ثامر الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 20:49
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
ثمة آية واحدة، لو تأملها الإنسان حق التأمل، لكفته دستورًا كاملًا يضبط علاقته بكل ما يسمعه ويراه ويصدّقه طوال حياته. يقول الله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. لا تبدو هذه الآية للوهلة الأولى إلا توجيهًا أخلاقيًا عابرًا، من ذلك النوع الذي نمر عليه في قراءاتنا اليومية دون أن نمنحه وقفة حقيقية. لكنها حين تُقرأ بعين متأنية تكشف عن نفسها بوصفها شيئًا أعمق بكثير: نظرية معرفية متكاملة، تضع الإنسان أمام مسؤوليته الكاملة عن كل ما يعتقده ويردده وينقله عن غيره، بل تكاد اليوم، كما سنرى، تسبق أحدث ما توصل إليه العلم الحديث في فهم كيفية عمل العقل حين يواجه خبرًا لا يملك عليه دليلًا.
حين يصبح الاتباع بلا علم جريمة معرفية
الفعل الذي اختاره النص القرآني، "تقفُ"، مأخوذ من "قفا أثره"، أي سار خلفه واتبع خطاه. غير أن النهي هنا لا ينصرف إلى مجرد السير خلف شخص بالمعنى الحسي، بل يمتد ليشمل كل اتباع فكري: أن تتبنى رأيًا لأن قائله مشهور، أو تردد خبرًا لأنه انتشر، أو تصدر حكمًا على إنسان أو قضية لأن الجميع يفعلون ذلك. القرآن هنا لا يكتفي بتحريم الكذب أو الافتراء، بل يذهب إلى جذر المشكلة: الاتباع نفسه حين يخلو من العلم. فالآية تمنع تبني موقف بدافع العاطفة أو الانسياق مع التيار، وتمنع تكرار قول لم يُتحقق منه، وتشترط لكل اتباع شرطًا واحدًا لا بديل عنه، هو العلم. والعلم في هذا السياق ليس تكديسًا للمعلومات ولا حفظًا للأخبار، بل معرفة قائمة على تحقق حقيقي وضبط داخلي. وبهذا الشرط وحده ينتقل الإنسان من موقع التابع المنقاد إلى موقع الفاعل المسؤول عن كل كلمة يتفوه بها.
السمع والبصر والفؤاد.. ثلاثية الإدراك الإنساني
لا تكتفي الآية بالنهي المجرد، بل تكشف في الوقت نفسه عن البنية التي يُدرك بها الإنسان العالم من حوله، محددة إياها بثلاث أدوات لا رابعة لها. أولها السمع، وهو البوابة التي يدخل منها كل خبر لم يشهده الإنسان بنفسه، من الروايات والأقوال والشهادات المنقولة، وهو أكثر هذه الأدوات عرضة للتضليل إن لم يُخضع لتمحيص. وثانيها البصر، وهو مدخل المشاهدة المباشرة والمعاينة والتجربة الحسية، لكن القرآن لا يمنحه حصانة مطلقة، فالمشاهدة نفسها قد تخدع، وما يظهر للعين قد لا يطابق الحقيقة في جوهرها. وثالثها، وهو الأهم، الفؤاد، لا العقل كما قد يُظن للوهلة الأولى. واختيار لفظ "الفؤاد" هنا له دلالته الخاصة، فهو من "فأد"، أي اشتد حره واتقد، بما يشير إلى عقل متفاعل حي، لا أداة حساب باردة، عقل يختبر ما يصله من السمع والبصر، ويوازن بينهما، وينقّي المعطيات من الهوى والظن قبل أن يصدر حكمه. وبهذا يكون الفؤاد هو مركز القرار المعرفي في الإنسان، الحلقة التي تربط ما يُسمع بما يُرى، ثم تفرز منهما ما يستحق أن يُصدَّق مما لا يستحق.
المسؤولية التي لا يشاركك فيها أحد
تختم الآية بقوله تعالى: ﴿كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، وفي هذا الختام إعلان صريح لا لبس فيه: أن الإنسان مسؤول شخصيًا عما يسمعه، وعما يراه، وعن الطريقة التي يفكر بها. وهذه نقلة جوهرية في تاريخ الفكر الإنساني، ذلك أن المسؤولية في أغلب المنظومات الفكرية كانت تُلقى على المصدر، على القائد أو الزعيم أو صاحب الرأي الذي يُقتدى به، بينما يظل التابع بريئًا لأنه "لم يفعل سوى أن اتبع". أما هنا فالمعادلة تنقلب تمامًا: الفرد ذاته هو المسؤول، لا لأنه أخطأ في الفعل فحسب، بل لأنه يملك أصلًا أدوات الإدراك التي كان بوسعه أن يستخدمها فيتحقق قبل أن يتبع. فامتلاك السمع والبصر والفؤاد ليس نعمة صامتة، بل تكليف يستوجب المساءلة.
