أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - حين يعصر الزمن الإنسان بين الربح والخسران















المزيد.....

حين يعصر الزمن الإنسان بين الربح والخسران


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 18:32
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يُقسم الله في مطلع سورة العصر القصيرة بـ"العصر"، وهو قسم يستحق أن نقف عنده طويلاً قبل أن ننتقل إلى ما بعده. فمادة (ع ص ر) في أصلها اللغوي تدل على الضغط والشدّ؛ فالعاصر هو من يضغط على الشيء ليستخرج ما في باطنه، وسُمّي الإعصار إعصاراً لأنه ريح تضغط وتلفّ ما مرّت به، وسُمّي العصر (أي الدهر والزمن) عصراً لأنه يضغط أهله بتوالي الأحداث والأيام عليهم حتى يُخرج منهم حقيقتهم، كما تُعصر الثمرة فتخرج عصارتها الحقيقية. فحين يقول الله (وَالْعَصْرِ) [العصر: 1]، فإنه لا يقسم بمجرد ظرف زمني يمرّ مرور السحاب، بل يقسم بحقيقة استخلاصية: أن الزمن يعتصر كل إنسان عصراً لا يُبقي له مجالاً للتخفّي، ويُخرج منه في النهاية معدنه الصافي أو غثاءه.
وجواب هذا القسم يأتي حاسماً وصادماً: (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) [العصر: 2]. ولفظ "الخسر" في أصله اللغوي لا يدل على مطلق النقص أو الضرر، بل يدل تحديداً على ذهاب رأس المال؛ فالخاسر هو من يخرج من الصفقة وقد فقد أصل ما استثمره لا مجرد ربحه المتوقع. وهذا فارق دقيق لا ينبغي إغفاله: فالقرآن لا يصف الإنسان بأنه "في نقص" أو "في ضرر"، بل "في خسر"، أي أن رأس المال ذاته - وهو العمر، هذا الذي عصره الزمن - هو ما يذهب هدراً ما لم يُستثمر فيما يبقى. ويزيد من قسوة الحكم أن الآية جاءت بلام التوكيد وحرف "في" الظرفية الدالة على الإحاطة، فكأن الخسران ليس أمراً يقع للإنسان من طرف واحد، بل هو محيط به من كل جانب، غارق فيه لا واقف على حافته.
الاستثناء: حين يأمن القلب فيعمل
بعد هذا الحكم العام القاطع، يأتي الاستثناء الوحيد الذي ينجو به الإنسان من هذا الخسران المحيط: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [العصر: 3]. ولفظ "الإيمان" في أصله اللغوي مأخوذ من الأمن الذي هو ضد الخوف؛ فالمؤمن هو من "أَمِن"، أي سكن قلبه واطمأن ولم يعد يخاف، لأنه استند إلى ما يُوثق به ويُركن إليه. وهذا معنى أدق بكثير من اختزال الإيمان في مجرد "تصديق ذهني" أو معرفة نظرية؛ فالإيمان في لسان القرآن حالة قلبية تُزيل الفزع والاضطراب، لا معلومة تُضاف إلى رصيد المعرفة.
أما "الصالحات" فمن أصل (ص ل ح) الدال على ضد الفساد؛ فالعمل الصالح هو العمل الذي يُصلح ما كان فاسداً ويُقيم الشيء على وجهه الصحيح، وليس مجرد "فعل خير" عام فضفاض. والقرآن حين يقرن "آمنوا" بـ"عملوا الصالحات" في نسق واحد يُقرر معادلة دقيقة: أن الأمن القلبي وحده لا يكفي لتفادي الخسران ما لم يتحول إلى فعل يُصلح واقعاً فاسداً؛ فالإيمان بلا عمل صالح أمنٌ بلا أثر، والعمل بلا إيمان حركة بلا سكينة.
التواصي بالحق: الثابت الذي لا يعصره العصر
ثم يأتي الشرطان الأخيران، وهما فعل جماعي لا فردي: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر: 3]. ولفظ "الحق" في أصله اللغوي من مادة (ح ق ق) الدالة على إحكام الشيء وصحته وثبوته ولزومه؛ فسُمّي الحق حقاً لأنه الثابت الذي لا يسقط ولا يضمحل ولا يتغير بتغيّر الأحوال والأهواء، على عكس الباطل الذي يضمحل ويزول. وقد وصف القرآن نفسه في أكثر من موضع بهذه الصفة ذاتها؛ فمن ذلك قوله تعالى: (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ) [الأنعام: 66]، حيث يصف الوحي بأنه "الحق" تحديداً بمعنى الثابت الذي لا يتزعزع بتكذيب المكذبين له. فإذا استحضرنا هذا المعنى الجذري، أدركنا أن "التواصي بالحق" ليس مجرد التذكير بصدق الكلام، بل هو تناصح الجماعة على التمسك بما لا يتغير ولا يزول وسط عالمٍ يتغير فيه كل شيء بضغط العصر نفسه.
