أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشير الحامدي - حول الربيع العربي















المزيد.....

حول الربيع العربي


بشير الحامدي

الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 18:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


النص هو جواب للسيد رزكار عقراوي عن سؤال يخص رؤيته حول ما حدث سنتي 2010 2011 في المنطقة و هي إجابة واحدة عن سؤال واحد من ضمن جملة أسئلة ستنشر في كتاب في آخر الشهر بعنوان حوارات في الراهن السياسي مع السيد رزكار عقراوي وصالح مصباح ورياض الشرايطي وفتحي الحامدي

س: يتحدثون كثيرا عن الربيع العربي لكننا رأينا خريفاً وشتاءً، فماذا تقول؟ وأين يكمن الإخفاق الأساسي

ج: وصفت هذه الانتفاضات عام 2011 بثورات اليسار الإلكتروني غير المنظم، وأعتقد أن هذه التسمية ما زالت حتى اليوم من أكثر التوصيفات دقة لما جرى. قلت اليسار الإلكتروني لأن المطالب التي رفعتها الجماهير في جوهرها لم تكن دينية ولا طائفية ولا رجعية، وإنما كانت مطالب يسارية بامتياز: إسقاط الاستبداد، والكرامة، والحرية، والعدالة الاجتماعية، ووقف النهب والفساد، ورفض الإهانة اليومية التي عاشتها الشعوب تحت الأنظمة القائمة. وقلت غير منظم لأن القوى التي فجَّرت هذه اللحظة التاريخية لم تكن تمتلك تنظيماًسياسياً متماسكاً ولا برنامجاً انتقالياً واضحاً ولا أدوات قادرة على تحويل الشارع إلى سلطة بديلة أو إلى مشروع سياسي مستقر.
وما يستحق الإشارة إليه هنا أن هذه الانتفاضات كانت من أولى التجارب التاريخية الكبرى التي أثبتت فيها شبكات التواصل الاجتماعي والأدوات الرقمية قدرتها على التحشيد الجماهيري الواسع والسريع، وعلى تجاوز الرقابة الأمنية التقليدية، وعلى خلق فضاء تنظيم بديل متعدد المنابر يعمل
وفق نقاط التقاء مشتركة ويتجاوز الهياكل الحزبية القديمة.
لم يسبق في التاريخ الحديث أن تمكَّنت الجماهير من التواصل والتنسيق والتعبئة بهذه السرعة والكثافة دون قيادة مركزية أو منظمة تقليدية. لكن هذه الأداة ذاتها كشفت عن حدودها الكبرى، فالتحشيد الرقمي يستطيع أن يُفجِّر لحظة الغضب ويُضخِّمها، لكنه لا يستطيع وحده أن يُنتج البرنامج السياسي، ولا أن يبني المؤسسات، ولا أن يُدير مرحلة انتقالية شديدة التعقيد.
الذين نزلوا إلى الميادين كانوا يعرفون بوضوح ما يرفضونه، وكان وعيهم بالغضب والظلم عالياً جداً، لكنهم لم يكونوا مجهَّزين بما يكفي لتحديد
الطريق الذي يجب أن يُسلك بعد سقوط رأس النظام أو تراجع السلطة في الشارع. هذه ليست إدانة أخلاقية للشباب الذين ثاروا، وإنما تشخيص
سياسي لحدود اللحظة. فالثورات لا تنتصر فقط بقوة الاندفاع الشعبي، وإنما أيضاً بوجود أدوات تنظيمية وبرامج وقيادات وتحالفات ومؤسسات
قادرة على إدارة الصراع في مرحلته التالية. كما أن القوى اليسارية والتقدمية التي كان ينبغي أن تكون في قلب هذه اللحظة لم تكن جاهزة بالمستوى المطلوب. كثير منها كان منهكاً تنظيمياً، أو معزولاً عن المجتمع الحقيقي بسبب القمع والنضال السري، أو مشغولاً بخلافات داخلية أو خطاب فكري لم يتجدد وفاقداً للمرونة المطلوبة لفهم الواقع الجديد. في المقابل، كانت الحركات الدينية السياسية أكثر جاهزية، لأنها تمتلك شبكات اجتماعية واسعة، وتنظيماً أكثر تماسكاً، وخبرة في العمل المجتمعي والخيري، وقدرة على قطفالثمار السياسية للغضب الشعبي حتى حين لا تكون هي من زرع هذا الغضب. ولا يمكن فهم ما جرى أيضاً من دون إدراك الدور الحاسم للثورة المضادة. فالأنظمة القديمة لم تنهَر ببساطة، والقوى الإقليمية والدولية لم تبقَ متفرجة. كان هناك قرار عميق بإعادة ترتيب الفضاء العربي بما يمنع تحوله إلى فضاء تحرري ديمقراطي حقيقي. لهذا دخل المال السياسي والسلاح والإعلام والتدخل الإقليمي، وأُعيد تدوير أنظمة أو مؤسسات أو نخب قديمة بواجهات جديدة. وفي بعض الحالات، جرى دفع المجتمعات عمداً نحو العسكرة أو الحرب الأهلية أو الانقسام الطائفي من أجل تدمير المعنى التحرري الأول للانتفاضات. وقد وظَّفت قوى الثورة المضادة هي الأخرى الفضاء الرقمي بكفاءة لافتة، سواء في نشر التضليل، أو في تأجيج الانقسامات الهوياتية، أو في إعادة تشكيل الرأي العام داخل الحركات نفسها، مما كشف أن الأداة الرقمية ليست محايدة ولا محمية من التوظيف المضاد. هنا يمكن تحديد الإخفاقات الأساسية التي جعلت الربيع يتحول إلى خريف وشتاء:.