حين يتحول العالم الرقمي إلى ميدان اختبار لهذه الآية
قد يبدو الحديث عن آية نزلت قبل أربعة عشر قرنًا بعيدًا عن واقعنا، لكن المتأمل يجد أن هذه الآية بالذات تخاطب عصرنا بحدّة لم تكن متوقعة. فإذا كانت الحواس في الأزمنة الغابرة مصدرًا قويًا نسبيًا لليقين، فإن عصرنا الرقمي يشهد قابلية غير مسبوقة لتزييف كل ما تصل إليه هذه الحواس، من صور مفبركة، إلى مقاطع صوتية مصطنعة، إلى فيديوهات مركبة يصعب على العين المجردة كشفها. وهنا تتأكد مركزية الفؤاد أكثر من أي وقت مضى، بوصفه الأداة الوحيدة القادرة على التمحيص، تلك التي لا تنخدع بالمظهر ولا تكتفي بأن الصورة "تبدو حقيقية". وفي هذا الفضاء المزدحم بالمعلومات، تصبح إعادة نشر خبر دون تحقق صورة معاصرة من "القفو" الذي نهت عنه الآية، ويصبح تصديق كل ما يُرى أو يُسمع دون تمحيص تعطيلًا فعليًا لأداة الفؤاد التي وهبها الله للإنسان.
حين يصف العلم اليوم ما وصفه القرآن أولًا
واللافت أن هذا التماس بين الآية وواقعنا الرقمي ليس انطباعًا أدبيًا فحسب، بل يجد ما يسنده في أحدث ما طُرح فعليًا في حقل نظرية المعرفة المعاصرة. فمنذ أن صاغ عالم الإدراك دان سبربر وزملاؤه نظرية "اليقظة المعرفية"، عادت هذه النظرية لتحتل صدارة النقاش البحثي بقوة خاصة في السنوات الأخيرة، بسبب انفجار ظاهرة التضليل الرقمي والمحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي. وخلاصة هذه النظرية أن الإنسان، بحكم اعتماده الكلي على التواصل مع غيره لتحصيل معرفته، يظل عرضة دائمة للخداع، سواء كان مقصودًا أو غير مقصود، ولهذا طوّر عقله آليات معرفية متخصصة وظيفتها ليست الثقة العمياء ولا الرفض المطلق، بل ما يسمى بـ"الثقة المعايرة"، أي تقييم كل خبر وارد بناءً على معيارين متلازمين: مدى موثوقية مصدره، ومدى معقولية مضمونه في ذاته. ويشدد الباحثون في هذا الحقل على أن اليقظة المعرفية ليست نقيض الثقة، بل نقيض الثقة العمياء وحدها، وهو بالضبط ما تفعله آية الإسراء حين لا تنهى عن الاتباع مطلقًا، بل تنهى عن الاتباع الخالي من العلم.
هذا التقارب ليس سطحيًا. فحين تشترط الآية العلم قبل القفو، وحين تفرّق النظرية الحديثة بين مصداقية المصدر ومعقولية المضمون، فإنهما يصفان العملية العقلية ذاتها بمصطلحين مختلفين: الأولى تسميها "علمًا"، والثانية تسميها "تقييمًا معايرًا". وحين يتحدث الباحثون المعاصرون عن أن يقظة الإنسان تشتد أو تخف بحسب أهمية الخبر وصلته به، فإن هذا لا يبتعد كثيرًا عن الوظيفة التي أسندتها الآية إلى الفؤاد، ذلك أنه لا يعمل بدرجة واحدة ثابتة، بل تشتد يقظته كلما ازدادت خطورة ما يُراد تصديقه. بل إن أحدث الأبحاث التي ظهرت في العامين الأخيرين مع تصاعد المحتوى المزيف بالذكاء الاصطناعي، بدأت تربط هذه اليقظة بما يسمونه "التواضع الفكري"، بوصفه آلية تضبط عتبة الشك عند الإنسان، أي أن يعرف حدود معرفته فلا يندفع للحكم على ما لا علم له به، وهو جوهر النهي القرآني ذاته: أن ما ليس للإنسان به علم لا يجوز أن يتبعه، وأن الاعتراف بحدود ما يعرفه هو الشرط الأول ليكون مؤهلًا لتصديق أي شيء أصلًا.