وهنا يظهر نسيج السورة متماسكاً: فالعصر يضغط، والحق وحده هو الثابت الذي لا ينضغط ولا يتشوّه تحت هذا الضغط.
الصبر: الثبات في وجه الضغط
وأخيراً يأتي "الصبر"، ولفظه في أصله اللغوي يدل على الحبس والثبات، وهو ضد الجزع الذي هو الاضطراب والانفلات عند الشدة. فالصبر ليس - كما قد يُظن - كبتاً للرغبة أو كبحاً قسرياً لها، بل هو ثبات النفس واستقرارها حين يشتد عليها الضغط، تماماً كما يثبت الجبل في وجه الريح العاصفة. وبهذا يكتمل المشهد اللغوي للسورة في حركة واحدة متسقة: "العصر" ضغطٌ يعتصر الإنسان، و"الخسر" هو ما يحدث حين ينفلت الإنسان تحت هذا الضغط فيذهب رأس ماله هدراً، و"الصبر" هو الثبات الذي يقاوم به الإنسان هذا الضغط ذاته دون أن ينكسر أو ينجرف.
فالسورة كلها، من أولها إلى آخرها، بناء واحد محكم حول فكرة الضغط والثبات: زمنٌ يضغط، وخسرانٌ يترصد من ينفلت تحت الضغط، وأمنٌ قلبي يُخرج الإنسان من دائرة الخوف، وعملٌ يُصلح ما أفسده الانفلات، وحقٌّ ثابت لا يتزحزح مهما اشتد الضغط الخارجي، وصبرٌ هو القدرة على البقاء ثابتاً حتى نهاية العصر. أربع كلمات فقط - آمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر - هي كل ما يفصل بين إنسانٍ يخرج من عصر الزمن خاسراً رأس ماله، وإنسانٍ يخرج منه وقد استخلص عصارته الحقيقية.
حين يعصرنا العصر الرقمي
ولعل زماننا هذا هو أصدق تجسيد لمعنى "العصر" ذاته؛ فما رأيناه اليوم من انهمار الشاشات وتدفق الإشعارات وتزاحم الأصوات في فضاء رقمي لا يهدأ، ليس سوى ضغط جديد أشد وطأة من ضغوط الأزمنة التي سبقتنا، يعتصر وقت الإنسان وانتباهه وطاقته العصبية في آنٍ واحد، حتى ليخرج منه في آخر يومه فارغاً كمن عُصر فأُخذت عصارته ولم يبقَ له ما يُقدّمه لنفسه أو لمن حوله. وفي هذا الزحام يصبح "الحق" - بمعناه الجذري الثابت الذي لا يتزعزع - أعزّ ما يكون، لأن هذا العصر بالذات هو زمن تكاثر الأخبار الملفّقة وما يُصنَّع بالذكاء الاصطناعي من صور وأصوات ومزاعم تُشبه الحقيقة ولا تكون منها في شيء؛ فيغدو التواصي بالحق اليوم فعلاً يومياً ملحّاً، لا مجرد فضيلة نظرية: أن يتمسك المرء بما ثبت ولا يُساق خلف كل موجة عابرة، وأن يتحرّى قبل أن يُصدّق، وأن يُذكّر من حوله بهذا التحري بدل أن يُسهم في ترويج ما لا أصل له.
أما "الصبر" فيتجلى في هذا الزمن بصورة مختلفة عن كل ما عرفته الأجيال السابقة؛ فلم يعد الصبر - كما كان - صبراً على شحّ أو جوع أو انتظار طويل، بل صار ثباتاً أمام إغراء لا ينقطع: إغراء التمرير بلا توقف، وإغراء الانجرار خلف كل ما يلمع على الشاشة، وإغراء قياس الذات بمقاييس الآخرين المصطنعة التي يعرضونها في صورهم ومنشوراتهم. فالصبر اليوم هو ذلك الثبات الداخلي الذي يُبقي الإنسان متماسكاً وهو يُحاصَر بضغط لا يُرى ولا يُسمع لكنه أشد فتكاً من كثير مما عرفه الإنسان من قبل، لأنه ضغط لا يكفّ ليلاً أو نهاراً. وهكذا يبقى العصر - في كل زمن، وفي زماننا الرقمي على وجه الخصوص - ماضياً في اعتصار الإنسان، ولا ينجو منه إلا من ثبت بالحق واستمسك بالصبر، فخرج من هذا الضغط الهائل وقد حافظ على عصارته الحقيقية بدل أن تذهب هدراً في زحام لا ينتهي.



