أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين محمود التلاوي - حريق غير مكتمل / آمبروز بيرس (قصة مُترجَمة)















المزيد.....

حريق غير مكتمل / آمبروز بيرس (قصة مُترجَمة)


حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy)


الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 10:45
المحور: الادب والفن
    


حريق غير مكتمل
أمبروز بيرس
نُشرَت في جريدة ذا واسب (الدبور) في 7 مارس 1886.
......
في وقت مبكر من صباح أحد أيام يونيو عام 1872، قتلتُ أبي؛ وهو فعل ترك في نفسي آنذاك أثرًا عميقًا. كان ذلك قبل زواجي، حين كنت أعيش مع والديَّ في ولاية ويسكونسن. كنت أنا وأبي في مكتبة منزلنا، نقسم حصيلة جريمة سطو ارتكبناها في تلك الليلة. وكانت معظم المسروقات من الأدوات المنزلية، ولم تكن مهمة تقسيمها بالعدل سهلة. سار الأمر معنا جيدًا فيما يتعلق بالمناديل والمناشف وما شابهها، كما قُسِّمت الأدوات الفضية بصورة تكاد تكون متساوية، لكن يمكنك أن تفهم بنفسك أن محاولة تقسيم صندوق موسيقى واحد بين شخصين من دون أن يتبقى منه شيء ليست بالأمر الهيّن. وكان صندوق الموسيقى هو الذي جلب الكارثة والعار على أسرتنا. ولو أننا تركناه، لربما كان أبي المسكين حيًّا حتى الآن.
كان الصندوق قطعة فنية بالغة الروعة والجمال؛ مطعَّمًا بأخشاب ثمينة، وبه نقوش شديدة الغرابة والدقة. ولم يكن يصدر مجموعة كبيرة ومتنوعة من الألحان فقط، بل كان أيضًا يصفّر مثل طائر السمان، وينبح مثل الكلب، ويصيح كل صباح عند بزوغ الفجر، سواء أكان زنبركه قد لُفَّ أم لا، كما كان يجيد عزف الوصايا العشر. وكانت هذه الميزة الأخيرة تحديدًا هي التي أسرت قلب أبي ودفعته إلى ارتكاب الفعل الوحيد المخزي في حياته، وإن كان من المحتمل أنه كان سيرتكب أفعالًا أخرى لو أُتيح له البقاء؛ فقد حاول أن يخفي صندوق الموسيقى عنّي، وأقسم بشرفه أنه لم يأخذه، مع أنني كنت أعرف جيدًا أن جريمة السطو، بالنسبة إليه، لم تُرتكب في الأساس إلا للحصول عليه.
كان أبي قد أخفى صندوق الموسيقى تحت عباءته؛ فقد كنا نرتدي عباءات للتنكر. وكان قد أكد لي في جدية تامة أنه لم يأخذه. لكنني كنت أعرف أنه أخذه، وكنت أعرف شيئًا آخر كان من الواضح أنه يجهله؛ وهو أن الصندوق سيصيح عند بزوغ الفجر ويفضحه، إذا استطعت إطالة عملية تقسيم الغنائم حتى ذلك الوقت.
وقد حدث كل شيء كما تمنيت؛ فحين بدأ ضوء الغاز في المكتبة يخفت، وبدأ شكل النوافذ يظهر خافتًا من خلف الستائر، انطلق من تحت عباءة الرجل العجوز صياح ديك طويل: "كيكي ري كي!"، أعقبته بضعة مقاطع من إحدى أغنيات أوبرا "تانهاوزر"، وانتهت بصوت نقرة مرتفع. كانت على الطاولة بيننا فأس يدوية صغيرة، استخدمناها في اقتحام المنزل المنكوب؛ فالتقطتها. وحين رأى الرجل العجوز أن إخفاء الأمر لم يعد يجدي، أخرج الصندوق من تحت عباءته ووضعه على الطاولة.
قال: "قسِّمه إلى نصفين إن كنت تفضّل هذا التصرف؛ فقد حاولت إنقاذه من التدمير".
كان مولعًا بالموسيقى إلى حد الشغف، وكان يستطيع بنفسه أن يعزف على الأكورديون بتعبير وإحساس.
قلت له: "لا أشكك في حسن نيتك؛ وسيكون من الجرأة مني أن أجلس لأحاكم أبي. لكن العمل عمل، وبهذه الفأس سأضع حدًّا لشراكتنا، إلا إذا وافقتَ على أن ترتدي في جميع عمليات السطو المستقبلية جرسًا معلَّقًا بك".
قال، بعد شيء من التفكير: «لا، لا أستطيع أن أفعل ذلك؛ فسيبدو الأمر وكأنه اعتراف بعدم الأمانة. وسيقول الناس إنك لا تثق بي".
لم أستطع إلا أن أُعجب بروحه وحساسيته؛ وللحظة شعرت بالفخر به، وهممت بأن أتغاضى عن خطئه، لكن نظرة إلى صندوق الموسيقى المرصع بالجواهر حسمت الأمر، وكما قلت، خلّصتُ الرجل العجوز من نهر الدموع هذا.