غير أن الفارق الحاسم بين الطرحين يبقى قائمًا، ويكمن في موضع المسؤولية. فنظرية اليقظة المعرفية، بوصفها نظرية علمية تجريبية، تكتفي بوصف الآلية: كيف يعمل العقل حين يواجه معلومة واردة من الخارج، وكيف تطورت هذه القدرة عبر مسار التطور البيولوجي والاجتماعي للإنسان. أما الآية فتذهب إلى ما هو أبعد من الوصف، إذ تحوّل هذه الآلية الإدراكية نفسها إلى موضع مساءلة أخلاقية، فتقرر أن الإنسان "مسؤول" عن سمعه وبصره وفؤاده، لا لأنها أدوات تعمل بكفاءة أو بقصور، بل لأن امتلاكها أصلًا يستوجب استخدامها بأمانة. وبعبارة أخرى، تكشف النظرية الحديثة آلية الفؤاد، بينما تُلزم الآية الإنسان بضميره. فأحدث ما وصل إليه العلم اليوم في فهم كيفية حماية الإنسان من التضليل لم يفعل، في جوهره، سوى أن أعاد اكتشاف البنية ذاتها التي أرستها آية الإسراء منذ أربعة عشر قرنًا: سمعٌ يستقبل، وفؤادٌ يمحّص، ومسؤوليةٌ لا مفر منها على من يملك هذه الأدوات. غير أن القرآن يمضي إلى ما لا تبلغه النظرية العلمية، ولن تبلغه أصلًا بحكم طبيعتها، حين يجعل هذه الآلية ليست مجرد وسيلة للنجاة من الخداع والبقاء آمنًا في عالم مليء بالتضليل، بل مناط محاسبة أمام الله وحده.
من الوعاء إلى الراصد
في ضوء كل ما تقدم، يعيد القرآن تعريف الإنسان تعريفًا مغايرًا لما ألفناه. فالإنسان هنا ليس وعاءً فارغًا تُسكب فيه المعلومات من كل حدب وصوب لتستقر فيه كما هي، بل هو راصد فعّال، وظيفته أن يحلل قبل أن يقبل، وأن يختار قبل أن يتبع. فإذا سمع الإنسان إشاعة، ولم يجد لها دليلًا يسنده بصره، ولم يطمئن إليها فؤاده بعد الموازنة والتمحيص، فإن اتباعها عندئذ يكون خرقًا صريحًا لهذا المنهج المعرفي الذي أسسته الآية، ويكون في الوقت نفسه، بلغة العلم الحديث، تعطيلًا لآلية اليقظة المعرفية التي منحها الله للإنسان أصلًا لحمايته. وصيانة الفؤاد، في ضوء هذا الفهم المزدوج، ليست ترفًا فكريًا ولا مجرد أداء لواجب ديني، بل هي صيانة لوجود الإنسان الحر نفسه، لأن الفؤاد هو موطن الوعي، وموطن الحرية، وموطن المسؤولية في آن واحد. وصيانته تعني تجنب التسرع في الحكم، ونقد المصادر قبل تصديقها، ومقاومة الانفعال اللحظي الذي يدفع الإنسان إلى ردة فعل سريعة يندم عليها بعد حين.
خاتمة: من نص يُتلى إلى منهج يُمارس
إن آية ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ليست نهيًا أخلاقيًا عابرًا يُقرأ ويُطوى، بل هي تأسيس متكامل لنظرية معرفية قرآنية، تضبط الاتباع بشرط العلم، وتحدد أدوات الإدراك الثلاث ومسؤولية كل واحدة منها، وتحمّل الفرد وحده مسؤولية قراراته المعرفية، وتدعوه إلى الانتقال من التلقي السلبي إلى الفحص الواعي في كل ما يمر أمام سمعه وبصره. وحين يجد الإنسان المعاصر أن أحدث ما توصل إليه العلم في فهم عقله يصف الآلية نفسها التي حددتها هذه الآية قبل قرون طويلة، يدرك أن القرآن لم يكتف بمخاطبة إنسان زمانه، بل خاطب الإنسان في كل زمان، بما فيه هذا الزمان الذي تتزاحم فيه المعلومات وتتزيّف فيه الصور والأصوات أكثر من أي وقت مضى. إنها آية تبني إنسانًا عصيًا على التضليل، لأنه يحمل في داخله معيارًا يميّز بين "المعلومة" التي تصله و"العلم" الذي يُحصّله بنفسه، وبين "الضجيج" الذي يعلو حوله و"الحقيقة" التي لا تظهر إلا لمن يبحث عنها بصدق. وحين يستوعب الإنسان هذا المعنى، تتحول الآية من نص يُتلى في مجالسه إلى منهج يمارسه في كل لحظة من يومه، ومن توجيه أخلاقي مجرد إلى نظام معرفي كامل يحمي الفرد ويحمي المجتمع من حوله معًا.
#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