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التعارف لا التفاخر: حين يضع القرآن حداً فاصلاً بين الهوية وا ...
- الخطاب يصنع المسؤولية / قراءة قرآنية في بناء الإنسان الذي لا ...
- لا انفصال بين الإيمان والعمل
- الحرية شرط التكليف
- المقاصد تُحكِم فهم الجزئيات
- حين يبني القرآن الإنسان - قبل أن يشرّع له
- التكرار وسيلة لبناء المفهوم
- الهداية ليست ومضة عابرة... بل رحلة بناء لا تعرف الانتهاء
- بوصلة البدايات: من أي عتبةٍ ندخل إلى رحاب القرآن؟
- البيان قبل الإلزام: لماذا لا يُحاسبنا الله قبل أن يُعلّمنا؟
- السؤال... أول الطريق إلى الهداية
- القرآن يخاطب العقل.. لا الذاكرة
- القرآن خطاب لا نصوص متفرقة
- الرحلة السابعة والأخيرة: نحو علم نفس قرآني
- الرحلة السادسة: النفس المطمئنة.. الغاية التي تناساها علم الن ...
- الرحلة الخامسة: علاج النفس في القرآن.. لماذا يبدأ الشفاء من ...
- الرحلة الرابعة - خريطة النفس / كيف يكشف القرآن ما يحدث داخل ...
- إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- اعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...


المزيد.....




- تزايد الثقة برئيسة الحزب المسيحي الديمقراطي إيبا بوش
- رضائي: نؤيد أي مشروع للوحدة الإسلامية بشرط .. مصر وإيران يجب ...
- -نهج الله هو الرحمة والعدالة-... ناشطون يهود يواجهون عنف الم ...
- اليابان تحظر المساجد والأذان والبرقع.. ما حقيقة القوانين الم ...
- سموتريتش يعرض خطة جديدة تهدف إلى تعزيز الاستيطان اليهودي في ...
- باسم يوسف يدافع عن محمد صلاح بعد انتقاله الى طرابزون التركي ...
- بسبب نظرية مثيرة للجدل.. الجامعة الإسلامية بماليزيا تكرم أست ...
- واشنطن توجه تعليمات عاجلة لبعثاتها حول العالم لحماية الكنس و ...
- بزشكيان: الوحدة الإسلامية تعني وضع أرضية للتعاون وليس توحيد ...
- التوتر في إيران يضاعف محنة الأقليات وتيرة الانتهاكات بحق ال ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - حين يعصر الزمن الإنسان بين الربح والخسران