وبعد أن فعلت ذلك، شعرت بقليل من الضيق؛ فلم يكن أبي فحسب، بل كان أيضًا صاحب الفضل في وجودي؛ ثم إن الجثة كانت ستُكتشف بالتأكيد. وكان النهار قد أشرق تمامًا، وكانت أمي توشك أن تدخل المكتبة في أي لحظة. وفي ظل هذه الظروف، رأيت أن من الأنسب أن أتخلّص منها هي الأخرى؛ وهو ما فعلت. وبعدها دفعت أجور جميع الخدم وصرفتهم من المنزل.
وفي ذلك بعد الظهر، ذهبت إلى رئيس الشرطة، وأخبرته بما فعلت، وطلبت منه النصيحة؛ فقد كان سيؤلمني بشدة أن تصبح الحقائق معروفة للعامة؛ حيث كانوا سيدينون تصرفي كلهم، وكانت الصحف ستستخدم الأمر ضدي إذا ترشحت يومًا لمنصب سياسي.
أدرك رئيس الشرطة وجاهة هذه الاعتبارات؛ فقد كان هو نفسه قاتلًا ذا خبرة واسعة. وبعد أن تشاور مع القاضي الذي يرأس محكمة الاختصاص المتغير، نصحني بإخفاء الجثتين داخل إحدى خزائن الكتب، والتأمين على المنزل بمبلغ كبير، ثم إحراقه.
وشرعت في تنفيذ ذلك.
كانت في المكتبة خزانة كتب اشتراها أبي حديثًا من مخترع غريب الأطوار، ولم يكن قد ملأها بالكتب بعد. وكانت تشبه بقدر ما في شكلها وحجمها خزائن الملابس القديمة التي يراها المرء في غرف النوم التي لا تحتوي على دواليب مدمجة، لكنها كانت مفتوحة من أسفلها إلى أعلاها بالكامل، مثل قميص نوم امرأة. كذلك كانت لها أبواب زجاجية.
كنت قد فرغت لتوي من تجهيز جثتي والديَّ، وكانتا قد أصبحتا متيبستين بما يكفي للوقوف منتصبتين؛ فوضعتُهما في خزانة الكتب بعد أن أزلت منها الأرفف، ثم أغلقت عليهما الخزانة وثبّتُّ بعض الستائر فوق أبوابها الزجاجية. ومر مفتش شركة التأمين أمام الخزانة ست مرات دون أن يساوره أدنى شك.
وفي تلك الليلة، وبعد أن حصلت على وثيقة التأمين، أضرمت النار في المنزل، وانطلقت عبر الغابة إلى البلدة التي كانت تبعد ميلين، ونجحت في أن يراني الناس هناك في الوقت الذي كانت فيه الدراما قد بلغت ذروتها.
عندها انضممت إلى الجموع المسرعة وأنا أطلق صيحات القلق على مصير والديَّ، ووصلت إلى موقع الحريق بعد نحو ساعتين من إشعالي النار.
كانت البلدة كلها هناك حين اندفعت نحو المكان، وكان المنزل قد احترق بالكامل، لكن عند أحد أطراف السرير المستوي من الجمر المتوهج كانت خزانة الكتب واقفة منتصبة، سليمة لم يمسسها أذى!
كانت الستائر قد احترقت؛ فكشفت عن الأبواب الزجاجية التي أضاء اللهب الأحمر المتوهج من خلالها الجزء الداخلي للخزانة. وهناك وقف أبي العزيز، "في هيئته التي كان عليها في حياته"، وإلى جانبه شريكة أفراحه وأحزانه. لم تحترق شعرة واحدة منهما، وكانت ملابسهما سليمة تمامًا.
كانت الإصابات التي اضطررت إلى إحداثها في رأسيهما وحلقيهما لتنفيذ خطتي واضحة للعيان. وبدا كأن الناس كانوا أمام معجزة؛ فقد ساد الصمت؛ حيث أسكت الرعبُ والرهبة كلَّ لسان. أما أنا فقد تأثرت بشدة.
وبعد نحو ثلاث سنوات، حين كانت الأحداث التي رويتها هنا تكاد تكون قد تلاشت من ذاكرتي، ذهبت إلى نيويورك للمساعدة في إيصال بعض السندات الأمريكية المزورة.
وفي أحد الأيام، وبينما كنت ألقي نظرة عابرة على متجر للأثاث، رأيت نسخة مطابقة تمامًا لخزانة الكتب تلك.
قال البائع موضحًا: "اشتريتها بثمن زهيد من مخترع تاب عن ماضيه. قال إنها مقاومة للحريق؛ لأن مسام الخشب مملوءة بالشَّب تحت ضغط هيدروليكي، ولأن الزجاج مصنوع من الأسبستوس. لا أظن أنها مقاومة للحريق حقًّا. لذلك يمكنك شراءها بسعر خزانة كتب عادية".
قلت: "لا. إذا كنت لا تستطيع أن تضمن أنها مقاومة للحريق فلن آخذها"، ثم تمنيت له صباحًا طيبًا.
لم أكن لأقبل بها بأي ثمن؛ فقد أعادت إلى ذاكرتي ذكريات كانت بالغة الإزعاج.