أول الإخفاقات وأعمقها كان غياب المشروع السياسي البديل. الذين خرجوا إلى الساحات كانوا يعرفون ما الذي يريدون إسقاطه، لكنهم لم يملكوا تصوراً متكاملاً لما ينبغي أن يُبنى مكانه. شعار كان شعاراً عظيماً » الشعب يريد إسقاط النظام « وصحيحاً ومحركاً، لكنه بقي في كثير من الحالاتعند مستوى النفي، ولم يرتقِ إلى مستوى الإثبات. لم يتحول إلى برنامج واضح يجيب عن أسئلة السلطة، والدستور، والاقتصاد، والعدالة الانتقالية، وشكل الدولة، وآليات إعادة بناء المؤسسات. وحين تسقط منظومة قديمة، فإن الفراغ لا يبقى فراغاً، وإنما تملؤه بسرعة القوى الأكثر تنظيما واستعداداً..
ثاني الإخفاقات تمثَّل فيما أسميه أزمة التنظيم والقيادة. في مرحلة الاحتجاج، كان الطابع الأفقي واللامركزي للحراك ميزة حقيقية، لأنه صعَّب على الأنظمة احتواءه أو تصفيته بسهولة، وأعطى الحركة مرونة وانتشاراً وسرعة. لكن هذه الميزة نفسها تحولت في مرحلة التفاوض والانتقال إلى نقطة ضعف قاتلة. حين تصل الثورة إلى لحظة الحوار أو الصدام الحاسم حول السلطة، تظهر أسئلة لا يمكن الهروب منها: من يتحدث باسم الحراك، من يفاوض، من يقرر، من يضع الخطوط الحمراء، من يحسم الخلافات الداخلية. الشبكات غير الهرمية تمنح الزخم، لكنها لا تكفي وحدها لبناء سلطة بديلة أو إدارة مرحلة انتقالية شديدة التعقيد. .
ثالث الإخفاقات كان غياب التحالفات السياسية الواضحة والمتماسكة. القوى اليسارية والتقدمية والديمقراطية لم تُنجز في الوقت المناسب عملاً جدياً لتوحيد صفوفها أو لبناء جبهة مشتركة واسعة قادرة على أن تكون عنواناً سياسياً للحراك. بقي كثير منها داخل حدود تنظيمه الضيق، أو داخل حساسياته التاريخية، أو داخل خلافاته الصغيرة، فيما كانت المعركة تتطلب جهداً جماعياً مؤثراً وقدراً أعلى من المرونة والشجاعة والرؤية المشتركة..
رابع الإخفاقات كان الاستهانة بالثورة المضادة. الأنظمة القديمة، والأجهزة العميقة، والقوى الإقليمية والدولية، لم تقف في موقع الدفاع السلبي. أعادت تنظيم صفوفها بسرعة، واستثمرت الوقت والإرهاق والانقسامات، وأشعلت التناقضات الطائفية والمناطقية، واستعانت حيث لزم الأمر بالإسلام السياسي، أو بالجيش، أو بالإعلام، أو بالمال الخارجي، أو بالفوضى المسلحة، من أجل حرف الانتفاضات عن مسارها. كثير من الثوار لم يُدركوا في البداية أن إسقاط رأس النظام لا يعني إسقاط النظام، وأن البنية الأعمق للسلطة أكثر تعقيداً وتجذراً وقدرة على إعادة إنتاج نفسها. وهناك أيضاً إخفاق خامس لا يقل أهمية، وهو ضعف الرؤية الاقتصادية والاجتماعية الملموسة.
كثير من الانتفاضات رفعت شعارات الحرية والكرامة، لكنها لم تُبلور بالوضوح الكافي خطاباً اجتماعياً واقتصادياً يفهمه الفقراء والعاطلون والعاملات والعمال، ويُعطيهم صورة واضحة عن مستقبلهم المادي بعد التغيير. وحين تغيب هذه الرؤية، يصبح من السهل على القوى المحافظة أو الشعبوية أن تُخيف الناس من التغيير، أو أن تقدم لهم وعودا بسيطة وسريعة أكثر قابلية للتصديق. لهذا كله، أقول إن ما حدث لم يكن وهماً أو مؤامرة أو خطأً من أصله. ما حدث كان انفجاراً اجتماعياً وسياسياً حقيقياً ومشروعاً. والإخفاق لم يكن أخلاقياً، وإنما سياسياً وتنظيمياً واستراتيجياً. الربيع العربي لم يتحول إلى خريف وشتاء لأن الشعوب أخطأت في رفض الاستبداد، وإنما لأن قوى التغيير لم تكن قد بنت بعد الأدوات القادرة على حماية هذا الرفض وتحويله إلى مشروع تاريخي مستدام. والدرس هنا ليس جلد الثورات أو تمجيدها، وإنما التعلم منها بجدية: الثورات لا تنتصر بالنية الحسنة، ولا بالبطولة وحدها، وإنما أيضاً بالتحضير والتنظيم، والرؤية، والقدرة على إدار الصراع بعد لحظة الانفجار الأول... .



