة.
يلفت النظر كيف همش دور المرأة في الكفاح المسلح ضد الصهيونية والاستعمار وتضاءل فلسطينيا ولبنانيا، فكيف يرى جورج عبد الله هذا الأمر، وخصوصا إذا استدعينا كتابات “فرانز فانون” في الخمسينيات عن كيف غيرت الثورة الجزائرية المرأة وعلاقتها بالمجتمع وأسهمت في تحريرها؟ ألا يستحق المراجعة كيف هي مكانة المرأة عند الإسلاميين في ظل حماس وحزب الله؟
أجاب: “رأيي أن المرأة مرشحة لأن تلعب الدور الأساسي في هذا المجال في لبنان. لننظر إلى هذا التجمع الكبير في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد حسن نصر الله، حيث ظهر حشد نسائي يفوق أي حشد نسوي في الوطن العربي، ولأي تنظيم أو دولة. كن في مكان التجمع غير مطأطآت الرؤوس في خوف أو خجل، كانت عيونهن كلها تتحدى. صادف أن مررت شخصيا داخل الصفوف الممتدة لأكثر من كيلومتر، فكن يسابقن لأخذ صور معي. لم يترددن ولو لحظة في النظر إلي كجورج المسيحي الماروني أو الشيوعي، بل كن ينظرن إلي وببساطة باعتباري مقاوما. وهذا ما يدعوني للتفاؤل بأنهن سيأخذن مواقع متقدمة قريبا في النضال”.
تحولات المجتمع اللبناني
كيف يرى جورج عبد الله بعد غياب 41 سنة المجتمع اللبناني، وما الذي تغير واختلف؟
هنا اعتبر أن التطور ليس بالسوء الذي كان يتوقعه، قال: “فوجئت باستعداد الجماهير للصمود بعد ضربات قاسية جدا تلقتها قيادة المقاومة. عدت إلى لبنان بعد هذه الضربات فاستقبلتني جماهير شعبية بحفاوة، بينما كان يركز الإعلام الرسمي وغير الرسمي على هزيمتها وإنهاء النضال. لم أمر بأي مكان إلا وجدت قبضات مرفوعة من نساء ورجال وشباب وشيوخ، ما يعكس استعدادا للنضال يفوق ما تظهره قياداتها. هذه الحالة ستؤدي في المرحلة المقبلة لتشكل كتلة شعبية متعددة المكونات، تستفيد من إرثنا التاريخي وتستخلص دروس الماضي، تنشئ مجالسها الشعبية، وتطرح كافة المسائل المكبوتة، سواء علاقة المرأة بالرجل، أو التسليع والاستهلاك”.
المخيم الفلسطيني أصبح أكثر بؤسا
بدأ انخراط جورج عبد الله في النشاط السياسي بأن كان يجوب مخيم نهر البارد بشمال لبنان فوق دراجة نارية يوزع صحف ومجلات الثورة والثقافة، ولذا جاء السؤال: كيف أبصر هذه المخيمات بعد عودته إلى لبنان وغيابه عنها لنحو أربعة عقود؟
فأجاب: “المخيم الفلسطيني كان يشكل منطقة شبه محررة من السلطة البرجوازية اللبنانية، وأوكلت مسؤولية هذه التجمعات الفلسطينية منذ 1969 للطلائع الثورية الفلسطينية من كافة الفصائل. لكنها فشلت في تحويل المناطق شبه المحررة إلى مناطق محررة، لذلك وبعد عقود ها هي الفصائل تطلب عودة السلطة البرجوازية اللبنانية إلى المخيمات.



#بشير_الحامدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حول الحرب ضد إيران
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ...
- أصوات الدرك الأسفل
- التحرّر ليس أن ننتصر على العدوّ بل أن ننتصر على فكرة العدوّ ...
- الطاعون الكبير هو رأس المال الطاعون الكبير هو أمريكا
- تسعة نقاط حول الوضع السياسي القائم في تونس
- عن الديموقراطية
- الحياة هي الأصل: والحياة حب وخوف لا أكثر
- الكلمة ستبقى دوما للتاريخ... والتاريخ هو تاريخ المقهورين
- 17 ديسمبر على الأبواب
- لويس ألتوسير... فيلسوف الحياة المليئة تقلبات المقال 1 من 5 م ...
- الحكاية الأولى: مقطع قصير 5
- الحكاية الأولى: مقطع رقم 5
- من رواية العائدون: الحكاية الأولى ـ 4 ـ
- الحكاية الأولى: العائدون ـ 3 ـ
- الحكاية الأولى: العائدون 2
- العائدون: أول الحكاية
- الفنان المغمور
- وصية - على موت على حياة -
- أنا الحزن الذي عَبَرَ الأنبياء


المزيد.....




- بعد أيام من قصف مدرسة فتيات بإيران.. ميلانيا ترامب تدعم -الس ...
- من المزاح إلى الجدل .. ماذا تكشف واقعة البلوغر المصرية وفيدي ...
- فرحان حق: الهجمات على إيران مخالفة للميثاق الأممي
- ترمب: أنا دفعت إسرائيل للانخراط في المواجهة مع إيران
- ترمب يمهد لاستخدام -الورقة الكردية- ضد إيران وهجوم يستهدف مع ...
- عاجل | ماكرون: أمرت بتوجه حاملة الطائرات شارل ديغول إلى الشر ...
- باحثة إسرائيلية: هدف الحرب ليس نووي إيران وإنما التفوق الصين ...
- ترمب: إسبانيا رفضت مشاركة قواعدها بالحرب لكننا قادرون على اس ...
- خبير عسكري: إسرائيل ستحاول تدمير ما بين -الخط الأزرق- و-اللي ...
- خبراء: الحرب على إيران تقرر مستقبل نتنياهو السياسي


المزيد.....

- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشير الحامدي - جورج عبد الله ل”لكم” من بيروت: لا أفكر في مشروع سياسي أو تنظيمي جديد ولا أغادر لبنان لأسباب أمنية