#حسين_محمود_التلاوي (هاشتاغ)       Hussein_Mahmoud_Talawy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ناديجدا ك. كروبسكايا: دروس أكتوبر (مقال مُتَرجَم)
- النصف الثاني من الشهادة (قصة قصيرة)
- (بؤساء) هوجو: نظرة نقدية سريعة مُبسَّطة
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الألمانية ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الألمانية ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الفرنسية 4 ...
- في مقاربات الترجمة: فيناي وداربلنيه نموذجًا (ورقة بحثية تمهي ...
- على مقعد المقصورة
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الفرنسية 3 ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الفرنسية 2 ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الفرنسية 1 ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (البريطانية ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (البريطانية ...
- جاك لندن و-كيش- وإنقاذ الإنسان من فخ الهيمنة
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (البريطانية ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (البريطانية ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن التاسع عشر - ج ...
- جورجي بليخانوف: المادية مرةً أخرى (مقال كامل مُترجَم)
- ياسمينة خضرا في القريبة كاف: الكل مُدان
- الأدب الشعبي الجزائري: تاريخ ومكونات ومستقبل


المزيد.....




- فنه من الخردة ورزقه من الشاي.. حكاية فنان تونسي يرفض التخلي ...
- وزارة النقل والثقافة تحتفيان بالمولد النبوي الشريف بعروض إنش ...
- مدفع القيصر.. أضخم مدفع في العالم وسر الطلقة الغامضة
- مشروع مسرحية عن عبد الحليم حافظ تُعرض في الذكرى الـ 50 لوفات ...
- معتصم النهار بطلاً لمسلسل اجتماعي كوميدي يعرض في رمضان 2027 ...
- رحيل الفنان التشكيلي سليمان منصور.. صاحب -جمل المحامل- يترجل ...
- رحلة فنية تعانق قمم القوقاز.. افتتاح أول مهرجان للمسارح الإق ...
- كيت هارينغتون.. بطل -صراع العروش- يشارك في الموسم الثاني من ...
- لينفيلم تفتتح معرضا بمناسبة مرور 130 عاما على أول عرض سينمائ ...
- بوتين يكرّم شخصيات ومؤسسات بارزة في الثقافة والفنون الروسية ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين محمود التلاوي - حريق غير مكتمل / آمبروز بيرس (قصة مُترجَمة)