#بشير_الحامدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عائد لمواصلة الحياة عوض المناداة بالتشغيل لمن سنهم فوق الأرب ...
- عن رواية أرض الدماء و الدموع
- من يحكم تونس
- كي لا ننسى وكي تكون لنا ذاكرة
- حروب اللا منتصر
- كي لا ننسى وكي تكون لنا ذاكرة. (هذا النص كتب بعد أن شاهدت في ...
- عن رواية -دفاتر الجيلاني ولد حمد- للكاتب الروائي الصحبي الكر ...
- السقوط ليس حدثًا طارئًا، بل قابلية كامنة
- السيادة الوطنية !!!؟؟؟
- الديموقراطية أم السيادة على القرار
- الكسب الحقيقي للمقاومة من وراء الحرب الأمريكية الصهيونية على ...
- جورج عبد الله ل”لكم” من بيروت: لا أفكر في مشروع سياسي أو تنظ ...
- حول الحرب ضد إيران
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ...
- أصوات الدرك الأسفل
- التحرّر ليس أن ننتصر على العدوّ بل أن ننتصر على فكرة العدوّ ...
- الطاعون الكبير هو رأس المال الطاعون الكبير هو أمريكا
- تسعة نقاط حول الوضع السياسي القائم في تونس
- عن الديموقراطية
- الحياة هي الأصل: والحياة حب وخوف لا أكثر


المزيد.....




- صدارات مركز مندلي/ ج3
- مرتديًا الزي العسكري.. السيسي يفتتح مقر -الأوكتاغون- بالعاصم ...
- جنازة المرشد الإيراني علي خامنئي -تفاجئ- ترامب: كنت أعتقد أن ...
- -أصرّ على المشاركة-.. تقرير: مجتبى خامنئي مُنع من حضور تشييع ...
- اتهام طالب أميركي في القدس بالتجسس لصالح إيران.. ما المهام ا ...
- موسيقات جنائزية و-آيات مختارة-، كيف قرأت منصات التواصل مراسم ...
- السيسي يظهر بالبدلة العسكرية في عرض عسكري مهيب
- رئيس الوزراء البولندي: وارسو تنتظر من كييف خطوة أولى بعد فضي ...
- مصر تشدد على ضرورة انسحاب إسرائيل من قطاع غزة.. وتكشف تطورات ...
- حزب -البديل من أجل ألمانيا- يعيد انتخاب فايدل وكروبالا لرئاس ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشير الحامدي - حول الربيع العربي